الرئيسية / مقالات / تركيا وحلف شمال الأطلسي: الأزمات والخيارات

تركيا وحلف شمال الأطلسي: الأزمات والخيارات

تركيا وحلف شمال الأطلسي: الأزمات والخياراتتركيا وحلف شمال الأطلسي: الأزمات والخيارات

معن الموسى – مركز أسبار للدراسات والبحوث

نشر مركز أسبار للدراسات والبحوث مقالاً جديداً بعنوان “تركيا وحلف شمال الأطلسي: الأزمات والخيارات” للخبير الأردني في الشؤون الأمنية والعسكرية، معن الموسى، الذي عمل في عدد من المؤسسات البحثية العسكرية، ومدرباً في دورات عسكرية وأمنية في عدد من البلاد العربية، وذلك ضمن الدراسات الشرق أوسطية التي يقدمها المركز عبر موقعه الرسمي، وفيما يلي نص المقال وفق ما ورد:

فرضت تهديدات الحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي، بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، ضرورة انضمام تركيا إلى حلف شمال الأطلسي ،خصوصاً بعد رفض أنقرة تأجير قواعد جوية لأميركا في أراضيها، ما لم تعترف بها عضواً في الحلف، ما دفع الإدارة الأميركية إلى دعم دخول تركيا للحلف، ففي حال حدوث هجوم من قبل الاتحاد السوفيتي على أوروبا

الغربية، فإن الصواريخ الأمريكية، في حال وجودها في الأراضي التركية، سوف تعبر إلى ما وراء حقول النفط في القوقاز، وبالتالي توجيه ضربات للاتحاد السوفياتي من القواعد التركية.

لهذه الأسباب وافقت رئاسة الأركان الأميركية عام 1951 على العضوية الكاملة لتركيا في حلف شمال الأطلسي، وتحقق ذلك في 8 فبراير/ شباط 1952.

وهكذا فإن العلاقات الأميركية –التركية، في نهاية خمسينات القرن الماضي، أصبحت واحدة من المتطلبات المهمة بالنسبة إلى واشنطن في حماية أوروبا، ومواجهة الاتحاد السوفياتي.

يواجه حلف شمال الأطلسي أزمات متمثلة بما يلي:

1-تنامي قوة روسيا الاتحادية على نحو بات يهدد جدياً بعودة شبح حرب باردة، كانت سادت خلال حقبة النظام الدولي الثنائي القطبية.

2-تراجع وزن الولايات المتحدة النسبي في النظام الدولي، ومطالب الرئيس دونالد ترامب حلفائه الأوروبيين بتحمل فاتورة حماية الولايات المتحدة لهم.

3-أزمة التعامل مع تركيا من قبل دول أوروبا والولايات المتحدة ،لدرجة ان تركيا باتت تهدد بالانسحاب من الحلف، لا سيما مع عدم قبول أوروبا بعضوية تركيا في الاتحاد الأوروبي.

اول ا-تنامي القوة الروسية

عاد من جديد أسوأ كابوس عسكري ليهدد حلف شمال الأطلسي، مع السياسات الروسية الجديدة ،والتي تعتمد نسقاً هجومياً متعدد المستويات، من بينه التدخل العسكري، وعلى الرغم من القدرات التدميرية الكبيرة للأطلسي، إلا أن تنامي قوة روسية يجعل، من وجهة النظر الدفاعية ،كل الاحتمالات تهديدات محتملة .

ذكرت مجلة “ناشيونال إنترست” الأمريكية أن روسيا حشدت في مدينة “كالينينغراد” الروسية ،المجاورة لدول البلطيق، ترسانة عسكرية ضخمة، تضم صواريخ “إسكندر — إم” الباليستية ،وسفن حربية، وغواصات، إضافة إلى طائرات حربية، مزودة بصواريخ فتاكة.

مشيرة إلى أن تلك الدول لا تملك إلا نظام الدفاع الصاروخي “باتريوت”، الذي يمكن استخدامه لص د تلك الصواريخ.

كما حذر جون بايدن، نائب الرئيس الأمريكي السابق، الغرب من “خطر” روسيا، مؤكدا أن هدف الرئيس فلاديمير بوتين ليس إعادة الاتحاد السوفيتي، بل هدم حلف الناتو والاتحاد الأوروبي.

وفي معرض حديثه عن الناتو، انتقد بايدن علاقة “الابتزاز” تجاه الحلف “بذريعة الحماية”، في إشارة قد تكون إلى تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، حول الحلف، ومطالبة الرئيس ترامب حلفاء الولايات المتحدة بإنفاق المزيد على الدفاع ،وفي غضون ذلك، يشجع بوتين تركيا على شراء نظام “أس-400″، اذ أعلن الرئيس الروسي أنه سيق د م موعد تسليم نظام الدفاع الصاروخي عاماً واحداً، من 2020 إلى 2019، مع خيارات وتسهيلات تمويلية لشراء المنظومة، التي تقدر قيمتها ب 2.5 مليار دولار.

ثاني اا: تراجع دعم الوليات المتحدة للحلف

ووسط الارتباك الأوروبي والقلق والخوف من حدوث كارثة ،أعرب الأمين العام السابق لحلف شمال الأطلسي، أندرس فوج راسموسن، عن قلقه بقوله إن “الحلف يواجه أكبر أزمة منذ تأسيسه”، وأن القمة قد تؤدى إلى كارثة كبيرة.

من جهته ح ث رئيس المجلس الأوروبي، دونالد توسك، دول الاتحاد الأوروبي مؤخر اً على الاستعداد لـ “أسوأ السيناريوهات”، في ظل التعامل مع قيادة أمريكية يصعب التنبؤ بتصرفاتها.

ووسط ضغوط ترامب على أعضاء الحلف، وتكراره الدائم أن الحلفاء “يدينون” للناتو، الأمر الذي أوجد حالة ارتباك غير مسبوقة لدى الشركاء الأوروبيين، علم اً بأن التزام الـ 2% يرتبط بميزانيات الدفاع الوطنية ،وهي مختلفة عن المساهمات المباشرة في ميزانية حلف الأطلسي.

حيث تُستخدم هذه المساهمات المباشرة لتمويل “الميزانية المدنية” للحلف) 248 مليون يورو في 2018( التي تغطى تكاليف التشغيل في مقر الحلف في بروكسل، إضافة إلى “الميزانية العسكرية) “1.325 مليار في 2018( التي تمول بنية قيادة الحلف.

وُيُشار إلى أن النسبة المئوية الموصى بها من الناتج الإجمالي المحلي لكل عضو في الحلف هي 2 في المائة، ولكن العديد من الدول الأوروبية الأعضاء، بما في ذلك الاقتصادات الكبرى، مثل فرنسا وألمانيا، تُنفق أقل من المبلغ الذي تدعو إليه إرشادات منظمة حلف الشمال الأطلسي، حيث تشارك فرنسا بنسبة 1.78 في المائة، وتركيا بنسبة 1.56 في المائة، وألمانيا بنسبة 1.19 في المائة، وإيطاليا بنسبة 1.1 في المائة، وكندا بنسبة 0.99 في المائة.

وتُظهر إحصائيات الناتو، أن الولايات المتحدة الأمريكية أنفقت ما يصل إلى 650 مليار دولار على الدفاع العام الماضي، وهو أكبر مبلغ دفعته أي دولة في العالم على الإنفاق العسكري ،وهو يبلغ أكثر من ضعف المبالغ التي تدفعها الدول العضوة الـ 27 الأخرى، رغم أن ناتجهم الإجمالي المحلي المشترك أعلى من ناتج أمريكا الإجمالي المحلي.

ثالث اا-علاقة تركيا بالوليات المتحدة والعلاقات التركية – الأطلسية

لفتت وكالة “بلومبيرغ” الأمريكية إلى أنه رغم التباين في المواقف بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، فيما يتعلق بسياسات حلف شمال الأطلسي، إلا أن تركيا تبقى هي أزمة

“الناتو” الكبرى.

وتشير الوكالة إلى أن الحلقة الضعيفة فعلًا في الحلف هي تركيا، فهي تنزلق إلى دائرة نفوذ روسيا، حيث أتمت أنقرة صفقة لشراء نظام الدفاع الجوي )اس-400( من موسكو، فيما بدأ الأتراك تشييد محطة للطاقة النووية روسية الصنع.

ومن وجهة نظر اخرى فإن ابتعاد تركيا عن أمريكا، وحلف الناتو، لن يكون جيداً بالنسبة إلى تركيا ،لذلك من الصعب على تركيا أن تنفصل عن هذا الاتفاق الذي تُع د جزءا رئيسي اً فيه أكثر من كونها مجرد عضو، إذ يؤدي مثل هذا الانقطاع إلى مراجعة تركيا لجميع شؤون أمنها القومي، بالإضافة إلى ما سيتر تب على ذلك من أزمات اقتصادية.

يدرك ص ناع القرار في أنقرة أن الكثير من المشكلات الداخلية والخارجية، في حال الابتعاد عن حلف الأطلسي، قد تصبح بمثابة تهديد وجودي، كما أن “الناتو” سيعتبر تركيا في خانة العدو ،فالناتو لا ينكر بأن المملكة المتحدة أو كندا لم تعد تنتميان إليه، بل ينكر فقط بأن عضوية تركيا مشكوك فيها، وهي طريقة مختلفة للقول بأنها كذلك، خصوصاً منذ الأزمة بين واشنطن وأنقرة، بعد وقوع الانقلاب الفاشل في تركيا عام 2016، والشكوك التركية بوقوف واشنطن، والغر ب ، إلى جانب الانقلابيين، وجماعة “فتح الله غولن”، ورفض واشنطن تسليمه إلى أنقرة .

أثر العلاقات الإقليمية على موقع تركيا في حلف الناتو:

منذ أكثر من ستة عقود انضمت تركيا إلى حلف شمال الأطلسي، ومع مرور السنوات أصبحت قوة رئيسية في الحلف، ويرجع البعض قوة تركيا في حلف الناتو من بين الأسباب التي تضبط أي موقف أميركي أو أوروبي من تركيا وسياساتها، لكن اليوم تمضي تركيا في سياستها التي تتعارض مع المبادئ الرئيسية لحلف الناتو، ما يدفع الكثير من السياسيين والباحثين إلى الحديث عن “طرد” تركيا من حلف شمال الأطلسي.

ويأتي المقال الذي نشره الباحث الأميركي مايكل ج. توتون، في مجلة “وورلد أفيرز”، ضمن صف المنادين بهذا الأمر، مشيرا إلى أن أنقرة خرقت الكثير من شروط معاهدة تأسيس الناتو ،باكتشاف تورطها في دعم جماعات وشخصيات مصنفة على قائمة التنظيمات الإرهابية، وتدخلها في شؤون دول أخرى، وعدم الالتزام بحماية حرية وتراث وحضارة شعوبها، وتراجع مكانة حريات التعبير فيها، واستمرار الاعتقال الممنهج ضد المعارضين.

الدعم العسكري الأمريكي للقوات الكردية في شمال سوريا ،وتزويدها بالسلاح النوعي الثقيل، ما يشكل تهديد اً للأمن القومي التركي .

4.عندما أعلنت واشنطن عن دعمها لقوة أمن حدودي مستمدة أساس اً من “وحدات حماية الشعب” الكردية في شمال سوريا على امتداد الحدود التركية، ر د الرئيس رجب طيب أردوغان بأنه “سيخنق” تلك القوة المدعومة من الولايات المتحدة “حتى قبل أن تولد”.

5. تمكن نظام بشار الأسد من الصمود من خلا الدعم الوسي والإيراني وحزب الله.

6.أزمة القس الأمريكي، والضغط من قبل ترامب على الاقتصاد التركي، وتراجع الليرة التركية.

7.قضية الصحفي السعودي جمال خاشقجي، واختفائه في قنصلية المملكة العربية السعودية في تركيا.

موقف أوروبا من انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي:

هناك قناعة لدى الساسة الأتراك بأن الاتحاد الأوروبي هو من يضع العراقيل، ولا يريد لتركيا أن تنضم له، فقد فشلت تركيا في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، رغم تقدمها بطلب منذ عشرات السنين، وتجد أنقرة أن أوروبا لا تتفهم التركيبة المعقدة للمجتمع التركي، والتي تضم تنوعاً عرقياً كبيراً، وحاجة تركيا إلى شكل من أشكال الخصوصية في إدارة ملفات أمنها

الداخلي، وبالتالي فإن وجهة النظر التركية تجد أن الموقف الأوروبي من انضمامها يقوم على الضغط من أجل تقديم الكثير من التنازلات التي ستصب، في حال قدمتها تركيا، في خانة إضعاف وجودها.

السيناريوهات المحتملة:

السيناريو الأول:

بقاء تركيا على مستوى عضويتها الحالي في الحلف، وعدم حصول أي تغيير جذري في سياسة أمريكا والاتحاد الأوروبي وحلف الناتو تجاه تركيا.

السيناريو الثاني:

تراجع مستوى عضوية وتأثير تركيا في الحلف، وبالمقابل ابتعاد تدريجي أمريكي وأوروبي أطلسي عن تركيا، وتجاهل متطلبات الأمن القومي التركي.

السيناريو الثالث:

خروج او اخراج تركيا من منظومة حلف الناتو، وابتعاد امريكي عن المصالح القومية التركية العليا، والاستمرار بدعم “قوات سوريا الديمقراطية”، وحصول قطيعه أوروبية تركية، خصوص اً من قبل ألمانيا، بذريعة علاقة تركيا القوية مع روسيا ،مع قيام مناورات وتدريبات عسكريه أطلسية، لمواجهة النفوذ الروسي في أوكرانيا والقرم، لكن بدون دعوة تركيا كعضو في الحلف.

السيناريو الاكثر احتمالا ضمن المعطيات الراهنة هو السيناريو الأول على المدى القصير.

اما السيناريو الأكثر احتمالا فهو الثاني على المدى الطويل. لكن هذا السيناريو قد يفضي إلى خروج أو اخراج تركيا، وتجريدها من عضوية الحلف بقرار أطلسي، ودعم أمريكي أوروبي ، ويعتمد ذلك على مستجدات الظروف والمتغ يرات.

الخلاصة:

موقع تركيا في الحلف يضعف ويتراجع لزوال الدوافع والمبررات الأساسية، وحصول تحولات جذرية في السياسة الدولية والإقليمية.

ينتج عن ذلك، بما أن تركيا وأوروبا فشلتا في انضمام تركيا إلى عضوية الاتحاد الأوروبي، فإنهما ستفشلان في إبقاء تركيا عضو اً في حلف الناتو بنهاية المطاف.

وأخيراً، يمكن لواشنطن أن تعكس انزلاق تركيا وخضوعها للنفوذ الروسي من خلال وضع استراتيجية واضحة، تعالج مخاوف أنقرة الأمنية العميقة، بشأن علاقة الولايات المتحدة بـ «وحدات حماية الشعب»، والأهم من ذلك، على واشنطن تزويد أنقرة بضمانات قوية في مواجهة تمدد النفوذ الروسي في الشرق الأوسط، وإلا سيكون خيار تركيا بناء تحالفات أوثق مع روسيا .

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *