الرئيسية / مقالات / الترويكا الطائفية-العرقية تفتك بالعراق مجدداً

الترويكا الطائفية-العرقية تفتك بالعراق مجدداً

كاتب وصحافي ومترجم فلسطيني، يحمل إجازة في العلوم الاجتماعيةالترويكا الطائفية-العرقية تفتك بالعراق مجدداً

باسل أبو حمدة – مركز أسبار للدراسات والبحوث

نشر مركز أسبار للدراسات والبحوث مقالاً جديداً بعنوان “الترويكا الطائفية-العرقية تفتك بالعراق مجدداً” للكاتب والصحفي والمترجم الفلسطيني، باسل أبو حمدة، والذي يحمل إجازة في العلوم الاجتماعية، وذلك ضمن التقارير التي يقدمها المركز عبر موقعه الرسمي، وفيما يلي نص المقال وفق ما ورد:

في ك ل  دورة تشريعية   يعيد ال  نظام ال س ياسي في العراق إنتاج نفسه بصيغته الحلزونية الأولى التي أعقبت الغزو الأميرك ي  للبلاد وإسقاط صدام حسين ونظامه البعثي، ولقد أرست نتائج رابع انتخابات منذ الغزو الأميرك ي  للعراق عام 2003 ذات الصيغة بسلطاتها الثلاث، رئاسة البرلمان، ورئاسة ال د ولة، ورئاسة الوزراء .متماهية هذه المرة مع ثنائية التف ت ت الداخل ي  وال  تدخل الخارج ي  التي تحكم العراق أكثر من أي م ر ة سبقتها، من حيث أ ن ها ذاهبة باتجاه إحداث مزي د  من تكريس ال  نفوذ الإيران ي  في الشأن العراق ي ، ضاربة بعرض الحائط رهانات بعض الأطراف العربية الحليفة لواشنطن في إحداث اختراق في جدار هذا ال  نفوذ المعشعش في مفاصل الحياة السياسية والاجتماعية في العراق، ذلك أ ن  سيرة ك  ل من أصحاب ال ر ئاسات ال  ثلاث و  لدت من رحم سلسلة من ال  توافقات وال  توازنات ال د اخلية والخارجية التي تشي بعلاقة ك ل  منهم، الوثيقة والمباشرة، بتلك الأطراف، وعلى رأسها طهران التي شاءت الإدارات الأميركية المتعاقبة إبقاء فزاعتها في حالة سيولة، كأحد أهم أدوات السيطرة على قوة إيران المتعاظمة نفسها، وكذلك على بقية اللاعبين السياسيين الإقليميين في المنطقة.  

ظلال بريمر   

  تع م ق عملية إعادة إنتاج الصيغة ال س ياسية الحاكمة في العراق، والتي أرسى دعائمها الحاكم الأميركي ال س ابق بول بريمر، الفجوة الكبيرة القائمة أصلا ا بين الطبقة ال س ياسية العراقية، وبين مختلف شرائح المجتمع العراق  ي التي   يفترض أنها تمثله . 

فك ل ما حاول ال ش ارع العراق ي  الخروج من عنق زجاجة التروكيا الطائفية-العرقية وال س ير قدم اا باتجاه إرساء بعض اا من ركائز الدولة المدنية الحديثة، من خلال هبات شعبية، طالت معظم الجغرافيا العراقية، بمشاركة مكوناتها ال د يموغرافية كافة،   تعيد المنظومة ال س ياسية الحاكمة تنظيم صفوفها، اعتمادا ا على المال ال س ياسي ،و ت جهض تلك المحاولات، في مسعى منها لإطالة عمر صيغة الحكم العرجاء هذه. هذ الفجوة عكستها نسبة ال  تصويت المنخفضة في الانتخابات الأخيرة )44.5%(، ما   يظهر بوضوح استمرار الغضب ال ش عبي حيال الطبقة ال س ياسية المتسيدة، مثلما تعكس قناعة قطا ع  كبير من العراقيين بأ ن  شيئ اا كبير اا لن يتغ  ير، مهما كان شكل الحكومة القادمة في البلد، الذي ينتج 4.3 ملايين برميل نفط يوميا ا.   

بكلمات أخرى، لن تش ك ل «العملية الديمقراطية» الأخيرة في العراق، والتي بدأت مع الانتخابات البرلمانية، في شهر مايو/ أيار الماضي، ونجحت في تسمية رئيس ال د ولة، ورئيس الحكومة، في سبتمبر/أيلول، وأكتوبر/تشرين الأ ول، بعد فترة استعصاء قاسية تخللتها الكثير من ال ت جاذبات بين الكتل والأحزاب ال  سياسية، فارق اا جوهري اا في ملامح المنظومة ال س ياسية، لا بل إ  ن هذه العملية بما أنجزته ح  تى الآن على مستوى توزيع المناصب ال ر ئيسة في البلاد بين الكتل ال س ياسية   تعتبر تكريسا ا فجا ا لمنظومة سياسية، قائمة على توازنات إقليمية ودولية معروفة، جعلت من أرض ال  رافدين ساحة صراع وتوافق فيما بينها، بعيدا ا عن هموم الشارع العراق ي  ومحاولاته تجاوز مشكلاته المركبة والمتشعبة في آن، وذلك على ال ر غم مما يوحي به من تفاؤل انتخاب البرلمان العراقي لرئيسه ال ش اب محمد الحلبوسي، أصغر رئيس للبرلمان في تاريخ العراق، ومر ش ح الكتلة المق  ربة من إيران، بقيادة هادي العامر ي ، ذلك أ ن  العراق كان قد أنهى بذلك 126 يوم اا من الشلل السياس ي ، وهو زم ن  اكتنفه ال ش ك والغموض منذ مايو/أيار الماضي، واستهلته النتائج المتشظية للانتخابات ال ت شريعة.  

العهد الجديد  

في خطابه الأ و ل،  دافع الحلبوسي، الذي وصل إلى س د ة البرلمان عن «إصلاحات حقيقية» على خلفية الاحتجاجات التي أودت بحياة 12 متظاهر اا في مدينة البصرة الجنوبية، ودفعت المتظاهرين إلى إحراق القنصلية الإيرانية، وهو الذي ما كان له أن يتصدر هذا المنصب لو لم يكن قد ق د م أوراق اعتماده، أو جزء اا كبير اا منها على أقل تقدير، لل ن ظام الذي تمثله تلك القنصلية، لكن وعلى ال ر غم من أ ن  ناتج «العملية ال  ديمقراطية» قد أعاد ربط العراق بالمركز الإيران  ي على نحو جل  ي، إ لا  أ  ن العديد  

من المراقبين اعتبروا انتخاب الحلبوسي في الجلسة الأولى للبرلمان، أمر اا حيوي اا لإزالة ظلال أربعة أشهر من العطالة البرلمانية، ذلك أ  نه فتح الباب أمام انتخاب   برهم صالح رئيس اا للبلاد، والذي تص د ى بدوره لمهمة تكليف عادل عبد المهدي، بتشكيل الحكومة العراقية الجديدة. وهكذا   تغلق الدائرة، و  تعيد إنتاج ذات الترويكا الطائفية-العرقية، التي تتماهى إلى ح د  كبير مع صيغة الحكم في أنظمة سياسية شرق أوسطية أخرى مثل الحالة اللبنانية، أو استنساخ اا لتجربتها السياسية في الحكم، المرشحة للتم د د في بلدان مجاورة أخرى مثل سورية.  

لا ش ك  بأ ن  تلك الصيغة القائمة على المحاصصة الفئوية تعوق بشكل حاسم تقدم وتبلور مؤ س سة الحكم بسلطاتها التقليدية الثلاث على نحو مستقل وطبيعي، وتقف حجر عثرة، في الوقت نفسه، أمام محاولات ال  تخلص من إرث الاحتلال وال  تدخل الأجنبيين، والاستبداد على المستوى الوطن ي ، والانفكاك عنهما م ر ة وإلى الأبد، تمهيد اا للشروع في ترسيخ دعائم ال  دولة المدنية، في عملية تتطلب إعادة قراءة المشهد ال س ياسي في العراق، بشك ل  نق  دي، ينطلق من حقائق باتت راسخة لا يمكن تجاوزها، على مرارتها، عندما يتع ل ق الأمر بتحليل أسباب استمرار الاستعصاء السياس ي ، والحصول على استنتاجات واقعية،  ت ساعد العراقيين على الخروج من هذا النفق المظلم، الذي طال أمده، وكثرت معاناته التي يمكن الاستغناء عنها، ليس بالسهولة أو السطحية التي يتصورها البعض، لك  نها على الأقل قد تش  كل بداية مشوار الألف ميل.  

القصور في الاستقلال الوطني  

أ و ل تلك الأسباب المسؤولة عن استنقاع الحالة ال س ياسية العراقية في صيغة الترويكا الطائفية-العرقية يتج ل ى في القصور في الاستقلال الوطن ي ، الناتج، أولا ا عن الأسلوب المصطنع الذي ت م  من خلاله ال  تخلص من النظام السابق، بعيد اا عن آليات ال ص راع ال ت قليدية، وقواها ال د اخلية التي تل  ونت، في الحالة العراقية، بألوان قوى خارجية معروفة، والتي بدل أن تعكس تط ل عات ال  شعب العراق ي  في الخروج من ظلمة نظام الاستبداد، عكست في واقع الأمر أطماع تلك القوى الخارجية، ال ر سمية وغير ال  رسمية، عينها على أحسن وجه، وسمحت لها بتمديد نفوذها على كامل الجغرافيا العراقية، واختراق المكونات السكانية جميعها، أفقي اا وعامودي اا على ح د  سواء، بحيث أصبح العراق يعيش حالة تقسيم غير معلنة، على ال ر غم من ظهور بعض الأصوات التي تريد أن توحي بأ ن  ال  تحالفات وال  توازنات التي أفضت إلى تشكيل الترويكا الأخيرة تتصف بأنها ما فوق طائفية، وما فوق عرقية، وبأ ن  آليات وأقطاب وطنية مستقلة راحت تتش ك ل خلالها بمعزل عن ارتباطاتها الإقليمية وال د ولية.  

ال س بب ال  ثاني يتم  ثل في القصور في الانتماء الوطن ي ، وتضاؤل الهوية الوطنية العراقية، وتقزيمها لصالح الهوية الطائفية والعرقية ما فوق وطنية، أو تتجاوزها بطريقة تت د خرها كورقة سياسية للعب بها عند الحاجة، في ملعب ال  تجاذبات وال  توازنات ال س ياسية في لحظة ما.  

القصور الاقتصادي  

ثالث الأسباب يتعلق بقصو ر  اقتصاد ي ،   تنتجه منظومة فساد مستحكمة بمفاصل الاقتصاد الوطني العراق ي . فلقد حصل العراق على 18 نقطة في مؤشر الفساد ال ص ادر عام 2017 عن منظمة الشفافية ال د ولية، حيث أ ك د ال  تقرير أ ن  الوضع في العراق يزداد سوء اا بالمقارنة مع الدول الأخرى، بحيث احتل الموقع 169 على قائمة ال  دول الأكثر فساد اا في القطاع العام، من أصل 180 دولة شملها المسح، الأمر الذي يؤ ك د أ ن  حالة الفساد لم تتغ  ير خلال ال س نوات الخمس الماضية، ما دفع الحكومة العراقية إلى الاستعانة بمحققين دوليين للمشاركة في التحقيق بمل  فات فساد كبرى، وعلى رأسها معرفة مصير 360 مليار دولار مفقودة من ميزانية دولة نفطية على ال ر غم من غنى اقتصادها، وما توفره ثرواتها النفطية من أموال طائلة. إلا   أ ن  الانكماش هو الصفة ال س ائدة في اقتصاد العراق، تحت ضربات الفساد والحرب ض د  الجماعات المتطرفة وانخفاض أسعار النفط. فضلا ا عن تهميش الكفاءات الوطنية، والإمعان في تصفيتها وتهجيرها.  

  

  

إرث ثقيل   

إرث الحركات الإرهابية ال  ثقيل   يع د  بدوره من أه م  العوامل التي كبحت جماح إمكانية الانتقال بال ن ظام ال س ياسي من طور إلى آخر، لجهة حرف مساره، واستنزاف مقدرات البلاد، وإلزامها بمعارك جانبية طال أمدها، وتعاظمت تكلفتها على المستويين الاقتصاد ي  والبشر  ي، وأعطت فرص اة  ذهبية لتشكيل قوى عسكرية وأمنية على شكل ميليشيات موازية،  ت ضاهي بحجمها ووزنها نظيراتها في مؤ س سة ال  دولة، مثلما أعطت ذريعة سهلة لتن م ر قوى طائفية وعرقية، طغت بسلطتها وإمكانياتها على سلطة وإمكانيات ال د ولة نفسها، في لحظات حاسمة عديدة ومتفرقة من حياة العراق ال س ياسية، في مشهد تصاعد ي ، ساهم إلى ح د  كبير في تقويض شرعية ال د ولة.  

إن معظم الدراسات التي تناولت الشأن العراقي، ما بعد صعود “داعش”، أكدت على فشل الدولة في حصر السلاح بها، خصوصاا أن “داعش” تم كن من السيطرة، في عام 2014، وبسرعة فائقة، على الموصل وتكريت، وقبلها على الفلوجة، وأجزاء واسعة من الأنبار وديالى والعاصمة، كما أن فتوى المرجع ال ش يعي الأعلى علي السيستناني، في 13 يونيو /حزيران 2014، بإعلان «الجهاد الكفائي»، والتي   تلزم العراق والعراقيين بالإنخراط في محاربة التنظيم الإرهاب ي ، أتت كرد فعل، يك رس اتجاهاا ما فوق مؤسساتي، لمواجهة الإرهاب، بل ويشرعن امتلاك أطراف، من خارج الدولة للسلاح. كما يعكس عدم اهتمام الطبقة ال  سياسية العراقية بتحسين ال ش روط التي سمحت للقوى المتطرفة بأن تحظى بدعم فئات واسعة من ال  شعب العراق ي ، مثلما أظهرت عجزا ا على مستوى تلبية الاحتياجات الأساسية لل  ناس المفقرين والمنهكين من النزاعات، وكذلك أخفقت هذه الطبقة في تجاوز الانقسامات الاجتماعية وال  سياسية، الأمر الذي لا يسمح بعودة «داعش» فقط، بل ور  بما يفتح الطريق أمام اندلاع حرب أهلية أخرى، في الوقت الذي تتصارع خلاله القوى المتنافسة للسيطرة على ال  دولة العراقية .   

  

احتجاجات البصرة  

للشارع العراق ي  كلمته في مجريات الأحداث أيض اا، لا بل إ ن  العديد من المراقبين   يع و لون على الحراك الاجتماعي الجماهيري للخروج من الأزمة الاجتماعية ال س ياسية المستعصية في العراق، فإثر انتخابات مايو/أيار اندلعت مظاهرات جماهيرية حاشدة في جزء كبير من جنوب العراق، لك ن  أعنفها  س  ج ل في البصرة.  

هناك أحرق المتظاهرون مباني المجلس البلد ي ، والقنصلية الإيرانية، وهاجموا مكاتب الاحزاب السياسية .بينما ر د ت قوى الأمن العراقية والميليشيات المس ل حة الشيعية بقوة قاتلة .علم اا أ ن  البصرة تمتلك أكبر احتياطيات النفط في العراق، إ  ذ   تم  ثل 80% من صادرات ال ن فط العراقية، و  تز و د خزانة ال د ولة بأكثر من سبعة مليارات دولار شهريا ا، وبال  تالي   يفترض أ ن  تكون أغنى محافظة في البلاد، في حين تقبع هذه المحافظة المفقرة عمليا   بين أكثر المحافظات فقر اا. فكما هو الحال في جزء كبير من العراق، تفتقر المدينة الجنوبية للمياه النظيفة، والكهرباء، وفرص العمل، وللكثير من الخدمات.  

اندلعت انتفاضة البصرة بسكانها ال  شيعة بغالبيتهم ض د  حكومة من ال ط ائفة نفسها، وأظهرت بوضو ح  شديد خيبة أمل س  كانها، مع ر ية ما تب  قى من مصداقية الحكومات المركزية المتعاقبة، بينما يشي الواقع بأ ن  الأمور كانت تسير على هذا النحو في ظ ل  سائر الحكومات التي حكمت العراق، منذ سقوط نظام ص د ام حسين، الأمر الذي يعني أ ن  العراق يمتلك جميع مواصفات بلد مع ر ض للوقوع في دائرة العنف مج د د اا، لا سيما وأ  ن مناطق كثيرة من البلاد ما زالت بعيد اة  عن تأثير وسيطرة ال د ولة، بما في ذلك الجنوب ال ش يعي، حيث تتو  زع ال س لطة بين الميليشيات والقبائل والمشايخ.  

خلاصة:  

لا تزال صيغة الترويكا الطائفية تفعل فعلها في إضعاف الدولة، واستنزاف إمكاناتها، في الوقت الذي تتفاقم فيه المشكلات الاجتماعية والاقتصادية للشرائح العراقية الأضعف ،وغياب قوى سياسية مدنية عابرة للطوائف، يمكن أن تضغط من أجل تصحيح البنية العلائقية للنظام السياسي.  

وعلى الرغم من وجود سعي أمريكي خليجي لإضعاف النفوذ الإيراني في العراق والمنطقة، إلا أن التمدد الإيراني، خلال أكثر من عقد، ما زال قويا، وقادرا على  

فرض هيمنته ومصالحه على القوى السياسية من جهة، وعلى مؤسسات الدولة ،والقرار السياسي، من جهة أخرى.  

يضاف إلى ذلك، إن الفوضى في عموم المشرق العربي، تجعل من صيغ المحاصصة الطائفية، أحد أشكال التوازن، في دول ه شة، يسودها العنف، وتبعية القوى السياسية للخارج  .

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *