الرئيسية / مقالات / المجتمع السوري والمشترك الغائب

المجتمع السوري والمشترك الغائب

سهف عبد الرحمنالمجتمع السوري والمشترك الغائب

الاتحاد برس – سهف عبدالرحمن:

لا يولد المجتمع من الفراغ ولايخلق من الطبيعة كبنية جاهزة ومكتملة، تتشكل المجتمعات عبر عملية تاريخية معقدة وطويلة وتتم في الغالب صناعتها على مراحل تشكل الثقافة البنية الفوقية المولدة للمجتمعات وتشكل السياسة البنية الأداتية للثقافة والتي تنقل الفكرة إلى حيز الواقع وتجعلها قابلة للحياة.

لا ينحصر مفهوم الثقافة على النظرية الفكرية والاعتقاد بل تشمل جملة من نشاطات الجماعة والتي تشكل خصوصيتها من أنواع الطعام إلى الأزياء التقليدية والرقص الشعبي والغناء والموسيقى والشعر واللوحة والسرد من هذا الفضاء الكلي تتشكل الخلفية التمايزية التي تحدد جماعة بشرية وعلى هذه الخلفية التمايزية تتكئ البنية السياسية في صياغتها لمشروع الجماعة، فهل تجد السياسة في سورية تلك البنية التي تستطيع أن تتكئ عليها أم هي اليوم أمام بنيات متعددة ومختلفة قد تطرح انقسامات عامودية تودي إلى مجتمعات سورية مختلفة ومتباينة ومتصارعة أيضا؟ هل الخلل بالثقافة أم بالسياسة في غياب المشترك السوري؟ أم بكليهما ؟

لم تستطع الطبقة المثقفة في سورية منذ عقود النفاذ إلى المجتمع والعمل في تطوير بنيته الثقافية بل بقيت معزولة ومحتجزة في قفص الاستبداد رهينة لمخاوف الدولة الأمنية من تطور المجتمع وانتقاله إلى بنى أكثر حداثة تعجز الدولة الأمنية بأدواتها القروسطية عن إدارتها وحكمها، وبقيت هذه الطبقة تشتغل على خطابها المعزول وتعمل في ثقافة الآخر البعيد وهو الهامش الوحيد الذي تركته لها الدولة الأمنية مما جعلنا نقف اليوم أمام مجتمع سوري عاجز عن إيجاد مشتركاته ينام على خلفيات عديدة ومتمايزة ومشوشة مما يجعل من الصعب توفير حامل قيمي مشترك قد تنبثق عنه محددات لمشروع سياسي توفر الحد الأدنى مما يقتضيه بناء دولة قابلة للحياة والاستمرار تشكل مظلة للكل الاجتماعي وللكل المصلحة في الحفاظ عليها.

من جهة أخرى قد توفر هذه الاختلافات البنيوية حالة من الغنى فيما لو تم استثمارها من جديد فميزة الثقافة بأنها قادرة دوما على العمل وبإمكانها استدراك الفوات وذلك ناتج لارتباط الثقافة بالعملية الأبداعية كعملية غير مرهونة بالزمن وبإمكانها تحقيق القفزات، ولكن إلى اليوم لا يوجد عمل حقيقي على إعادة إنتاج الطبقة المثقفة في سورية والتي بدورها مزقتها الحرب والمواقف السياسية وللآسف الشديد بدل أن يتبع السياسي الثقافي ويسترشد بأفكاره وقراءاته نجد الثقافي مشدود بقوة وراء السياسي يتبنى مواقفه وينظم خطابه على ضوء إرادة السياسي وتطلعاته، قلة قليلة من المثقفين السوريين من يعمل بعيدا عن السياسي ويشتغل على نقده وتصويبه وبالرغم من شدة تعقيد الحالة السورية والخسائر التي مني بها المجتمع ولحقت كل بناه لم يفت الوقت بعد لاستعادة المثقف دوره في إيجاد المشترك الجمالي والبحث عنه والذي يشكل بدوره الأساس للمشترك الأخلاقي، هذا المشترك القيمي بشقيه الأخلاقي والجمالي قد يؤسس للقانون الاجتماعي الجديد وخاصة اليوم بعد أن هشمت الحرب عالم القيمة وكسرت كل القوانين الاجتماعية القديمة.

كان من الممكن لمؤسسات المجتمع المدني السوري الوليدة أن تلعب دورا اجتماعيا رائدا في الساحة السورية من خلال تبنيها للمشروع الثقافي والاشتغال بمنهجية حديثة وجادة، فمن المفترض أن يشكل المجتمع المدني حالة تجاوز للقديم العلائقي ولكنه للآسف بقي رهين البنى العلائقية المتأخرة والسائدة في صياغة مؤسساته ومرهونا بالخارج الممّول ولم يستطع إلى اليوم من إيجاد حالة من الاستقلالية تؤهله للعب دور حقيقي في الساحة السورية وماتزال مشاريعه متناثرة هنا وهناك لا يجمعها خطة عمل ويزداد عجزا يوما بعد يوم عن استقطاب المثقف وعن تبني خططا مستقبلية تجعل منه فاعلا ومؤثرا وضروريا، لربما تتغير آليات اشتغال منظمات المجتمع المدني بعد أن تضع الحرب أوزارها ولربما تتمكن في زمن السلم من إعادة موازنة ارتباطاتها الخارجية لصالح استقلالية قرارها مع الحفاظ على علاقاتها الخارجية على أساس الندية والتكافؤ علها تطرح خططها وبرامجها وفق مقتضيات الواقع السوري وأولوياته ولربما تستطيع أن تشكل الحاضنة للعمل الثقافي الجديد وتساهم في إيجاد المشترك السوري الذي ضيّعته الدولة الأمنية في غياهب ظلماتها ولم يجده المثقف ومااكترث له السياسي.

إننا اليوم أمام مجتمعات سورية متباينة ممزقة وفي كل يوم يتسع هذا الشرخ وتتسع الهوة، إن المجتمع السوري اليوم معرّف إداريا فقط والمشترك الوحيد الذي يجمعه هو القهر وهو غير كاف لبناء دولة أو للتأسيس لمشروع النفع العام.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *