الرئيسية / مقالات / الطّبقة الوسطى في سورية: من رأسمالية الدّولة إلى رأسمالية المحاسيب

الطّبقة الوسطى في سورية: من رأسمالية الدّولة إلى رأسمالية المحاسيب

الطّبقة الوسطى في سورية: من رأسمالية الدّولة إلى رأسمالية المحاسيبالطّبقة الوسطى في سورية: من رأسمالية الدّولة إلى رأسمالية المحاسيب

محمد حلاق الجرف – مركز أسبار للدراسات والبحوث

نشر مركز أسبار للدراسات والبحوث مقالاً جديداً بعنوان “الطّبقة الوسطى في سورية: من رأسمالية الدّولة إلى رأسمالية المحاسيب” للكاتب والإعلامي السوري، محمد حلاق الجرف، الذي عمل في عدد من المطبوعات السورية، وهو أيضاً ناشط سياسي ومدني وذلك ضمن الدراسات السورية التي يقدمها المركز عبر موقعه الرسمي، وفيما يلي نص المقال وفق ما ورد:

على عكس نشوء الطّبقة الوسطى في أوروبا، فإنّ ما يولّد الثروة في بلداننا ليس امتلاك وسائل الإنتاج.  

وما يحرّك التاريخ هنا ليس علاقات الإنتاج. فالقوّة السّياسية في مجتمعاتنا تقوم على العلاقات العشائرية-القبلية، وهو ما يُشكّل، تالياً، الأساس لتوليد الثّروة.  

ومع ذلك، وقد يكون لهذا السبب بالذّات، لم تحظَ الطّبقة الوسطى في سورية بأيّ دراسة شاملة أو وافية، على الرّغم من أنّ جذور تشكلّها تعود تاريخياً إلى منتصف القرن التّاسع عشر، بعد صدور التّنظيمات العثمانية )خط شريف كولخانة 1839، والخط الهمايوني 1856(، والتي كانت أوّل رؤية طموحة باتجاه المركزية، والحداثة، والإصلاح السياس يّ. وسرعان ما شهدت المرحلة التي تلت إصدار تلك التّنظيمات ازدهار مظاهر مختلفة لـ «مجال عام» ناش ئ في بلاد الشّام، إذْ تطورت المناطق الحضرية بـصورة ساحات عامة وحدائق وطرق عريضة ومنتزهات، وما إلى هنالك. وشهدت المدن الكبرى الظّواهر نفسها التي عرفتها أوروبا خلال القرن الثّامن عشر: انتشار المقاهي، والجمعيات، والمسارح، والنّوادي، والصّالونات العلمية والأدبية والثقافية .. إلخ. وبالإضافة إلى كلّ ما تقدّم، نشطت الجمعيات السّرية المستقلة في مجال تنظيم الشّباب والمناداة بالحكم الدّستوري وباللامركزية، أو ببساطة، بالاستقلال السّوري أو العربي،  ومن الوجهة الثّقافية، ارتكزت النّهضة الثقافية العربية، على بنى تحتية ثقافية كانت تتطور بسرعة، إذ برزت «رأسمالية نشر» تمثلت في العديد من الصّحف والمجلاّت.   

نتائج هذه الإصلاحات السّياسية والقانونية أفضت إلى بروز مجموعة من الأفراد داخل المجتمع يملكون مصالح مشتركة، اقتصادية وسياسية، ويتشابهون بوضعهم الاجتماعي، أو الاقتصادي، أو التعليمي. أي أنّهم شكّلوا طبقة أنتجت نخباً مستقرّة، تمتلك عقاراً، أو أرضاً، أو مهنة، أو مركزاً وظيفياً مرموقاً، وبذات الوقت انشغلت بالشأن العام، وهو ما يُطلق عليه تعريفاً بالطّبقة الوسطى.  

استمرت هذه الطّبقة بلعب ذات الدّور السّياس ي في أثناء الاحتلال الفرنس ي، وكان زعماء الكتل السّياسية وقتها ممن ينتمون إلى الطّبقة الوسطى المدينية في دمشق وحلب وحمص على وجه خاصّ، وهم من فاوض الفرنسيين على معاهدة الاستقلال في العام 1936، عقب الإضراب السّتينيّ الذيقادته هذه الطّبقة بالذّات.  

في عام 1946 جلت الجيوش الأجنبية عن سورية، ونشأت الجمهورية الأولى، وهي دولة سورية مستقلة سياسياً،  وذات بنية تحاكي النّ مط الأوربيّ  الحديث، من حيث توافر الدّ ستور، وتعدّد ا لأحزاب ، وفصل السّ لطات الثلاث ،وا لانتخابات الديموقراطية البرلمانية الدّورية. إلاّ أنّ البرجوازية الوطنية -وحسب التعريف الماركس يّ، فإنّ الطّبقة الوسطى هي الطّبقة البرجوازية نفسها-عجزت عن تقديم سياسات فعّالة، وعجزت كذلك عن الحفاظ على سيادة الدّولة )هزيمة الـ 1948(، وعن تجنيب البلاد التّفكك السّياس يّ ، نتيجة لسياسة الأحلاف والخلافات الحزبية حولها. وفي ظلّ كلّ ما سبق ظهر ضبّاط الجيش باعتبارهم أفضل قوة سياسية منظّمة للاستفادة من التفكّك السّياس ي، وذلك من خلال ايديولوجية شعبية-قومية، تحاول اكتساب ولاء الجماهير، والأهمّ من ذلك، ولدى السّعي إلى السّلطة السّياسية فإنّ نظام رأسمالية الدّولة، القوي والعسكري، حاول بعد انقلاب 8 مارس/ آذار 1963، ونشوء الجمهورية الثّانية، أن يحلّ محلّ الطّبقة الرّأسمالية الغائبة. وحاول هذا النّظام من خلال الدّولة ممارسة أهداف الثّورة البرجوازية، وكان الشّرط المُسبق لخلق الاقتصاد الرّأسمالي القومي هو تأميم المشروعات الصناعية، كما أنّ أساس خلق السّوق الدّاخلية كان هو الإصلاح الزّراعي. وعلى ذلك فإن نظام رأسمالية الدّولة اتسم بجهوده المتواصلة في التّأميم والإصلاح الزّراعي، وبحسب هنتنغتون، فإنّ العسكر ما كان بإمكانهم لعب هذا الدّور لولا غياب باقي شرائح الطّبقة الوسطى، وذلك بوصفهم الأكثر ترابطاً من الفئات الأخرى في هذه الطّبقة، وباعتبار أنّ الجيش هو أقوى أدوات الطّبقة الوسطى في بلدان العالم الثّالث.  

الطّبقة الوسطى تحت حكم البعثالكمّ   

في فترة السّتينيات من القرن الماض ي، ومع دعم الدّولة للتعليم الجماهيري، وحاجة الدّولة إلى تقنيين لتشغيل الطّلب المتزايد للقطّاع العام، ازداد عدد الأفراد المنضوين تحت مظلّة الطّبقة الوسطى، إذْ أنّ التّعليم أسهم في إيجاد مهنٍ جديدة، وتالياً خلَق شرائح جديدة، دخلت في كنف الطّبقة الوسطى، وانزاح المفهوم قليلاً ليضمّ الأطباء، والمهندسين، والمحامين، وأساتذة الجامعات، إضافةً إلى الشّرائح التّقليدية من الحرفيين، والتّجار، وملاّك العقارات. فالتّعليم لا يؤّدي إلى خلخلة البنية الطبقية للمجتمع – على حدّ تعبير الباحث محمد فاوبار-وإنمّا يؤدّي إلى انتقال فئات من طبقة دنيا إلى طبقة عليا.  

عمد النّظام بعد «الحركة التّصحيحية» إلى تقوية مؤسّسات الدّولة المختلفة، بوصفها ضامناً يحميه من التّفكك والانهيار، وجعل هذه المؤسّسات، إضافةً إلى المؤسّسات الحزبية، والأجهزة الأمنية، والجيش هدفاً وملاذاً لأبناء الرّيف والأقليّات المختلفة، ممّا زاد في الحجم المفترض للطّبقة الوسطى. وكانت الآلية الرّئيسة التي حكمت علاقة النّظام الزبائنيّ السّوري بالمواطنين هو التّجنيد –على عكس النّظام المصريّ، مثلاً، والذي اعتمد آلية الاحتواء في الفترة نفسها-حيث تمّ تحويل المثقّفين، والحقوقيين، ونشطاء حقوق الإنسان، والنّاشطين في مختلف المجالات من الطّبقة الوسطى العليا إلى موظفين في إحدى مؤسّسات النّظام، ممّا أفقد الطّبقة الوسطى معناها بأن أفقدها دورها الرّئيس، في كونها حامل قيّم الحداثة، وصمّام أمان المجتمع.  

بعد حرب 1973، تضخمت هذه الطّبقة، نتيجة للازدهار الاقتصاديّ، لكنّ هذا الازدهار لم يظهر نتيجةً لتشيّيد اقتصاد وطنيّ يُنتج فائض قيمة من العمل والعملية الانتاجية ويدفع الضرائب ويموّل الدّولة منها. بل كان اقتصادياً ريعياً ، يقوم بالأساس على المساعدات والاستثمارات الخليجية التي تدفقت كمكافأة للنّظام السّوري على «مواجهة إسرائيل».   

تضخّم الطّبقة الوسطى نتيجة اقتصاد الرّيع انعكس في النّشاط النّقابيّ. لكنّه كان تضخماً مرضياً، إذْ قامت السّلطة بالاستثمار في القطّاعات الخدمية، وقطّاع الصّناعات البسيطة )التّحويلية(، على حساب القطّاعيْن الصّناعيّ والزّ راعيّ. وشهدت هذه الفترة تدهوراً كبيراً في الدّور السّياس يّ للطبقة الوسطى ،إذْ أنّ الاقتصاد الرّيعي يعمل على تحيّيد البرجوازية المدنيّة والطبقة الوسطى سياسيّاً واقتصادياً ، عبّر إقصائها من المجالات الرّئيسة إلى مجالات الخدمات والوكالات.  

 بعد عاميْ 1979-1982، خصوصاً، نشأ ترابط علائقيّ بين المصالح الحزبية والعشائرية، فعادت العلاقات التّقليدية، خاصةً الطّائفية منها، لتسيطر. وظهرت حراكات فردية «ضفدعية على حدّ تعبير د .أحمد موس ى بدو ي»، تعتمد على الانتهازية. وهذه برزت بشدّة بعد قانون الاستثمار رقم 10 الشّهير، وهو ما أحدث خللاً عميقاً في قيم الطّبقة الوسطى، نتج عنه تضيّيق هامش الحرّية، عبر ابتداع وسائل ديمقراطية شكلية، خالية من المضمون الحقيقيّ للدّيمقراطية، وتحوّل مُحدثي النّعمة الجدد – وهم في أغلبهم من أبناء المسؤولين الكبار، والمقرّبين من الطبقة الحاكمة، إلى قطّاع الأعمال والتجارة،  وقد أتى ذلك التحو ل بناءً على طلبٍ شخص يّ من الرّئيس حافظ الأسد، بهدف خلْق طبقة برجوازية جديدة، توازي وتنافس برجوازيي دمشق وحلب، وأصبح محدثو النعمة زبائن للطبقة السّياسية الحاكمة، التي امتلكت أدوات شرائهم وتوجيههم، وهو ما زاد في عزوف الطّبقة الوسطى السّياس يّ.  

زبائنية الطّبقة الوسطى في الألفية الجديدةبذو ر الانفجار   

ظهرت في سورية، مع بداية الألفية الجديدة، وانتقال الحكم إلى الأسد الابن، فئة جمعت ثرواتها خلال فترة قصيرة، نتيجة لممارسات نجمت عن التّزاوج بين المال والسّلطة، عُرفت هذه الفئة بـ «رأسمالية  

المحاسيب»، وتصاعد دورها سياسياً واقتصادياً واجتماعياً. ووصل أصحابها إلى لعب دورٍ أساس يّ في السّلطتين التّنفيذية والتّشريعية، مستخدمةً في سبيل ذلك أساليب الفساد والإفساد المختلفة ،مستفيدة من البيئة التي نشرتها )الدّولة الرّخوة(، هذه الدّولة التي كانت ضعيفة تجاه ما طُلب إليها من الخارج، ولكنّها قوية وشرسة في مواجهة الدّاخل.  

وعلى الرّغم من أنّ معدّلات النّمو كانت جيّدة عموماً، إلاّ أنّ الدّولة فشلت في تحقيق التّنمية. وفي هذه المرحلة أضحت الطّبقة الوسطى في سورية عائقاً أمام الدّيمقراطية بسبب زبائنيتها، وفسادها، وانسحابها من المجال العام. وساهم فساد الطّبقة الوسطى في ظهور ما عُرف بـ «الاختناق المؤسّ ساتي» الذي كان أحد المعوقات الأساسية في فشل الإصلاح المؤسّساتي، إذ كان الفساد المؤسّساتي أبرز أشكال الفساد من حيث كونه فسادٌ متعلق بفساد الشرائح العليا، وهي بحسب التصنيفات تتألف من الشريحة المتنفذة من الطّبقة الوسطى، والقريبة من مراكز صنع القرار، وبين صنّاع القرار أنفسهم. فيما انزاحت الشّرائح الدّنيا من الطّبقة الوسطى في سورية إلى مراتب الفقر.  وخضعت للفساد معظم مؤسّسات الدّولة والشّرائح المرتبطة فيها.   

عادة ما يتمّ وضع الإطار المؤسّس ي اللازم للتنمية الإنسانية على ثلاث ركائز:1. المشاركة .2. الحكم .3.  

التّنظيم المجتمعي.  وهي تُؤخذ بالتّعارض مع حلقات الاختناق الأساسية، وهي:1. ضعف المؤسّسات. 2. نقص المشاركة .3. فقر الحريات السياسية، إذ يُعدّ الاستبعاد من المشاركة في الحياة الاقتصادية المنتجة أحد أوجه الحرمان الرّئيسة، فقوّة العمل بقيت ثابتة تقريباً منذ عام 2001 حتّى عام 2011، ممّا أدى إلى زيادة في عدد السّكان خارج سوق العمل، وتراجع معدّلات المشاركة، وهذا مؤشّر على خسارة مشاركة الثّروة البشرية في العملية الاقتصادية، مما يُهدّد هذه الفئات بالفقر والتّهميش.  

في عام 2009 -أي قبل بداية الحراك في سورية بنحو عامين-قدّم البنك الدّولي مُؤشراً عن الاستقرار السّياس ي وانتفاء العنف والإرهاب في سورية )وهو مؤشّرٌ ذاتيّ على استقرار أنظمة الحوكمة، يقيس احتمال ظهور أو حدوث حالة من عدم الاستقرار مثل ـ: التّوترات الإثنية، أو النّزاع المسّلح، أو القلاقل الاجتماعية، أو تهديدٍ إرهابيّ، أو صراعٍ داخليّ، أو تشقّق الطّبقة السّياسية، أو تغييرات دستورية، أو انقلابات عسكرية …إلخ. حيث تتراوح التّقديرات ما بين -2.5 و+2.5 والقيم العليا هي الأفضل( وردت فيه البلاد بعلامة تصنيف سالب) -0.68(. كما قدّم البنك مؤشّراً عن فاعلية الحكومة )وهو مؤشّرٌ ذاتيّ على تقييم المواطنين للمفاهيم مثل: نوعية الجهاز البيروقراطي، وتكاليف المعاملات، ونوعية الرّعاية الصّحية العامة، ودرجة استقرار الحكومة. حيث تتراوح التّقديرات ما بين -2.5 و+2.5 والقيم العليا هي الأفضل( وحصلت فيه سورية على علامة تصنيف سالبة )-0.61(.  

كما أنّ مؤشّر التّعبير والمساءلة في سورية قد سجّل تدهوراً في مستوى المؤسّ سات من) -1.37( في عام 1996 إلى) -1.72( في عام 2004 ممّا يعني انخفاضاً في مؤشّر نوعية المؤسّسات بلغ )0.35(.  

وباعتبار أنّ الأهم بالنسبة لدول المواجهة هو «توفير جهازٍ أمنيّ يُطبق على الدّولة والمجتمع معاً » فقد تمّ التّعامل مع هذه المؤشّرات بكثير من الاستخفاف من قبل الحكومة، وكثير من اليأس من قبل العناصر النّاشطة الطّامحة للتّغيير في المجتمع.  

إنّ المؤشّرات السّابقة )مؤشّر الاستقرار السياس يّ، ومؤشّر فاعلية الحكومة، ومؤشرّ التّعبير والمساءلة( تُشكّل ما يعرف بالمكوّنات الفرعية لمؤشّر الحوكمة، أو الحكم الرّشيد، الذي يعني المساءلة والشّفافية في العمل السّياس ي.  

إنّ الفرد )المواطن السّوري(، وخلال ثلاثين عاماً تقريباً، كان يفقد سنوياً ما يقارب )-27%( من دخله مقارنة بالعام 1980، فوسطيّ الدّخل لم يتحسّن خلال تلك السّنوات، بمعنى أنّ إجماليّ النّمو المتحقّق قد كان مقارباً لمعدّل النّمو السّكاني. وهكذا نجد أن اتساع الفقر وتزايده، وانكماش الطّبقة الوسطى، كان أمراً طبيعياً، ونتيجة حتمية لمعدّل النّمو وطبيعته خلال تلك السّنوات، وللخلل المرافق في توزيع الدّخل الوطني. وهذا ما يؤكّد تدهور «المشاركة» في سورية، فقد أدّى احتكار فئة معينة للعمل السّياس ي-إلى جانب المعاناة الاجتماعية، وانعدام الأمن الاقتصادي، والأمن الغذائي والصحي ،وضعف الخدمات العامة وخاصّة التعليم، وانكماش الطّبقة الوسطى، واتساع دائرة الفقر، وانتشار البطالة، واتساع العشوائيات حول المدن-إلى ضعف الشّعور بالمواطنية والانتماء، وتهديد الهوية الوطنية والقومية، وهذه جميعاً  من أسباب تشكّل المناخ المناسب والظروف المؤاتية لبلورة تيارات من الغضب الشّعبي الذي يُشكل الدّافع الثّوري للنّقمة والاحتجاج. وكلّما تأخّرت السّلطة في تلبية المطالب المحُقة للنّاس، كلّما زادت التّكلفة المادية والمعنوية لكلا الطرفين، وكلّما تصاعدت المطالب  وارتفع سقفها.  

إنّ الفرد العالميّ الجديد، لا يُقارن نفسه بما كان عليه هو، أو كان عليه آباؤه قبل عقد أو عقدين أو أكثر، بل يُقارن وضعه )من حيث الرّفاهية، والحرّية، والنّاتج المحلي للفرد( بأقرانه في الدّول المجاورة، ولعلّ المثال التّالي يوضح حجم المسافات الشّاسعة التي كانت بين المواطن السوري، ومواطني الدّول المجاورة قبل انفجار 2011: فإذا ثبّتنا النّاتج المحليّ للفرد في بعض الدّول المحيطة )تركيا 12955$؛ تونس 7520 $؛ ماليزيا 13518$، لبنان 10109 $( وبفرض استمرار الشّروط الاقتصادية الحالية في سورية )معدّل نموّ دخل الفرد 1.5% ،ومعدّل النّمو السّكاني هو 2.3%، علماً أنّه و بحسب الدّراسات، فإنّ كلّ 1% من النّمو السّكاني، يجب أن يترافق مع 3-4% نموّ اقتصادي للمحافظة على نفس السّوية من التّنمية في حال وجود خطط اقتصادية واجتماعية مناسبة( فإنّنا سنتوازن مع تونس بعد 52عاماً، ومع ماليزيا بعد 70 عاماً، ومع تركيا بعد 51%، ومع لبنان بعد 72 عاماً !.. والنّتيجة التي سنصل إليها هنا، أنه ضمن الشّروط الاقتصادية في سورية، في العام 2009، فلا يمكن تحقيق وزن اقتصاديّ هام إقليمياً ليكون نقطة الارتكاز لدور اقتصادي وسياس ي ذي شأن.  

نتيجة لكلّ هذا، تحوّل المجتمع السّوري إلى «مجتمع مخاطر» يتس مّ بـالآتي:  

  1. تزايد الهوة بين الأغنياء والفقراء )أي انكماش الطّبقة الوسطى عملياً(، وسيادة روح عدم العدالة في توزيع الدّخل والثّروة، وسلوك )الطّبقة الوسطى-العليا( الجديدة الاستفزازيّ، وعادات الاستهلاك التّفاخري التي بدأت تجتاح المنطقة.  
  1. تزايد البطالة، وانتشارها خاصّة ما بين الشّباب والنّساء. ويجب التّذكير في هذا الخصوص بأنّ نسبة البطالة في سورية كانت )في العام 2007( 22%،  وحتّى تصل النّ سبة إلى 11% )وهي نسبة عالية على كلّ  حال( فإنّ ه كان يلزم توفير 257 ألف فرصة عمل سنوياً ، فيما كان المعمول به هو 36000 فرصة عمل سنوية فقط.  
  1. اتساع دائرة الفساد والإفساد في المجتمع.  

يمكننا الاستنتاج من كلّ ما سبق أنّ هناك دراسات كثيرة موثقة بالأرقام الإحصائية، قام بها باحثون وأخصائيون سوريون قبل آذار 2011، أشارت إلى عمق التّناقضات الموجودة في المجتمع، وقد فضحت تلك الدراسات وبشكل واضح الفساد وسوء استخدام السّلطة ونهب الأموال العامة وسوء التّخطيط.  

وكيف أنّ الدولة والسّياسيين تركوا الاقتصاد توجهه حفنة –لا تتمتع بأي شرعية أو أهلية-تسيط ر على الشّركات والمصارف، هذه الحفنة تحولت إلى «طبقة وسطى-عليا انتهازية» تبلورت مع التّحول التّجريبي وغير المدروس باتجاه اقتصاد السّوق، مستفيدة من الإعفاءات الضريبية، والقروض المُيسّرة، والخصخصة. لتُنش ئ ما سُمي بـ «رأسمالية المحاسيب». وقد عملت هذه الطّبقة على تكوين الأرباح السّريعة من خلال الاستثمار في قطاع الخدمات والوساطة المالية والعقارات -أي في مجالات الاقتصاد الرّيعية، لا القطاعات المنتجة حقيقةً -وذلك عن طريق الحصول على تراخيص وامتيازات وإعفاءات من الدّوائر المقرّبة من النّظام، وهي وبما حملته من احتكار وفساد، وقدرة على فرض بعض السياسات والقوانين الاقتصادية التي تخدم عملها، تسبّبت ليس في التفاوت الكبير الحاصل بين الأغنياء والفقراء وحسب، وإنما أيضاً في تآكل الشّرعية السّياسية للنّظام نفسه، وهو ما دفع باتجاه انفجار 2011. إذْ أنّ تعاظم التّفاوت يؤدّي لا محالة إلى تمزيق وحدة المجتمع، فمع ازدياد غضب المحرومين يزداد المجتمع تفككاً، وهذا التّفاوت انطوى على قوّة تفجيرية هائلة مزّقت كيان المجتمع.  

الطّبقة الوسطى في الحلّ السّياس يالدّور لا الكمّ    

بعد حوالي ثماني سنوات من أزمة سياسية خانقة، بدأت بثورة شعبية وانتهت بحربٍ لمّا تضع أزوارها بعد، دخلت البلاد في معادلة مهزوم/ مهزوم بيْن المجتمع والدّولة. هذه المعادلة أنتجت مجتمعاً أكثر تفكيكاً وهشاشةً من قبل، كما أنّه أكثر شراسةً أيضاً. وغابت الفعالية السّياسية عن كلّ القوى المجتمعية السّورية، السّياسية والعسكرية، وباتتْ مقولة أنّ الحلّ قد خرج من يد السّوريين رائجة لدى الجميع، معارضةً وموالاة، في الدّاخل والخارج، وبين كل الأطراف الإقليمية والدّولية، وهو ما لا نوافق عليه بالطبع لسببيْن، أولاهما أنّه يعني الاستسلام القدر يّ من قبل السّوريين للخارج. والثّاني أنّه غيْر واقعيّ، فأي حلّ يحتاج في النهاية إلى سوريين كي يمرّ، ومن هذه الزّاوية يمكن للقوى الوطنية السّورية، إن انتظمت، أن تضغط باتجاه أن يستعيد السّوريون بعض المبادرة. وهذا يتطلب العمل الكبير على تفعيل وتمكين الأداء ال سّياس يّ للتيارات السّياسية والمدنية السّورية، إذْ أنّ هذه التيارات، خصوصاً الليبرالية واليسارية منها، أثبتت نضجاً على مستوى الوعي تناقض بشكل صارخ مع مستوى أدائها السّياس يّ لأسبابٍ كثيرة ليس هذا مجال الخوض فيها، لكنّه تجلّى في أمرين اثنين: وعي كل القوى المدنية السّورية لخطر التّقسيم وعدم تمريره، ووعيها أيضاً لمخاطر التّطييف. فعلى رغم الحرب الطاحنة، وعلى رغم كلّ الضّخ الإعلاميّ، لم تُنتج الحرب السّورية زعماء طوائف، ولم تتحوّل تالياً لحربٍ طائفية، رغم بعض المظاهر هنا وهناك. وهذا الوعي برأينا فاق مثيلاتها الليبرالية واليسارية في تونس ومصر مثلاً.  

لذا تُطرح أسئلة كثيرة على السّوريين في هذه الفترة، ماذا تبقّى من الطّبقة الوسطى؟ فعلى رغم دخول الكثيرين في عداد الأغنياء بفعل اقتصاد الحرب، إلاّ أنّ الطّبقة الوسطى كدور وكماهية تكاد تختفي.   

أيضاً، هل التّحول المرتقب نحو الدّيمقراطية سيعطي حلاً سحرياً بالضرورة؟ وهل سيترافق هذا التّحول بنموّ اقتصادي يُخرج الطّبقة الوسطى من حالة العزوف السّياس ي، والأهم هل يُخرجها من زبائنيتها وارتهانها؟  

أم أنّ الأمر أكثر قتامةً، إذْ ستكون الطّبقة الوسطى في سورية أحد معوقات الانتقال الدّيمقراطي لأنّها أصبحت أكثر انسيابيةً، وبالتالي أكثر انكماشاً بسبب خوفها على مصالحها؟ هل علينا أن نكون واقعيين ونتوقّع أن تكون لدينا طبقة وسطى ذكورية، يغلب عليها الطّابع الدّ يني المحافظ، وهي إضافةً لكلّ هذا:  

ستكون طبقة منهكة اقتصادياً سيغادرها أفرادها؟ وكيف سنتعامل مع كلّ هذا الواقع؟  

يحتاج الأمر من السّوريين، ومن المهتمين بالشأن السّوري، التّعامل بهدوء ورويّة مع هذه الأسئلة، ومع غيرها. وهذا أمر شاقّ خصوصاً أنّ الأحداث لا تسير بذات الهدوء والرّوية.  

نحن نعتقد أنّ التّفكير يجب أن يتجه نحو آليّات تأخذ فيها الثّقافة السّياسة حيّزاً كبيراً لتطوير دور الأحزاب السّياسية، ولتعزيز قوّة المجتمع المدني، وتحقيق استقلال للطّبقة الوسطى عن بيروقراطية جهاز الدّولة، التي نفترض أنّ مفهومها –أي مفهوم الدّولة-يجب أن يكون حاضراً بقوة في فترة انتقالية مرتقبة، فجميع تجارب الشّعوب تقول إن غياب الدّولة القوية بعد الحروب لا ينتج سلاماً.   

أمام السّوريين إذاً مهام شاقّة تتمثّل أساساً في بناء مجتمع مدنيّ قوّي يفترق عن مفهوم منظمات المجتمع المدني، والتي هي جزء من المجتمع المدني لكنّها ليست كلّه. هذا المجتمع هو عصب الطّبقة الوسطى وعمادها، وعليه خوض نضالٍ ثلاثيّ: ضدّ الاستبداد السّياس ي، وضدّ الاستبداد الدّيني، واستعادة سيادة البلد في وجه التّدخلات الدّولية.  

خاتمة   

الطّبقات إذاَ ليست مجرّد كتلاً بشرية وإحصاءات رقمية، بل هي مجموعات ثقافية وسلوكية، وبالتالي ملامح الطّبقات تتغير باستمرار تبعاً للظّروف التي تمرّ بها المجتمعات، وتبعاً للنّسق السّياس ي والاقتصادي والتّعليمي المتّبع. فالطّبقة الوسطى يتمّ التّعامل معها الآن كرهانٍ فكريّ سياس يّ في الأدبيات السّياسية والاجتماعية المعنية بدول الرّبيع العربي. وللأسف، فإنّ التّعامل مع مفهوم الطّبقة الوسطى في مجتمعاتنا من قبل الباحثين الغربيين يأخذ منحىّ كميّاً بالدرجة الأولى عند التّصنيف، مهملين معيار الدّور الذي برأينا هو الذي يجب أن يكون أساس التّصنيف.  

هناك مفاهيم لم تتأصّل لدينا، بل وردتنا من الغرب على شكل موجات بعد أن أنجز الفكر السّياس ي هناك عملية بلورتها، كمفاهيم المجتمع المدنيّ، والدّيمقراطية، والعلمانية. ولذلك بقيت هذه المفاهيم حاضرة/غائبة في نفس الوقت، فهي تأخذ حجماً واسعاً من النّقاش بين النّخب والمهتمّين في الشّأن العام لكن دون أي فعالية تُذكر. نأمل أن يكون نقاشنا للطّبقة الوسطى في سورية قد أتى خارج هذه «الموضة».   

  

مُلحق   

فيما يلي جدولاً لمؤشرات نوعية إدارة الحكم، الذي يدّل على احتمال حدوث الفساد، ومستواه. في عيّنة من الدّول العربية مأخوذ في نسخة العام 2005:  

مؤشر نوعية إدارة الحكم%  *   مؤشر نوعية الإدارة %   مؤشر المساءلة العامة%    القطر/الإقليم  
 44   50.7   45  الأردن  
 56.4   73.6   34  الإمارات  
 50   66   31.5  البحرين  
 43   54   35  تونس  
 32   41   31.3  الجزائر  
 32   48   17  السعودية  
 18.6   28   18  سورية  
 39   53   20  عُمان  
 30   42   23  قطر  
 48.5   56.6   44  الكويت  
 32   35   42  لبنان  
 30   38   30  مصر  
 42.7   51.6   39  المغرب  
 22.5   33.5   19  اليمن  
 37.2   47.9   31.1  الدول العربية  
 28   30   38  دول الدخل المتوسط الأدنى  

وكما نلاحظ من الجدول، وفيما يتعلق بمؤشر نوعية الإدارة، فإن سورية سجلت أدنى نوعية للمؤسسات بمؤشر 28%.   

وكان سمير العيطة قد أشار في ندوة له لصالح جمعية العلوم الاقتصادية، أن المؤشر الأكثر تشاؤماً هو ترتيبنا على لائحة الشفافية )وهي مقلوب لائحة الفساد( إذ أتت سورية في المرتبة الخامسة عشر عربياً بنسبة 2.4 من عشرة، ويقبع خلفنا ثلاثة دول عربية فقط، هي السودان، والعراق، والصومال، أي فقط الدول التي تعاني من حروب أهلية.1 وقد كان ذلك من المؤشرات الخطيرة التي كانت تستدعي استجابة عالية من الحكومة في وقتها، ولكن كالعادة: تم التعامل مع الأمر بكثير من الاستخفاف.  

ثبت المراجع  

  1. د.علي،  علي عبد القادر )إعداد(: نوعية المؤسسات والأداء التنمو ي- جسر التنمية-  المعهد العربي للتخطيط بالكويت- العدد 62-نيسان 2007.  

                                                           

1العيطة، سمير: العمل والبطالة في سورية بين التحولات العالمية والإقليمية والسياسات الاجتماعية والاقتصادية-محاضرة ألقيت لصالح جمعية العلوم الاقتصادية في دمشق 21/نيسان/2009.   

  1. مجموعة باحثين )ناريمان عامر، بدرخان علي، محمد سامي الكيال، محمد ديبو(: عوامل السلم الأهلي والنزاع الأهلي في سورية- مركز المجتمع المدني والديمقراطية  CCSCS- 2013.  
  1. د.علي،علي عبدالقادر )إعداد(: مؤشرات قياس المؤسسات- جسر التنمية-  المعهد العربي للتخطيط بالكويت- العدد 60-شباط 2007.   
  1. د. بن جليل، رياض )إعداد(: برامج الإصلاح المؤسساتي- جسر التنمية- المعهد العربي للتخطيط بالكويت- العدد 77-تشرين الثاني /2008.  
  1. د. الحمش، منير: مجتمع المخاطر في ظل التحولات الاقتصادية والاجتماعية- محاضرة ألقيت لصالح جمعية العلوم الاقتصادية السورية-دمشق: 19/4/2011.  
  1. العيطة، سمير: العمل والبطالة في سورية بين التحولات العالمية والإقليمية والسياسات الاجتماعية والاقتصادية-محاضرة ألقيت لصالح جمعية العلوم الاقتصادية في دمشق 21/نيسان/2009.  
  1. طرابلس ي، فواز: المجالات العامة والفضاء الحضري: مقارنة نقدية مقارنة-ترجمة مها بحبوح- مجلة إضافات- العدد الخامس- شتاء 2009.   
  1. الدوري، زهير عبد الجبار: الفكر والسياسة لدى الجمعيات والمنتديات وا لأحزاب العربية حتى نهاية الحرب العالمية الأولى- صغحات للدراسات والنشر-دمشق- 2007.  
  1. الحاج،عبد الرحمن: الدولة والجماعة، التطلعات السياسية للجماعات في سورية- مركز التواصل والأبحاث الإستراتيجية-بلا تاريخ.  
  1. الرفاعي،أنو ر )وآخرون(: التاريخ الحديث منذعام 1815- وزارةالمعارف- دمشق- 1956.  
  1. د.حرب، أسامة الغزالي: الأحزاب السياسية في العالم الثالث-عالم المعرفة- العدد 117- أيلول  

1987- الكويت.  

  1. ساتيك، نيروز: الحالة الطائفية في الثورة السورية، المسارات والأنماط- عُمران للعلوم الاجتماعية والإنسانية- العدد5-المجلد الثاني- صيف 2013.  
  1. فرجاني،نادر )وآخرون(: التنمية الإنسانية- المفهوم والقياس- حلقة نقاشية حول تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام 2002- تحرير د.منيرالحمش- المركز العربي للدراسات الاستراتيجية وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي- دمشق- 2002.  
  1. د. مرزوق، نبيل: معوقات النمو في سورية-  محاضرة ألقيت لصالح جمعية العلوم الاقتصادية في دمشق 1/شباط/ 2011.  
  1. نصر، ربيع: الفقر، مفاهيم بديلة- محاضرة ألقيت لصالح جمعية العلوم الاقتصادية في دمشق-بتاريخ 03/05/2011.  
  1. شيفر، أولريش: انهيار الرأسمالية، أسباب إخفاق السوق المحررة من القيود- ترجمة عدنان عباس علي- سلسلة عالم المعرفة-العدد 371-يناير 2010.  
  1. د. جميل، قدري: الدروس المستخلصة من الخطة الخمسية العاشرة- محاضرة ألقيت لصالح جمعية العلوم الاقتصادية في دمشق-بلا تاريخ.  
  1. د.بشارة، عزمي: في المسألة العربية، مقدمة لبيان ديمقراطي عربي- المرك ز العربي للأبحاث ودراسة السّياسات- الدوحة- الطبعة الرّابعة- 2018.  
  1. د.بدوي، أحمد موس ى: تحولات الطّبقة الوسطى في الوطن العربي –مركز دراسات الوحدة العربية –بيروت – الطبعة الأولى- 2013.  
  1. عوّاد، هاني: التّكيّف في ظلّ أنظمة أتوقراطية- مجلة عمران- شتاء 2014.  

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *