الرئيسية / مقالات / الشباب السوري بين نيران الواقع وغموض المستقبل

الشباب السوري بين نيران الواقع وغموض المستقبل

الشباب السوري بين نيران الواقع وغموض المستقبل

الاتحاد برس – پيمان قاسم

الشباب يعتبرون أمل الأمة التي يمثلونها، وهم الدعامة الأساسيّة التي يُبنى عليها المستقبل، والوتد الذي تشدُّ به خيمة النجاة، لأنّهم يشكلون الطاقة البشرية والحيوية القادرة على القيام بالعمليات النهضوية والتنموية انطلاقاً من حركة تنويرية تنسجم مع قيم العصر ولا تتناقض مع المصالح المتباينة.

 والأسرة تُعتبر المدرسة الأولى التي بيدها مفاتيح السّمو بـ (الشاب) وبنائه بناءً حضاريّاً، بدءاً من اللّبُنات الأولى لإعداده كي يكون فاعلاً في الخليّة الصغيرة المتمثّلة بالوطن الذي ينتمي إليه وانتهاءً بقبوله بالمعادلات المتوازنة في إطار الخليّة الأكبر المتمثّلة بالإنسانية.

وعالم الشاب في مجتمعنا الشرقي عموماً وفي المجتمع السوري خصوصاً يبقى مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بالأسرة التي وُلٍدَ ونشأ فيها، لأنّه اعتاد الاتّكال على والديه منذ نعومة أظفاره، أو أنّ الوالدين لم يقوما بتحريره من سلطتهما، وهما مَن يقرران عنه مستقبله ويكونان السبب ـ أحياناً ـ في فشله لعدم منحه فرصة الاعتماد على نفسه، كالطفل الذي يبدأ بالمشي ويستنجد بوالديه باكياً عند سقوطه،فيصبح بعدئذٍ عاجزاً ومُحبطاً أمام حلّ مشاكله لأنّه ـ ببساطةـ اعتاد أن ينهض بمساعدة والديه عند كلّ مشكلةٍ تعترضه، وهذا ما يفسّر ارتفاع نسب الانتحار بين الشباب المهاجرين حين يتعسّر عليهم إيجاد الحلول لمعضلاتهم في بلاد الغربة.  

كما إنّ مسؤولية تأهيل الشاب في مجتمعنا السوري تقع ـ برمّتهاـ على كاهل الأسرة بسبب غياب دور الدولة في التخطيط وإنجاز برامج الرعاية الاجتماعية والاهتمام بمواطنيها؛ فالوالدين هما من يتحمّلا المسؤولية في حال فشله، لأنّهما لم يُعلّماه بأنّ الإخفاق في تجربته الحياتيّة الأولى ما هو إلا العتبة الأولى للارتقاء لسلّم النجاح من جهة، ولم يعوّداه من جهةٍ ثانية على اتّخاذ قراراته بنفسه لبناء مستقبله لتجاوز المخاطر التي تواجهه بحكمةٍ وجَلَد.

لكنّ مع دخول الشباب الألفية الثالثة ومواكبة ثورة التكنولوجيا الحديثة، فقد استطاع الجيل الجديد اكتشاف نمطٍ جديد من الحياة يختلف تماماً عن الحياة التي عاشها والديه، ممّا يدفعه للدخول في معتركٍ جديدٍ لحياة تقنيّةٍ متقدمة، وهذا ما دفع الآباء إلى تلافي أخطاء الأجداد وعدم تكرارها، فأصبحوا أكثر ميلاً لاستقلاليّة أبنائهم وبناتهم، مع أنّهم ظلّوا يحملون أفكار الأجداد في التدخّل بشكلٍ أو بآخر في مستقبل أولادهم ولا سيما في مجال الدراسة والزواج والإنجاب.

وفي الوقت ذاته، وللأسف، فإنّ الدولة التي لم تفكّر حتى قبل “الثورة السوريّة”، في استعادة العقول الشّابة لخدمة البلد بل كانت على الدوام تتربّص بهم خشية قيامهم بأيّة خطوةٍ من شأنها أن تفتح آفاقهم المستقبلية، أو قد تشكّل تهديداً للسياسات الحاكمة كون تلك الخطوة ستكون منحرفة عن سَير الخطط الخمسية الراكدة التي رسمتها الحكومة لمئة عامٍ بشكلٍ مسبق.

لذلك فإنّ استثمار أفكار الشباب التكنولوجيّة واستغلال قدراتهم وطاقاتهم الفذّة من شأنها أن تنهض بالبلد نهوضاً اقتصادياً وحضاريّاً، ولا سيما عندما تتحمّل الدولة مسؤولية ونفقات إبداعهم وتنمية مواهبهم من خلال المشاريع التي تقدّمها للشباب بإقامة دورات تدريبية متواصلة يمكنها أن تزيد ثقة الشاب بنفسه وبدولته ووطنه أكثر وتحثّه للتضحية في سبيلهما دون التفكير في الهجرة منه أو مغادرته، هذا إلى جانب أنّ ذلك يشكّل دافعاً لدى لكثير من الشباب للتفكير بمستقبله تلقائيّاً دون الخوف من المستقبل الغامض والشعور بالمسؤوليّة الذاتيّة تجاه نفسه دون الاعتماد على ما تركه له والديه من إرث اجتماعي أو اقتصادي ليتخبّط فيهما طيلة حياته.

فمساعدة الدولة للشباب ينبغي ألا تقتصر على التعليم المجاني أو الرمزي ثم تركهم في جبّ القدر والطلب منهم التفكير بطريقةٍ للخلاص بأنفسهم دون منحهم حبلاً أو أداةً للنجاة.

فالألفية الثالثة، لم تكن زمن الثورات العربية أو زمن ثورة التكنولوجيا والاتصالات فحسب، بل كانت أيضاً ثورة على الذات والمجتمع ومحاولة لتغيير المستقبل كما يجب أن يكون لا القبول به كما هو، وهذا ما جعل رغبة الشباب تزداد في الخروج من يَرقة الأسرة والقبيلة والقوقعة الاجتماعيةالرتيبة للتحليق في سماء الحريّة الشخصية والتي لا تعني، بالضرورة، الخروج عن المألوف أو تجاوز منظومة القيموالمنطق العقلاني.

ومع ذلك فإن الحياة العصرية الجديدة لم تحقق للشاب ما كان يحلم به للتحليق بجناحيه الغضّين في ظل هبوب عواصف الحروب والآفات والأزمات، وبالرغم من آمالهالمحدودة التي كانت تقتصر على الإصلاح والتغيير في مجالات الحياة في مجتمعه، فقد زادت الأمور تعقيداً فجأةً في ظلّ سنوات الثورة السوريّة، وأدّت المطالبة بالتغيير والإصلاح والقضاء على الفساد والمحسوبيات وتصحيح المفاهيم الحياتية السلبية إلى انعدام الأمان والاستقرار في البلد بأكمله، فوجد الشاب نفسه فجأةً ودون تمهيد مسؤولاً عن اتّخاذ قراراته المستقبليّة وأمام مفترق عدة أنفاقٍ معتمة مجهولة النهاية:

فإمّا إتمام الدراسة في ظلّ الدمار والقلق المتتالي ولا سيما في المرحلة الجامعيّة وتوقّع أسوأ النتائج كارثيةً بالقتل أو الخطف، أو ترك الدراسة والقيام بإعالة أسرته في ظل شظف العيش وقساوته وغلاء الأسعار ضمن محيطه الجغرافي الضيّق في بلدته أو مدينته الصغيرة.

كما أنّ الشباب السوريين الذين يشكّلون ما يقارب 43% حسب احصائيات الأمم المتّحدة لعام 2016، وهم أكثر فئات المجتمع تعرّضاً للمعاناة من الناحية الاقتصاديّة حيث لا يجدون ما يلبي طموحاتهم وتطلعاتهم في سوق العمل الراكد، فيضطرّ الشاب لاختيار الخيار الثالث وهو الهجرةإلى خارج البلاد ولا سيما للدول الأوروبية، وانتقاء المصير الأشد غموضاً والمقترن بصعوبة الاندماج في المجتمع الجديد.

في حين أنّ الشابة لا يقلّ حظّها عن حظ الشاب، فمصيرها هو الزواج في سنٍّ مبكر كبديلٍ عن إتمام الدراسة، بغض النظر عن النتائج السيئة لهذا الاختيار صيانةً لشرف العائلة، وخشيةً عليها من الاختطاف أو التجنيد، أو البقاء بلا زواج وهذا يؤدي إلى ضعف نسبة التعليم بين الإناثأيضاً إنْ لم يكن انعدامه في بعض المناطق.

ففي الوقت الذي ندعو فيه الشباب إلى الاستقلاليّة وعدم الانفكاك عن مجتمعهم لما قد سيسبّبونه من خلخلة فيالتوازن في نسب الإناث إلى نسب الذكور، وما قد يتركونه من فجوة عمريّة بين الذكور في حال الهجرة، وهجرةالطاقات الحيوية الشبابيّة في المجتمع بين 16ـ 36 سنة؛لا بدّ من إيجاد حلول جذريّة في ظل هذه التحديات التي تعترض المجتمع السوري للعمل على جذب الشباب لتحقيق التوازن والاستقرار في بنية المجتمع الذي يشكّل الشباب المكانة العظمى فيه للقيام بالعملية التنمويّة الاقتصاديّة والاجتماعية والبشريّة على حدٍّ سواء.

فإذا أُخذ  بعين الاعتبار بشكلٍ جدّي موضوع إعادةالشباب المهجّرين واستقطابهم من البلاد التي هاجروا إليها، فلا بدّ من خطواتٍ أوّليّة هامّة وهي:

1ـ تحقيق الأمن والأمان لتمكّن الشاب من العودة دون الخوف من الاعتقال أو القتل أو السَوق للتجنيد الإجباري.

2ـ إيجاد خطط تنموية لتوفير سُبل أفضل للعيش مما كانوا عليه قبل الهجرة لإغرائهم بالعودة.

توفير خطط تعليمية لتمكين الشباب الذين حُرموا من دراستهم في سنوات الحرب من العودة إلى دراستهم وحياتهم الطبيعية وتسهيل الطرق لبلوغ ذلك.

4ـ وضع خطط وجهود فكرية وتثقيفيّة وتوعوية لإعادة تقبّلالشباب لمجتمعهم لردم الهوّة التي سبّبتها الهجرة في نفوسهم وليتمكّنوا من استعادة قدراتهم على التفاعل من جديد مع نمط حياتهم القديمة الجديدة.

5ـ تسهيل الطرق للشباب والشابات للتمكّن من الزواج والتأهيل وتأمين المسكن والعمل لهم، بعد أن كانت الحرب كفيلةً، خلال السنوات المريرة التي عاشها الشعب السوري، بتدمير كل شيء بما في ذلك أمانيهم وأحلامهم وطموحاتهم.

إنّ تحقيق كلّ هذا مرتبط بالحالة السياسيّة والاستقرار السياسي في البلد لإعادة دفتيْ السفينة إلى هدوئها بعد العاصفة الهوجاء التي طالت لأكثر من ثماني سنوات، حيث أكّدت عدّة دراساتٍ إحصائية على هجرة ما يزيد عن3.5 ملايين شاب في السنتين الأخيرتين وهم في عُمرهم الغضّ وفي المراحل الدراسيّة.

وفي ظلّ هذا المدّ المتزايد من المصاعب التي يواجهها المجتمع السوري وتفاقم الحالة الاجتماعيّة والبشريّة والتغيير الديمغرافي المُمنهج المُمارَس في معظم المناطق السوريّة، يبقى السؤال المطروح:

هل ثمّة إمكانية استعادة المناطق السورية عافيتها من جديدٍلتضّمد جراحها النازفة وتضمَّ إليها أبناءها لمواكبة تطورات الألفيّة الثالثة بالقضاء على أسباب الاغتراب الداخلي لدى الشباب والفئات العمرية الأخرى، والتي تعمل من أجل وطنٍقابل للتطور والمدنيّة والديمقراطيّة، ليحيا أبناؤها فيها بأمنٍ وسلام بمختلف انتماءاتهم ومعتقداتهم ومذاهبهموأطيافهم؟

والإجابة عن هذا السؤالٍ هو تحدٍّ أمام كل الفئات السياسية والاجتماعيّة وممثّلي المكونات المختلفة لمحاربة كلّ أنواع التطرّف والعنصريّة والتمييز، والتحرّر من إرث هذه المرحلة  بمفاهيمها البغيضة من أجل الانطلاق لبناء الإنسان والعمل على تعزيز مفاهيم الحريّة والمساواة والعدالة الاجتماعيةوسيادة القانون.  

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *