الرئيسية / مقالات / يتامى الطفولة في سوريا

يتامى الطفولة في سوريا

بيمان قاسميتامى الطفولة في سوريا

أجراسٌ صامتة في يوم الطفل العالمي

پيمان قاسم

اعتاد العالم على الاحتفال سنويّاً باليوم العالمي للطفل منذ تأسيسه في 20 تشرين الثاني 1954، والذي اعتمدته الأمم المتّحدة كيوم لحقوق الطفل في عام 1959 وصادف أيضاً هذا اليوم إعلان الجمعية العامة للأمم المتّحدة لاتفاقية حقوق الطفل في 1989.

وتعزيزاً للروابط الدوليّة وزيادة توعية الأطفال بحقوقهم في جميع أنحاء العالم، وتمكينهم من العيش بطفولة حقيقيّة بعيداً عن العنف والاضطهاد؛ أصبحت الذكرى السنوية للطفل مُعلنَة ومعتمَدة من قِبل الجمعية العامة للأمم المتحدة واتفاقيتها المتعلقة بحقوق الطفل منذ 1990.

فهذا اليوم يتيح لكل طفلٍ في العالم فرصة الدفاع عن حقّه وتجسيده ليصبح حواراً عالميّاً وقضيّة رأي عام ٍ دولي من خلال إجراءات تُتّخذ لبناء عالمٍ أفضل له، لأنّ هذه المرحلة تتميّز بأهميّة بالغة في تحديد بنيته السيكولوجية والجسمانيّة والعقلية مستقبلاً.

وبما أنّ الطفل قاصرٌ وغير قادر على تحديد رؤى مستقبله، فالآباء والأمهات والمعلمين والمربّين والدولة يتحمّلون المسؤوليّة في تحديد مسار حياته وأنماط سلوكياته وفق ما يوفّرونه من سُبل الحياة الطبيعية ليعيش بأمنٍ وسلام، فالطفل الذي يحيا حياةً غير آمنة في ظلّ الحروب يدفع فواتير مضاعفة، لأنّه يخسر عائلته حيناً ويخسر طفولته وبراءته حيناً آخر.

وهناك أمثلة لا حصر لها عن أطفالٍ سوريين غدوا ضحايا جشع تجّار النفوذ والحروب، بين يتيمٍ ومعاقٍ ومشرّدٍ ومجنّدٍ ومهاجرٍ ومعتقلٍ ومعذّبٍ ومقتولٍ، وبإمكاننا ذِكر طفلين تجرّعا الألم وكانا ضحيتا الحرب من بين مئات الآلاف من الحالات المشابهة في عموم سوريا:

الأول: الطفل “وسيم زكّور” الذي فَقدَ والديه ومنزله تحت القصف في حي ميسلون بحلب في بداية عام 2013، وظل يجوب الشوارع حاملاً كيساً يسترزق ببيع محتويات القمامة لشراء شيءٍ يؤكل ثمّ يعود مساءً منتعلاً الحذاء الذي ورثه عن أبيه الميت، ليلازم عتبة بيته المهدّم دون أن يتزحزح عنها، لأنه يجد عندها السلوى بعد اليُتم والحرمان حتى مات جوعاً وبرداً متوسّداً الأرض وملتحفاً الغيم يلتمّ على جسده البعوض والذباب.

والثاني: الطفل الكوباني “آلان الكردي” الذي هزّ ضمير العالم بقصّته التي غطّت الإعلام المرئي والمسموع والمقروء دون أن يتغيّر شيئاً من حال الطفل السوري، ووُصفتْ بأنّها “وصمة عار على جبين الإنسانيّة”، فقد اِلتهم البحر روحه في فجر الثاني من أيلول من عام 2015 وألقاه في حضن الشاطئ الرملي جثّةً هامدة حين هرب مع أسرته من جحيم الحرب في قاربٍ يعجُّ بالكثير من اللاجئين من تركيا إلى إحدى جزر اليونان، قاصدين بلاد الأمان ليحيا هناك حياة طفلٍ بريء لم يبلغ الثالثة من عمره، بعد أن نطق جملته الأخيرة وهو يرتعشُ على كتف والده: “أبي لا تمت يا أبي”!!

فهذان الطفلان هما من بين مئات الآلاف من الأطفال السوريين الذي قاربَ عددهم المليون حسب إحصاءات منظمة الأمم المتّحدة للطفولة “اليونيسيف” مع بداية عام 2018، ممّن فقدوا والديهم أو كليهما و90% من أولئك الأطفال غير مكفولين. وقد وصفت المنظمة ذلك بأنّها “كارثة بكل المعاني”، حيث أنّ سكان سوريا المقدّر بـ 24مليوناً، ثلثهم من الأطفال وبهذا فإنّ 10% من أولئك الأطفال غدوا يتامى بسبب الحرب الدائرة منذ ثماني سنوات.

ولم تنفكّ الحرب السوريّة الدامية تُلقي بقتامتها على حياة الأطفال السوريين وتغرقهم في مستنقعات الموت والرعب، ففي الوقت الذي ينبغي أن ينال فيه الطفل فرص التعليم لبناء مستقبله ويمارس هواياته ويحقق أحلامه الصغيرة في جوّ من الطمأنينة؛ يتسرّب الكثير من طلبة المدارس بسبب القصف والنزوح والهجرة والتجنيد الإجباري والاعتقال التعسّفي والأوضاع الأمنية المتوتّرة.

هذا بالإضافة إلى أنّ تقارير دولية كثيرة تتحدّث عن مئات الآلاف من الأطفال السوريين الذين جعلتهم الحرب يعانون أمراضاً كثيرة وأشدّها الانحراف، باعتبارهم الفئة الأكثر تأثّراً بمجريات الأحداث وانعكاساتها السلبية.

فالطفل السوري يحتاج إلى سنوات عديدة للشفاء من الأزمات النفسية والعصبية التي خلّفتها الحرب لما لاقاه وعاناه وعاشه كالخوف والرُّهاب، والاضطرابات السلوكية كقضم الأظافر والتأتأة أثناء الكلام والتبوّل اللاإرادي لإصابته بالصدمات النفسية من جرّاء ما شَهِدَه وسمعه من مشاهد للعنف والدمار وأصواتٍ رافقت القصف والانفجارات كصفير القذائف وأزيز الرصاص، وهذه الأمراض يمكنها أن تمتدّ لسنوات طويلة عندهم طالما إنّهم يفتقدون الأمن والأمان، وهذا يحتاج بالضرورة إلى منظمات وجهود دولية ومؤسسات محليّة وكوادر مختصّة للتخلّص من تلك المخلّفات، فالأعمال العسكرية والسجون ولّدت لديهم العدوانية الشديدة والساديّة والعنف وعدم الثقة بالآخرين والحقد والكراهية تجاه أقرانهم في سلوكهم اليومي.

كما أنّ تلك الأسباب أدّت إلى خلق هذا الوضع الكارثي للطفل وأفقدتْ الاستقرار في البلد نتيجة القصف والتدمير حيث تحوّلت دور العبادة والمدارس إلى أماكن للإيواء ومراكز للجوء، إلى جانب التشرّد والعيش في المخيمات الهزيلة وما رافقها من انتهاكات لحقوق الإنسان والطفولة.

وقد كشفت مقابلات أجرتها منظمة “أنقذوا الأطفال” الخيرية البريطانيّة مع 450 طفلاً يافعاً بأنّهم يعانون من درجات عالية من الإجهاد النفسي وقد حذّرت المنظمة في تقرير لها بعنوان “جراح غير مرئية” بأنّ 84% من الأطفال يعانون من الضغط العصبي يوميّاً نتيجة القصف بالقنابل والصواريخ.

وتشير تقارير وبحوث أجرتها منظمة اليونيسيف أنّ قرابة 12مليون طفل سوري بحاجة إلى المساعدة الإنسانيّة الفوريّة، والرقم ارتفع إلى 200 ألف يتيم مقارنة بالعام 2015، كما أشارت تلك البحوث بأنّ “هذه الكارثة تعدّ أكبر من الأزمة السوريّة ذاتها”.

إلى جانب تعرُّضْ طلبة المدارس لعمليات الاعتقال والتعذيب في السجون، ومقتل الكثير من الأطفال بالغاز الكيماوي في عدد من المدن والقرى السوريّة والتي تشكّل انتهاكاً للقانون الدولي الإنساني وقوانين الجنايات الدولية واتفاقية حقوق الطفل.

وكذلك فقد دفعتْ الحربُ السورية الطفلَ الذي يتراوح عمره بين 8ـ16سنة إلى التجنيد الإجباري أو الطوعي من قِبل أطراف النزاع المختلفة، فيتعرض الطفل لعمليات غسل دماغ مُمنهجة من قِبل متطرفين وجهات أخرى يجعلون من الدين أو القوميّة شمّاعةً ليعلّقوا عليها مآربهم المتعارضة مع القيم الإنسانية.

ويتمُّ توجيه الطفل المنخرط في التشكيلات العسكرية للقتل والتخريب والمشاركة في حالات القتل والأعمال الانتحارية بالعبوات الناسفة حسب تقارير لمنظمة اليونيسيف بأنّ “أكثر من 850 طفلاً شارك في النزاع الدائر في سوريا في ظلّ حالة الفوضى العارمة في البلاد”، إلى جانب تعرّض الطفل للتحرّش الجنسي ممّا تنطفئ من عينيه الطفولة البريئة التي كان ينعم بها.

فأصبح القتل والتدمير لدى الطفل السوري حالةً اعتياديّة كما غدا تسليحه أمراً طبيعيّاً، ففي الوقت الذي كان ينبغي أن يتسلّح فيه بالعلم والمعرفة، اتّشحتْ حياته بالعنف والعدوانيّة بدل أن تتّسم بالمحبّة والتسامح والسلام.

بالإضافة إلى أنّ تدهور الوضع الإنساني في سنوات الحرب الثمانية أدّى لتدهور الوضع الاقتصادي، وطغت حالة من الفقر المدقع وكان له تأثيره السلبي على المواطن، مما دفع الكثير من الأطفال للعمل لتأمين لقمة عيشهم وعائلاتهم لغلاء المعيشة، مضطرين لامتهان الأعمال الشاقة القاسية والتي لا تتناسب مع أعمارهم وتبعدهم عن أجواء العِلم والطفولة التي حُرموا منها بكلّ بساطة كالعتالة وأعمال البناء وصيانة السيارات ومراكز المحروقات التي لها آثار صحيّة سيئة عليهم جسديّاً ونفسيّاً.

فالطفل السوري بات يعيش المحنة لأنّه فَقدَ ملامح الطفولة، فلم يعد يضحك كطفل ولا يتكلم كطفل ولا يطلب الطعام كطفل، فكم من طفلٍ في هذا البلد فقدَ هويته الإنسانية مع فَقْده لبراءة الطفولة، فالطفل الذي كان يرسم على دفتر الرسم قبل الثورة سماءً صافيةً وأشجاراً مثمرة ونهراً رقراقاً وبيتاً جميلاً بألوانه الزاهية؛ بات يرسم في ظل الحرب جنوداً يحملون رشاشاتٍ وبنادق ودخان متصاعد وطائرات محلّقة ومنازل مهدّمة وقتلى ممدّدين على الأرض غارقين في دمائهم، وبات لون الدم الأحمر هو الطاغي في لوحاته.

حيث أنّ الحرب لم تنعكس على رسوم الأطفال التي هي مرآة لحالتهم النفسيّة فحسب، بل وانعكست على ألعابهم أيضاً، والتي تكون عبارة عن تنظيم حرب مصغّرة في الحارة ومؤلّفة من فريقين يحفرون خنادق صغيرة ويضعون حواجز حجرية ويخلقون أسلحة وبنادق مما يتوافر لهم من العصي وبعض الأدوات الحديدية أو البلاستيكية المُهملة. فقد حلّت هذه الألعاب محلّ اللعب بالكرات في الملاعب ومحل المراجيح وغيرها من ألعاب التسلية. كما غدت الأسماء المستعارة هي الطاغية على ألسنتهم أثناء اللعب بما يتناسب مع الحالة التي يعيشونها كضابط أو قائد الجماعة أو المفردات التي تتداولها ألسنة أهاليهم يوميّاً. فليس بغريبٍ أن يجيب الطفل السوري حين يُسأل عمّا يريد: “أتمنّى أن تنتهي الحرب وأعود إلى رفاقي ومعلماتي ومدرستي”.

وهكذا يغدو الطفل السوري يتيم الطفولة، ومعاقَباً بعقابٍ دون ذنب ارتكبه، وباتتْ جراحه في هذه المرحلة الدامية غير قابلة للالتئام، وإنْ شفيتْ فإنّها ستخلّف وراءها ندباتٍ لن تمحى من ذاكرته أبداً.

إذاً، فماذا يمكن للعالَم أن يقدّم للطفل السوري في هذا اليوم مادام عاجزاً عن الإجابة عن استفساراته الكثيرة:

من أجل ماذا تُرتكب هذه الحرب؟ ولأجل مَن؟ ولماذا لا أحيا حياةً طبيعية ككلّ أطفال العالم؟

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *