الرئيسية / مقالات / بين مثقّفي الثورة و«زعرانها»

بين مثقّفي الثورة و«زعرانها»

بين مثقّفي الثورة و«زعرانها»

مصطفى زين

إن التعريف البسيط للثورة أنها ضد الاستعمار وضد أنظمة الحكم المستبدة المرتبطة به. هذا ما كان في أربعينات القرن الماضي وخمسيناته، عندما انتفضت أفريقيا وآسيا وأميركا الجنوبية ضد المستعمرين البريطانيين والفرنسيين وتحررت القارتان بعد أكثر من قرنين من الخضوع ونهب ثرواتهما ومحاولات كثيرة لسلخهما عن تاريخهما وثقافاتهما. ولم تكن الدول المستعمرة تلجأ إلى القوة وحدها لإخضاع الشعوب وتدجينها، إذ رافقت العنف الدموي وقوة السلاح بحملات قادها مثقفون محليون يدعون إلى ضرورة الخضوع للرجل الأبيض ويبررون مواقفهم المناهضة للثورة بأن الخلاص من التخلف لا يمكن أن يتحقق إلا بالتبعية المطلقة للغرب الذي يحتكر المعرفة ووسائل التقدم العلمي، في كل المجالات.

هذا في القرن الماضي، أما اليوم فقد اختفت كلمة الاستعمار من الأدبيات «الثورية»، وحلت مكانها دعوة هذا الاستعمار ذاته إلى العودة ومساعدة «الثوار» في التخلص من أنظمة الحكم الوطنية، من دون أن يكون لدى الدعاة البديل سوى بيانات تحمل شعارات الديموقراطية والحرية وحقوق الإنسان.

في التحضير للحرب على العراق، خرجت أصوات كثيرة تدعو الغرب إلى إنقاذ الشعب من استبداد صدام حسين، وفتحت أمامها صفحات كبريات الصحف مثل «نيويورك تايمز»، و»واشنطن بوست» و»لو موند» و»ذي تايمز»، وشاشات التلفزيون لتكرز بفضائل الاستعمار في تقدم الشعوب ونشر الديموقراطية في العالم، وعقدت النخب لقاءات ومؤتمرات مع الإدارتين الأميركية والبريطانية لتخطيط مستقبل البلاد وطريقة حكمها ديموقراطياً، ونظمت لهذه النخب دورات تدريبية تمهيداً لتسلمها السلطة، وكانت النتيجة ما نشهده اليوم في بلاد ما بين النهرين، فبدلاً من ديكتاتورية الفرد غرقت البلاد في ديكتاتورية الطوائف والمذاهب والأعراق والقبائل، يقودها دعاة الديموقراطية والحرية.

في سورية، لا يختلف الأمر كثيراً عن العراق، فمن اليوم الأول لبدء «الثورة» انطلقت معها أصوات مرتفعة كثيراً تدعو الحلف الأطلسي إلى تكرار تجربته في ليبيا لإطاحة النظام، وقاد التظاهرات سفيرا الولايات المتحدة وفرنسا (روبيرت فورد وإيريك شوفالييه) اللذان لم يتركا الساحة إلا بعدما غرقت البلاد بالدماء وراحا ينعتان «الثوار» بأشد العبارات بذاءة. أما المثقفون الوطنيون، فكانت وظائفهم محفوظة في «المجلس الوطني» وفي «الائتلاف» وفي الهيئات الكثيرة الأخرى التي أفرزتها «الثورة» استعداداً لتسلم الحكم ونشر الديموقراطية والحريات. لكن التدخل الغربي لم يكن هذه المرة مباشرة كما في ليبيا، ولم تحشد الجيوش من أجل «حل نهائي» إلا عام 2013 عندما تراجع أوباما عن الهجوم على دمشق، فكال له «المثقفون الثوريون» أبشع التهم وأقساها وانخرطوا في التخطيط السياسي لما بعد «الثورة» بسذاجة لافتة، فهم يعرفون أنهم لا يمثلون أحداً وأن الميدان وحده يحدد النهاية. وأن «الإخوان المسلمين» لديهم مسلحوهم و»الجهاديين» لديهم فصائلهم، وما أكثرها، وأن الجيوش الغربية مهمتها تسليح هذه الفصائل وتدريبها لإحداث المزيد من الخراب و»إعادة الإعمار».

ونتساءل اليوم، أين هؤلاء «المثقفون الثوار»؟ أين برهان غليون وميشال كيلو وجورج صبرا وبسمة قضماني وغيرهم كثيرون؟ أين هؤلاء مما يجري في سورية وقد أصبح الحوار مقتصراً على الدول الداعمة لـ «الثورة» وتلك التي تدعم النظام، وبين الأخير والمسلحين على الأرض؟ وهل يكفي قول كيلو، وهو «الرائي»، أن: «99 في المئة من الثوار زعران» كي يبعد نفسه من «زعرنة» كل الأطراف؟

المصدر: الحياة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *