الرئيسية / مقالات / قدر سورية في لعبة الأمم

قدر سورية في لعبة الأمم

بسام البنيقدر سورية في لعبة الأمم

الاتحاد برس – بسام البني

ليس جديدا” على هذا العالم قيام حروب بالوكالة، حيث أنك تجد في التاريخ أحداث وحروب لا تعد ولا تحصى ومرتزقة تتحارب على أرض غريبة لمصلحة أطراف تحركها، وتستخدم الدول العظمى في حروب (البروكسي) أو الحروب الغير معلنة أشخاص وميليشيات أو دول مغلوب على أمرها، تارة باللعب على الوتر العاطفي او الطائفي وفي أكثر الاحيان في اللعب على العامل الديني والمذهبي أو الطمع بالسلطة والحفاظ عليها.

أسباب تلك الحروب عديدة لكن السبب الأهم هو الحروب الاقتصادية والتي تحتاج في كثير من الأحيان للحروب العسكرية لتغير نتائجها عندما تشعر إحدى الدول العظمى بأن أمنها الاقتصادي بات في خطر، وهذا ما سأتكلم عنه هنا.

تجاوز سعر النفط منذ أيام ( 84$ ) وما يؤثر على سعر النفط اليوم هو العلاقة المتوترة بين إيران والولايات المتحدة وموقف الأوبك زائد روسيا الثابت حول عدم الذهاب لرفع كميات الانتاج، أما المحرك الأساسي لأسعار النفط العالمية فهو التدخل العسكري الروسي في سوريا الذي أنهى عامه الثالث منذ أيام.

هذا التدخل العسكري له اهداف جيوسياسية ولن ادخل هنا في التفاصيل الأمنية والسياسية المتعلقة بمنظومة مجلس الأمن وهيئة الامم وموضوع التفرد الأمريكي بالقرار العالمي بعد خسارة الاتحاد السوفيتي الحرب الباردة وانهياره، ولا عن رغبة روسيا والصين بكبح جماح الولايات المتحدة وبريطانيا.

لكن سأتحدث حصرا” عن مسألة الحرب الإقتصادية التي تقودها أمريكا ضد روسيا منذ زمن طويل، اما أهدف هذه الحرب النهائية فهي محاصرة الغاز والنفط الروسي وتعطيل تصديره للقارة العجوز، ناهيك عن افتعال كل ما يمكن فعله لخفض أسعار النفط والغاز وذلك بتنفيذ مشاريع موازية لتوريد الغاز لأوربا لإخراج روسيا من السوق الأوربية والتحكم بأمن الطاقة.

فبعد ان نسفت روسيا مشروع نوباكو الذي سيقوم بتحويل تجارة الغاز الطبيعي من آسيا الوسطى إلى أوروبا دون المرور بروسيا وبتأييد من المفوضية الأوروبية ودعمها المادي وذلك بمنحة مالية لتغطية نحو 50 في المائة من تكلفة المشروع، غير أن مشروع نوباكو الذي تم التفكير فيه عام 2002 لم ير النور وتم تعطيله وإرجاؤه فترة امتدت إلى تاريخ توقيعه في عام 2009م وذلك لأسباب عديدة، تأتي في مقدمتها لعبة المصالح الكبيرة بين الجغرافية والسياسة والطاقة، فتبنت روسيا خطة استراتيجية دفاعية بثلاثة محاور لمجابهة مشروع نوباكو وتفريغه من جدواه من النواحي القانونية والاقتصادية والسياسيةً،، وقد جاء المحور الأول منها عبر إثارة نزاع الملكية القانونية حول بحر قزوين ، فقد لجأت روسيا في تنفيذ استراتيجيتها إلى إثارة جدل قانوني حول مسار الأنبوب، وإمداداته وذلك من أجل الإيقاف الفوري أو على الأقل تعطيل المشروع، وايضاً دخلت روسيا في عقود شراء غاز طويلة الأجل مع كل حكومات الدول المفترض منها ضخ الغاز في خط أنابيب نابوكو، كتركمانستان التي تنتج حالياً نحو 80 مليار متر مكعب سنوياً، وقامت روسيا بشراء أكثر من 50مليار متر مكعب في عقود طويلة.

كما دخلت بعقود شراء طويلة الأجل مع أوزبكستان التي لديها احتياطي قدره 1.8 مليار متر مكعب من الغاز، حيث قامت روسيا بشراء كامل إنتاجها من الغاز في عقد طويل الأجل، وفي ضوء ذلك انسحبت تلك الدول من أي تعهد لإمداد نوباكو، وأعلنت تركمانستان من جانبها أخيرا أنه حتى ولو بعد تطوير حقولها الغازية ووجود فائض في الغاز المنتج عن تلبية تعهداتها لروسيا والصين فلن تبيع الغاز لخط الأنابيب الآنف الذكر، كما أن أذربيجان التي يعول عليها كثيراً بعد انسحاب تركمانستان من إمداد النسبة الأكبر من الغاز المنقول إلى أوروبا، دخلت هي الأخرى في تعهدات مع روسيا بعقود بيع طويلة المدى، حيث وقعت روسيا معها اتفاقاً لشراء حصة كبيرة من غازها.

تلك الخطوات الاستباقية من روسيا قابلتها أمريكا وحلفائها بخطة مضادة تعتمد على إيجاد خطوات عملية بديلة، خط الغاز القطري عبر السعودية وسوريا وتركيا أو الإيراني عبر العراق وسوريا، كبديل عن نوباكو، فجاء التدخل العسكري الروسي لمنع التنفيذ وفي نفس الوقت لرفع أسعار النفط، فكان لها ما ارادت ناهيك عن رفع أسعار الغاز أيضا”.

فمن المعروف أن الحرب السورية جمعت مصالح أطرف عديدة هدفها التحكم بالقرار السوري السياسي ولو استطاعوا إسقاط النظام وتعيين حكومة على هواهم، لكان لهم ما أرادوا ولكن وبعد التدخل الروسي وهزيمة داعش والنصرة تغيرت الموازين والحسابات الدولية لأن قطر والسعودية فقدت أدواتها في الحرب أمثال جبهة النصرة والتي غيرت اسمها إلى هيئة تحرير الشام، احرار الشام، جيش الاسلام وفيلق الرحمن الخ.. والضربة التي ساهمت في كسر ظهر الجبهة هو إدراج تركيا وامريكا لها على لائحة الإرهاب.

إيران تتشارك مع قطر جغرافيا” بحقوق الاستفادة من استخراج وتصدير الغاز الموجود في الحقل الشمالي، وتعارض مصالح الحلف القطري التركي السعودي بدعم الأمريكي مع الحلف السوري الإيراني العراقي بدعم روسي ساعد على إيقاف الخطان وبالتالي على التوازن المطلوب للاقتصاد الروسي الذي يعتمد بشكل ملحوظ على تصدير الطاقة، وذلك برفع سعر النفط إلى الضعف والمحافظة على التواجد في سوق الطاقة الأوربي.

تغير الوضع الميداني في سوريا أدى إلى التغير في الحسابات الدولية والتي ظهرت تجلياتها بخلاف الحلفاء الذين خسروا الحرب في سوريا، فنجد أن قطر الطامحة بتصدير غاز الحقل الشمالي إلى السوق الأوربية تعاني اليوم من حصار عليها يقوم فيه شركاء الامس، وتركيا التي شعرت انها تستطيع الاستفادة من مركز التوزيع الذي من الممكن أن يقام ويمرر على أراضيها قد اقتربت من روسيا بعد أن فهمت انه دون روسيا ستضرب مصالها، مما جعل الامريكان مضطرون لدعم تنفيذ انقلاب عسكري على اردوغان والذي باء بالفشل، ليس دون مساعدة روسيا لاردوغان، وقبلها استخدمت أمريكا ادواتها في تركيا لإسقاط طائرة روسية و ايضاً اغتيال السفير الروسي في انقرة لمنع التقارب ، تحلت السياسة الروسية بالحكمة ريثما تتوضح الأمور لأردوغان، ما دفع تركيا للمشاركة في محور استانا بقوة كضامن عن المعارضة، كتف الى كتف مع اعداء الامس ايران وروسيا وسوريا، فتم أيضاً توقيع سلسلة من المشاريع الضخمة بين تركيا وروسيا.

اتفاقية السيل الشمالي، واتفاقية المحطة الحرارية لتوليد الكهرباء، واتفاقية شراء منظومة الدفاع الجوي اس 400 من روسيا، في المقابل تخلت عن فصائل المعارضة المسلحة في ريف دمشق وحمص وحلب ، كما ظهرت حالة التقارب الروسي القطري الذي كانت نتيجته بعض الاتفاقيات التي تعطي الشركات الروسية حصة بتنفيذ عمليات استخراج غاز الحقل الشمالي.

وهذا ما يفسر الهيجان الغربي على كل المحاور بهدف شيطنة روسيا واضعافها، ولم يكتفي الغرب بذلك فبدأت الحرب الإعلامية والاقتصادية ضد الصين التي دعمت روسيا سياسيا” في مجلس الامن، بفرض عقوبات اقتصادية شبه أسبوعية على روسيا منذ فترة ليست بالقليلة تحت ذرائع مختلفة، والبدء بفرض عقوبات على الصين أيضاً، أقل ما يقال عنها (ذرائع صبيانية)، كما أن أمريكا انسحبت من الاتفاق النووي مع ايران ما أدى الى العودة في الملف الإيراني الى نقطة الصفر.

بالإضافة إلى تنفيذ ثورة ملونة بالتوازي مع ثورات الربيع العربي في اوكرانيا أدت إلى انقلاب مسلح في عام 2014 ضد الرئيس الأوكراني المتناغم مع روسيا وإيصال رئيس موالي لأمريكا وينفذ كل ما يطلبه منه الغرب، ناهيك عن ظهور أحزاب تحمل الفكر العنصري النازي والقائم على عداء روسيا والروس ومحاربة كل ما يتعلق بالثقافة والتاريخ واللغة والمواطنين ذوي الاصول الروسية في اوكرانيا مع العلم أن عددهم حوالي نصف عدد سكان اوكرانيا، وكل هذا بدعم أمريكي وتحت مسمع ومرأى القارة العجوز العاجزة عن فعل اي شيء سوى تنفيذ ما يمليه عليها الأمريكي.

أدى هذا الوضع الخطير إلى تمرد المناطق ذات الأكثرية الروسية على الانقلابين وكانت نتيجة التمرد استفتاء قام به سكان شبه جزيرة القرم انضمت بعده شبه الجزيرة لروسيا واعلنتها روسيا أرض روسية لإنهاء حلم الناتو بالاستيلاء على مرفأ ستيفاستوبل ليتقدم بقوات الناتو إلى حدود روسيا أكثر، كما تمردت منطقة الدونباس و لوغانسك لتعلنا نفسيهما جمهوريات رافضة الاعتراف بسلطة كييف العاصمة.

بعد تحكم أمريكا بالسلطة الحاكمة في اوكرانيا تمت السيطرة الامريكية على خط الغاز الروسي عبر اوكرانيا لأوربا لتتحكم أمريكا بأمن الطاقة الأوربي وتفرض عقوبات اقتصادية على روسيا كي يشتري الأوربيون منها الغاز المسال بقيمة تفوق بثلاثين في المئة عن سعر الغاز الروسي، وبذلك تستطيع التحكم بالقرار الأوربي السيادي سياسياً واقتصادياً.

فلم يبقى أمام روسيا خيارات الا ان تدخل الى سوريا لتمنع سقوط الدولة والنظام السياسي الذي طلب منها التدخل ولتتمكن من إيجاد بدائل لأنبوب الغاز الاوكراني وتحافظ بذلك على امنها الاقتصادي.

أدت السياسة الامريكية المتطرفة والمتعجرفة إلى تململ وخوف اوربي مما دفع إلى توقيع اتفاقية خط أنبوب الغاز مع ألمانيا ليتم تنفيذ انبوب الغاز هذا عن طريق البحر ودون المرور في الأراضي الأوكرانية، اما خط غاز السيل التركي فقد بقي على انتهاء تنفيذه 200 كم فقط.

جن جنون الأمريكي وبدأ منذ أيام بلعبة قذرة كالتي لعبها في سوريا بمسألة المذهبية والطائفية (شيعة ،سنة ، علوي، مسيحي الخ.. ).

فدفع بالرئيس الأوكراني ( بيوتر بارشينكو) ليطالب بطريرك الكنسية الأرثوذكسية في القنسطينية بمنح كنائس اوكرانيا مرتبة (افتاكيفال، او توماس) ما يعني اعطاؤها حق الانفصال عن الكنيسة الروسية وقد هددت الكنيسة الروسية بقطع العلاقات مع الأب الروحي لعموم الارثوذوكس في العالم بطريرك القنسطينية مما يعني أن البطريرك (كيريل) لن يذكر بطريرك القسطنطينية (برثلماوس) في صلواته، كما سيتوقف الكهنة في الكنائس والأديرة التابعة لبطريركية موسكو وعموم روسيا عن ذكره في صلواتهم.

هذا انقسام حقيقي في الكنيسة الأرثوذكسية الشيء الذي قد تقوم بسببه حرب دينية على مبدأ عقائدي، مع العلم أن الدستور الأوكراني علماني ويلزم بمبدأ فصل الكنيسة عن الدولة والعكس.

هذا هو واقع الامر للأسف في لعبة الأمم الكبرى، فعادة ما تركّز وسائل الإعلام على الضحايا والدمار، وتسير الشعوب وراء عواطفها فتجدها تتفاعل مع الاحداث العسكرية والأمنية، وينسى الجميع البعد الجيوسياسي، وكذلك الخلفيّات الاقتصادية والمالية للجهات المتورطة، ولمن يقف وراءها، وهذا ما ينطبق تماماً على المشهد الحالي في منطقة الشرق الأوسط بشكل عام وسوريا بشكل خاص، حيث تتجاوز الأحداث مسألة إسقاط دكتاتور تارة ومسألة قمع مسلحين متمردين تارة اخرى، فالوضع الحالي مرتبط مباشرة بمصالح حيوية فائقة الأهمية للدول العظمى والإقليمية أيضاً، وكل ما تبقى تفاصيل.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *