الرئيسية / مقالات / المقاتلون الأجانب وتدوير الفوضى

المقاتلون الأجانب وتدوير الفوضى

محمد هنيدالمقاتلون الأجانب وتدوير الفوضى

محمد هنيد

تشكل ظاهرة ما بات يعرف اصطلاحا “المقاتلون الأجانب” عاملا أساسيا من عوامل الفوضى والاقتتال المتمدد في كافة المناطق المشتعلة من الأرض العربية وخاصة تلك التي عرفت ثورات شعبية مطالبة بالحرية والعدالة الاجتماعية. ففي اليمن وفي العراق وفي سوريا وفي ليبيا تنشط مجموعات مسلحة من الأجانب بشكل أصبح يمثل تهديدا حقيقيا لاستقرار هذه الدول ولأمنها بشكل عام بل إن الظاهرة تحولت إلى تهديد حقيقي لدول الجوار التي تعبرها هذه الجماعات أو التي تستقر بها أحيانا بشكل مؤقت.

ظاهرة دولية

تتميز الظاهرة إذن ببعدها الدولي لأنها تشمل مقاتلين من جنسيات متنوعة تختلف عادة عن الدول التي يعملون بها أو يقومون فيها بمهام قتالية محددة. كما تتميز الظاهرة أيضا بالغموض الكبير الذي يلف العناصر المسلحة التي ينتمون إليها لكن ثورات الربيع العربي أنتجت سياقا جديدا ساهم بشكل كبير في كشف طبيعة هذه القوات والدور المنوط بها عربيا.

اليوم تنشط الجماعات المسلحة الأجنبية في الكثير من الدول العربية بدءا باليمن وسوريا وليبيا وقبلها العراق وأفغانستان والصومال مثلا وهي مجموعات لا تخضع لسلطة البلد الذي تنشط فيه بل تأتمر أساسا بأوامر العراب المالي الذي يشرف على نفقاتها وعلى تدريبها. وتنهض هذه الجماعات مما يسمى “الجيوش الخاصة” بمهام محددة مثل الاغتيالات والعمليات النوعية التي لا ينهض بها عادة الجيش النظامي أو القوات العسكرية الحكومية.

بلاك ووتر

من منا لا يتذكر شركة “بلاك ووتر” سيئة السمعة والصيت وما قامت به من جرائم في العراق بعد سقوط نظام صدام حسين والتي اضطر مديرها “إريك برنس” إلى حلها وتغيير اسمها هربا من الملاحقة القانونية في الولايات المتحدة وفي الدول التي ارتكبت داخلها جرائم فضيعة. لكن رغم كل النقد الذي وجهته الهيئات الأممية لهذه الشركات التي ارتبط تاريخها بالجريمة والاغتيالات فإنها لا تزال تجد لها سوقا رائجة في مناطق النزاع وفي المجالات المشتعلة ومنها المنطقة العربية على وجه التحديد خاصة بعد القمع الكبير الذي ووجهت به ثورات الربيع العربي من قبل الدول والأنظمة التي عملت ولا تزال على دفن تجربة الحرية العربية.

انتقلت شركة “بلاك ووتر” إلى الخليج العربي وتحديدا إلى دولة الإمارات، حيث وجد مديرها حظوة الاستقبال هناك سنة 2010 من أجل تقديم الدعم للحكومات والأنظمة الخليجية والإفريقية التي تبحث عن قوات خاصة من المرتزقة تنهض بالمهمات التي لا تنهض بها الجيوش النظامية. وقد نجح العسكري الأمريكي السابق في تجنيد مجموعات كبيرة من المقاتلين والمرتزقة الذين تحولوا إلى مناطق النزاعات وتقدموا الجيوش من أجل تنفيذ عمليات بعينها والإشراف على مراكز الاعتقال والتعذيب والاستجواب في السجون والمعتقلات السرية.

لا تنفصل هذه العمليات العسكرية في حق المدنيين العزل عن مسار الربيع العربي ورغبة النظام الرسمي العربي وخاصة عرابي الثورات المضادة في وأد المسار الثوري

لا يمكن اليوم الفصل بين قوى الثورة المضادة والأنظمة العربية التي عملت على إجهاض تجربة الربيع وبين قوات المرتزقة التي ذاع صيتها خلال الثورات وبعدها. فلا زلنا نتذكر كيف استقدم القذافي في أوج الثورة الليبية المرتزقة الأفارقة من التشاد ومن النيجر ومن جنوب إفريقيا ومن أوروبا الشرقية لقمع ثورة الشعب الليبي وقتل المتظاهرين في الشوارع وإرهابهم. وهو الدور الذي حاول النظام التونسي القيام به قبل هروب بن على وبعده عبر فرق القناصة التي لا تزل غامضة أو من خلال مجموعات أجنبية مسلحة ببنادق قنص تم القبض عليها في قلب العاصمة التونسية في أوج الثورة التونسية قبل أن يتم إغلاق الملف نهائيا.

لا تنفصل هذه العمليات العسكرية في حق المدنيين العزل عن مسار الربيع العربي ورغبة النظام الرسمي العربي وخاصة عرابي الثورات المضادة في وأد المسار الثوري ورسم حالة الفوضى والاقتتال من أجل حرف الثورات والمطالب المتعلقة بها عن مسارها الذي انطلقت من أجله. لكن من جهة أخرى يركز الإعلام الرسمي العربي المرتبط بالمنظومات الاستبدادية على شبكات التسفير وعلى المقاتلين الأجانب من العرب والمسلمين ومن الشباب المغرر به والمنخرط في الجماعات الإرهابية العابرة للحدود دون أن يشير إلى دور الجيوش الخاصة في صناعة الإرهاب وفي ترويع المدنيين وفي القتل والتعذيب خارج إطار القانون ودون أية رقابة أو محاسبة.

لا تنشط الجماعات الإرهابية والمرتزقة إلا في الفضاءات التي تسقط فيها سلطة الدولة ومؤسساتها ويغيب فيها الرادع القانوني بشكل يحول الدولة إلى فضاء مستباح لكل أنواع العصابات والمرتزقة وأمراء الحرب والجماعات الإرهابية. وهو المشهد الذي نراه اليوم قائما في دول مثل اليمن وسوريا وليبيا مثلا حيث تتوزع الدولة بين مناطق نفوذ لجماعات مسلحة خارجة عن القانون لا تحتكم إلا للطرف الذي يمدها بالمال والسلاح. لقد انتقلت الثورات الشعبية من الطور السلمي المطالب بالحرية والديمقراطية إلى الطور المسلح الذي فرضة النظام الاستبدادي العربي نفسه من أجل إنقاذ سلطته ومنع سقوط سلطانه بشكل جعل من الفوضى سلاحا مشرعا في وجه التغيير الممكن الذي قد يطيح بالنظام السياسي ويستبدله بنظام أكثر ديمقراطية وأقل قمعا.

ليست الفوضى الممتدة على طول المنطقة العربية في الحقيقة إلا نتيجة موضوعية لسياسة الأنظمة القمعية العربية في مواجهة شعوبها وليس الإرهاب المعلن اليوم هو إرهاب الشعوب بل هو في الحقيقة إرهاب الأنظمة نفسها التي لا يمكن أن تعيش وتحكم خارج إطار الفوضى وعلى أنقاض الدمار ولو كلفها ذلك الاستعانة بمجموعات القتل العابرة للحدود.

المصدر: عربي21

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *