الرئيسية / مقالات / الكتابة والقراءة في زمن الشاشة الزرقاء

الكتابة والقراءة في زمن الشاشة الزرقاء

بيمان قاسمالكتابة والقراءة في زمن الشاشة الزرقاء

الاتحاد برس – پيمان قاسم:

القلم والأسطر والكلمات تشكّل معاً مجموعة الوسائل التعبيريّة التي يعبّر بها الإنسان عما يختلج في نفسه وما يعتريه من مشاعر تعكس صورته الحقيقيّة والتي تترك انطباعاً معيّناً في نفس القارئ. ولكنّ تلك الوسائل التي استُعيض بها اليوم بالأزرار ولوحة المفاتيح والشاشة الزرقاء قد وقفت عائقاً ـ إلى حدٍّ ما ـ بين الكاتب والقارئ لأّنّ الكاتب قد اضطّرّ للاستعانة بهذه الأدوات الجديدة لتكون جسراً للوصول إلى نفوس القرّاء، بعدما خفّت أسهم القراءة الورقّيّة في أرصدة الثقافة والمعرفة في ظّلّ الثورة الرقمّيّة .

وللكتاب أهمية كبرى في حياة الكائن البشري لتوعيته وتثقيفه أيّاً كانت درجة ثقافته أو مرتبته أو عمره، فهي بروتين روحي تحتاجه النفس الإنسانية كحاجة الجسم للغذاء. والقراءة والاطّلاع والاكتشاف المعرفي هي من المقومات الأساسّيّة للكتابة الناجحة، وفي هذا الصدد يعّرّف الدكتور وجيه المرسي أبو لبن )أستاذ المناهج في جامعة عين شمس ـ القاهرة( الكتابة بأنّها:

“الكتابة أداة للتعبير عمّا يجيش في النفس، وتتطلبّ كفاءة لغويّة وعرض الأفكار ودقّة في التعبير”.

ولكّنّ القارئ الذي ابتعد عن الكتاب الورقي لم يعد يهّمّه اقتنائه بل باتت تستهويه الكتابات القصيرة المنشورة على )الفيسبوك أو التويتر أو الأنستغرام أو اليوتيوب( بغض النظر عن منافعها أو مضارها، والإنسان المثقّف لم يعد يتعّسّ ر عليه الحصول على الكتاب الذي يريده الكترونيّاً، حينما يعجز عن اقتناء الكتاب لعدم توافره أو غلاء ثمنه، ولكنّ هذا يُبعد الكاتب عن الكتابة الورقيّة بالقدْر نفسه الذي يبعد القارئ عن القراءة الورقيّة.

كما أنّ القارئ لأيّة مادةٍ أو كتابٍ لا بدّ وأن يتّصف بـعدة مواصفات ليكون قارئاً متعمّقاً، ومنها:

ـ أن يقرأ المعاني وما بين السطور وما تتضمّنها المادة من أفكار ودلالات لغوية ويفهمها ويكون ملمّاً بها.

ـ أن يتأثّر بالقراءة ويتفاعل معها دون أن يشتّت تركيزه ليضيفها إلى تجاربه السابقة.

ـ أن يكون محايداً في قراءاته ويظهر قدرته على استيعاب الرأي الآخر المختلف للوصول إلى الغرض من كتابة المادة دون الحكم السلبي على الكاتب ومادته من وجهة نظره الشخصّيّة المتباينة.

ـ أن يُحسن انتقاء المواد والكتب التي فيها منفعته ليكون قادراً على اكتساب الخبرات والمعلومات منها.

ـ أن يشبع ميوله وحاجاته النفسية ويوثّق الصلة بينه وبين الكتاب لما فيها من تحقيقٍ لذاته وصقلٍ لقدراته وتنميةٍ لرغباته في حّبّ المعرفة والاطلاع.

كما إنّ الكتابة المكوّنة من ركنيه الأساسيين )الآلي المتمثّل بالمهارة الحركية في الكتابة، والفكري المتمثّل بالمهارة العقلّيّة أو الفكريّة في الكتابة( تستلزم بأن يكون الكاتب مُلمّاً وواسع الاطّلاع في المجال الذي يعتزم الكتابة عنه، وهذا يتطلبّ تدوين أفكاره بطريقةٍ منظّمة ولغةٍ صحيحة وأسلوبٍ سليم حتى يكون قادراً على التعبير عن أفكاره التي يعرضها للقارئ الحصيف الذي لا تنطلي عليه رداءة الأسلوب أو ضعف اللغة أو سوء تنظيم الأفكار للمادة التي يقرأها، لأنّ الكاتب حالما ينشر كتاباته فلم يعد يمتلك فيها غير اسمه لأنّها ستكون ملكاً للقارئ الذي سيبحث فيها عن ذاته من الزاوية التي يراها مناسبة له .

ويؤكّد الروائي الأمريكي وليام فورستر على أهميّة ما يكتبه الكاتب:

“ينبغي ألا يقرأ الكاتب ما كتبه بل ليترك غيره يقرأه، لأنه ألفّ الكتاب ليقرأه غيره. فهو يكتب لنفسه ويدع غيره يقرأ ما كتبه.”

والجدير بالذّكر أنّ القدرة على الكتابة تستند إلى جملة من العوامل النفسيّة والفكريّة والثقافية والعلمية التي اكتسبها الكاتب من بيئته إلى جانب أنّ العاملين الاجتماعي والجغرافي يلعبان دوراً بارزاً في حياة الكاتب وفي قدرته على الإبداع من عدمه، فالكاتب في البيئة الصحراوية يختلف في كتاباته عن الذي في البيئة الجبلية أو الساحلية، وكٌّلٌّ منهما له أسلوبه المختلف في انتقاء أدواته التي استقّها من بيئته للتعبير عمّا في نفسه ونقل القارئ من حالة الواقع إلى حالة الخيال الأرحب بفضاءاتٍ متعدّدة.

إلى جانب أن عامل الجنس أيضاً يلعب دوره في أسلوب الكتابة والطريقة التعبيرية والخيال الإبداعي، فالكاتب مثلاً يختلف في طريقة تعبيره وأسلوبه وعرضه للصور الجمالية للكلمات عن الكاتبة، وهذا يتوقّف على مقدرة كلٍّ منهما بحسب التجارب الحياتيّة التي عاشاها والثقافة التي ألمّا بها.

لأنّ الكتابة الإبداعيّة تتّسم بالكثير من السمات التي تحدّد خبرات وقدرات الكاتب وحنكته في التلاعب بالألفاظ والكلمات بما تخدم فكرته، منها:

ـ اللغة المبتكرة المتقنة التي يعتمدها الكاتب لعرض أفكاره بشكلها الصحيح.

ـ الصور الجماليّة والكلمات والعبارات التي تتضمّن دلالات متعدّدة بحيث توظّف فيها الفكرة لتوسيع مدارك القارئ وآفاقه خياله.

ـ إحكام الصياغة اللغوية، وهندسة الجمل، وجمالية تنسيق الألفاظ .

ـ ثقافة الكاتب الواسعة وسعة اطلاعه وخبراته وتجاربه المتعددة.

وفي هذه الحالة فالكاتب حين يكتب فهو يخضع لعملية إدراك للعالم الخارجي ويقوم بترجمته للقارئ من خلال الكلمات، لينقل صورة الواقع إلى الخيال أو بالعكس بلغةٍ أدبيّة وقدرةٍ على ترتيب الكلمات ترتيباً صحيحاً وبشكلٍ متماسك بما يتوافق مع الأخيلة والصور الإبداعّيّة، ليملأ الفراغ العاطفي أو الفكري أو النفسي الذي يعاني منه القارئ أحياناً أو ليُشبع حاجته للثقافة لتكون الكتابة سَلسِة كإيقاع نغمةٍ موسيقية هادئة.

ويشير الكاتب عباس محمود العقّاد إلى القراءة ودورها في حياة الإنسان وما تضيفه إليها، قائلاً:

“لستُ أهوى القراءة لأكتب، ولا أهوى القراءة لأزداد عمراً في تقدير الحساب، إنّما أهوى القراءة لأنّ عندي حياةً واحدةً في هذه الدنيا، وحياة واحدة لا تكفيني، ولا تحرّك ما في ضميري من بواعث الحركة، والقراءة دون غيرها هي التي تعطي أكثر من حياةٍ في مدى عُمر الإنسان الواحد لأنّها تزيد هذه الحياة من ناحية العمق وإنْ كانت لا تُطيلها بمقدار الحساب”.

فإذا كان الكتاب خير جليس في الأنام، وخير صديق وأنيس في العزلة، فإّنّ الثورة الرقمّيّة في عصرنا التي أنجبت الكتاب الالكتروني قد أغنتْ القارئ عن الصفحة الورقية وجعلته يستبدلها بالصفحة الإلكترونّيّة على أجهزة المحمول والأجهزة المخّصّصة كـ “آي فون، وآي باد، وأندرويد” وغيرها؛ وهذه الثورة قد جعلت من المحمول وأجهزة الحواسيب تصبح الأنيس الذي لا بديل عنه، ولا شّكّ بأّنّ لهذه الأجهزة فوائدها ومزاياها في توفير الكتاب لقلةّ تكلفته وكثرة توافره ومجانيته وسهولة حمله وتخزينه في الجهاز وسهولة نسخه ونقله بكل لغات العالم، دون التقّيّد بالحدود الجمركّيّة أو الرقابية التي تفرضها بعض الدول على كتاٍبٍ معّيّن، على خلاف الكتاب الورقي الذي يصعب توافره في أكثر الأوقات فض لاً عن تعرضه للتلف والضياع.

لكن بالمقابل فإن للكتاب الورقي منافعه العديدة التي يُشعر القارئ بالراحة والمتعة والجلوس لساعاتٍ طويلة دون أن يسبب له إرهاقاً للعين كما يمكن الاستعانة به عند انقطاع التيار الكهربائي، إلى جانب أنّ الكتاب الورقي يخلق ألُفةً حميميّةً بين القارئ والكتاب من خلال تقليبه للصفحة تلو الأخرى كأنّه يتجوّل في بستانٍ من الورق، ويقوّي الصلة بين الكاتب والقارئ، تلك الصلة التي لا يمكن للكتاب الالكتروني أن يوفّرها له، وبالرغم من ذلك نجده يفضّل الكتاب الالكتروني أكثر لأنّها توفّر عليه الوقت والجهد والمال من وجهة نظره .

فإذا قلنا بأنّ كِلا الكتابين )الالكتروني والورقي( وسيلتان مُجديتان وهامتان لإيصال المعلومة للقارئ ولو بطريقتين مختلفتين طالما أنّ الغاية واحدة وهي القراءة والمطالعة وإغناء القارئ بالمعلومات؛ فلا بدّ من العلم بأنّ العلاقة بين نوعي الكتاب )الورقي والالكتروني( هي علاقة تكاملية ولكلٍّ منهما مزاياه ومساوئه، وهذه التقنيّة الحديثة تمكّن الإنسان من القراءة وفي جميع أوقاته وحالاته.

صحيحٌ أنّ الإنسان العصري لا يمكنه الاستغناء عن الكتاب الرقمي والأزرار الإلكترونية للوحة المفاتيح، كذلك فإنّه لا يمكنه الاستغناء عن القلم والأسطر والورقة كونها تشكّل جزءاً من حياته كاتباً كان أم قارئاً، بينما نرى بأنه لا يمكنهما استخدام لوحة المفاتيح حالما انقطعت عنه الطاقة الكهربائية أو نفدت منه بطارية الشحن كطاقة بديلة .

وفي ظل عصر التحدّيات هذا حيث الصراع قائمٌ على قدمٍ وساق بين جهود إحلال السلام والإبقاء على الدمار والحروب الكونيّة؛ نجد أنّ الشاشة الزرقاء أضحت تستحوذ على حيّزٍ كبير من اهتمام البشرية، علماً أنّ القراءة والكتابة، ورقيّةً كانت أم إلكترونيّة، يشكّلان خطّان مستقيمان في حياة الإنسان وكلما أراد الإنسان أن يكون كاتباً ناجحاً فلا بدّ أن يكون ـ بالدرجة الأولى ـ قارئاً ممتازاً.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *