الرئيسية / مقالات / مؤشرات الإصلاح الاقتصادي في مصر

مؤشرات الإصلاح الاقتصادي في مصر

مؤشرات الإصلاح الاقتصادي في مصرمؤشرات الإصلاح الاقتصادي في مصر

صلاح هاشم – مركز أسبار للدراسات والبحوث

نشر مركز أسبار للدراسات والبحوث مقالاً جديداً بعنوان “مؤشرات الإصلاح الاقتصادي في مصر” للخبير الاقتصادي، وأستاذ التخطيط والتنمية بجامعة الفيوم، ورئيس الشبكة المصرية للتنمية والحماية الاجتماعية، صلاح هاشم، وذلك ضمن التقارير التي يقدمها المركز عبر موقعه الرسمي، وفيما يلي نص المقال وفق ما ورد:

في بداية العقد الثاني من الألفية الثالثة شهدت مصر العديد من ا لاضطرابات السياسية والاجتماعية التي وضعت الاقتصاد المصري على المحك، ووصل إلى حالة كان من الصعب معها التوقع بنهوضه قبل عشرات السنوات، حيث تعالت معدلات الفقر والبطالة وارتفع معدل التضخم والدين العام، ورصدت التقارير الدولية أهم ملامح تلك المرحلة العصيبة في تاريخ مصر المعاصر، وتجلت آثارها السلبية في انخفاض حجم الاستثمارات، لتصل إلى أدنى مستويات لها، حيث بلغ حجم الاستثمارات المباشرة الواردة لمصر 2،4 مليار دولار في عام 2013/ 2014، وانخفاض حجم الاحتياطي النقدي لدى البنك المركزي من 5،36 مليار دولار طبق ا لبيان البنك المركزي المصري في ديسمبر/ كانون الأول 2010، ليصل إلى 15.4 مليار دولار خلال مارس/ آذار 2014. أما الحصيلة الدولارية الواردة لمصر من تحويلات العاملين بالخارج فقد انخفضت لتصبح 8.6 مليار دولار خلال العام المالي 2011 /2012.

وأدت هذه التراجعات في معدل الاستثمار إلى ارتفاع معدلات البطالة لتصبح 8،14% بعد أن بلغت 8.9 % خلال السنوات 2008 و2009، فعلى سبيل المثال، أدى انخفاض حجم السياحة الوافدة إلى انخفاض عدد العاملين في قطاع السياحة إلى ما يقرب 50% من حجم العمالة في هذا القطاع. ومن ثم فإن انخفاض الحصيلة الدولارية من قطاع السياحة والاستثمار المباشر ومن تحويلات العاملين بالخارج، أدى إلى ارتفاع فاتورة الواردات المصرية لتتجاوز 6،83 مليار دولار في هذه الفترة.

وتمثلت ملامح الاقتصاد المصري في هذه الفترة في عدم ثقة المؤسسات المالية الدولية في الاقتصاد، وعدم قدرته على التحسن، وعجزه عن مواجهة التحديات، ما أثر سلب ا على التصنيف الائتماني لمصر آنذاك ،حيث وصل إلى 222 مع نظرة مستقبلية سالبة خلال 2013. ورفض صندوق النقد الدولي طلب مصر بالحصول على تمويل قدره 4.8 مليار دولار.

وعلى الرغم من كل هذه الظروف-غير المواتية-استطاع الاقتصاد المصري أن يفتح صفحة جديدة من صفحات الإصلاح الاقتصادي خلال العام المالي 2017/2018. حيث ارتفعت معدلات النمو الاقتصادي بأعلى وتيرة في 10 سنوات مسجلا 5.3%، وتراجعت فيه معدلات البطالة بشكل ملموس.

وللخروج من الأزمة، تبنت الحكومة المصرية برنامج ا للإصلاح الاقتصادي الشامل، بالتعاون مع صندوق النقد الدولي بدأ في أغسطس 2016، على مدى زمني لمدة ثلاث سنوات، تنتهي في العام المالي 2018/201، وحصلت مصر بنا ء على هذا البرنامج على قرض تمويلي بقيمة 12مليار دولار يسدد على 10 سنوات.

واستهدف البرنامج استعادة الاستقرار الاقتصادي الكلي، وإعادة مصر إلى مسار النمو، واستهدف البرنامج تحسين عمل أسواق النقد الأجنبي، وتخفيض عجز الموازنة العامة والدين الحكومي، وزيادة معدلات النمو، بما يساهم في خلق فرص عمل، بالإضافة إلى تقديم برامج حمائية للفئات محدودة الدخل .

وتحددت الملامح العامة لبرنامج الإصلاح في سبع نقاط أساسية هي:

أولا -اتخاذ إجراءات التعويم الحر – غير المدار – للجنيه المصري أمام العملات الأجنبية، ما نتج عنه استقرار في سعر الصرف.

ثانيا -رفع سعر الفائدة في البنوك المصرية ليصل إلى 20 % لتجفيف السيولة الموجودة بالسوق، لمواجهة التضخم.

ثالثا -تخفيض أسعار الفائدة على فترات، واتباع سياسات تثبيت الفائدة طبق ا لرؤية لجنة السياسات النقدية بالبنك المركزي المصري.

رابعا -استصدار تشريعات جديدة لتحفيز لاستثمار الأجنبي المباشر وغير المباشر.

خامسا -اتخاذ إجراءات تخفيض الدعم على الطاقة ومشتقات البترول على الشرائح، حتى أصبحت قيمتها 334 مليار جنيه خلال العام المالي الحالي 2018/2019.

سادسا -اتخاذ إجراءات زيادة إيرادات الدولة في الموازنة العامة. وذلك من خلال زيادة الحصيلة الضريبية، لتصبح 727 مليار جنيه، خلال العام الحالي، بزيادة قدرها 18% عن السنة المالية الماضية، وطرح نسب من 23 شركة من شركات قطاع الأعمال العام، لتحصيل 10 مليار جنيه.

سابعا -القيام بتحفيز الاقتصاد من خلال مجموعة من المشروعات الكبرى، ومشروعات البنية التحتية، التي أدت إلى جذب الاستثمار، وتخفيض معدلات البطالة .

وبعد مضي قرابة عامين من بداية تطبيق برنامج الإصلاح الاقتصادي، تم رصد نتائجه ،وفقا لمعايير الأداء الكمي، وأيض ا عبر آراء خبراء ومؤسسات التقييم الدولية، وذلك في ضوء السياسات المالية، والإصلاحات الهيكلية التي اتبعتها مصر في هذا المسار، والتي يمكن تحديدها فيما يلي:

أولا-تحرير سعر الصرف: حيث قام البنك المركزي المصري بتحرير سعر الصرف في نوفمبر/تشرين الثاني 2016، وهو ما أفقد الجنيه المصري نصف قيمته تقريباا. وترتب على ذلك تعزيز القدرة التنافسية في مجال الجذب السياحي والمنافسة السعرية لسلع التصدير. وزيادة تدفق تحويلات العاملين في الخارج. كما تم القضاء على ظاهرة “الدولرة”، واختفاء السوق السوداء للعملة الأجنبية تمام اا، كما تم إلغاء معظم سقوف الإيداع والسحب والصرف والتحويل للداخل والخارج، وتنشيط وتيسير إجراءات الستيراد.

ثانيا-تبني سياسات نقدية تقييدية: فنظر اا لرتفاع معدل التضخم، عقب تحرير سعر الصرف، والذي بلغ 33%، اتجه البنك المركزي إلى رفع الفائدة بنحو 700 نقطة أساس، الأمر الذي أدى إلى خفض معدل التضخم إلى 17.1% في يناير/ كانون الثاني 2018، وإلى 13.4% في فبراير/شباط، وصول إلى 13% خلال مارس/آذار الماضي.

ثالثا-خفض عجز الموازنة: بنا اء على أداء فعاليات البرنامج القتصادي، فإنه من المتوقع أن تبلغ نسبة عجز الموازنة من إجمالي الناتج القومي للعام المالي الحالي نحو 9.8%، وهو رقم أعلى من المستهدف، الذي سبق تقديره في البرنامج، وهو 9%.

رابعا-تحقيق معدل نمو اقتصادي مرتفع: نجح برنامج الإصلاح القتصادي في تحقيق معدل نمو تجاوز المعدل المستهدف، وهو 5.4% للعام المالي الجاري ،لذلك رفعت الحكومة تقديراتها لمعدل نمو السنة المالية القادمة ليكون 5.8% بدل ا من 5.5 ٪.

خامسا-بناء احتياطي نقدي آمن: كان من النتائج المباشرة لبرنامج الإصلاح القتصادي، ارتفاع الحتياطي النقدي لدى البنك المركزي، إلى مستوى قياسي غير مسبوق، متجاو ازا الـ 44.1 مليار دولر مع نهاية مايو/أيار 2018. بالمقارنة بنحو 31.1 مليار دولر في أبريل/نيسان 2017. إلى جانب أنه يغطي احتياجات الستيراد لمدة 9 أشهر، فهو أيض اا رفع مستوى الثقة في قدرة وإمكانيات القتصاد المصري، وساعد على زيادة الطلب على صفقات المبادلة الآجلة بين الدولر وأوراق الدين الحكومي، التي قدرت بنحو 23 مليار دولر في نهاية مارس/آذار الماضي.

سادسا: نمو الستثمار الأجنبي المباشر: حيث ارتفعت قيمة الستثمارات الأجنبية المباشرة في العام الأول من برنامج الإصلاح القتصادي، بمعدل 14 % لتسجل 7.9 مليار دولر، مقابل 6.9 مليار دولر في عام 2015/2016. ولم يرتفع معدل الستثمار الأجنبي المباشر بالقدر المتوقع. حيث ارتفع خلال النصف الأول من العام الحالي بمقدار 3.8 مليار دولر فقط، بينما ارتفع في نفس الفترة من العام الماضي بـ 4.3 مليار دولر، بتراجع نسبة 11.6%، في الوقت الذي يقدر البرنامج والخطة القتصادية تحقيق 10 مليار دولر في نهاية يونيو/حزيران 2018.

سابعا-خفض العجز في الحساب الجاري: من المتوقع انخفاض عجز الحساب الجاري إلى 4% من إجمالي الناتج المحلى في العام المالي الحالي، مقابل 6.5% في العام السابق، على أن يصل النخفاض إلى 2.2% في نهاية برنامج الإصلاح القتصادي.

ثامنا-ضبط الدين الحكومي العام: من المتوقع أن يبدأ الدين الحكومي العام في النخفاض النسبي التدريجي، وصول إلى 87% من الناتج المحلي الإجمالي. وتستهدف الحكومة المصرية خفض معدل الدين، ليتراوح بين 80 و85 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي بنهاية عام 2020.

تاسعا-تحقيق تحسن في إيرادات السياحة: إذ بدأت السياحة تسترد عافيتها محققة 3.8 مليار دولر في النصف الأول من العام الحالي. كما ارتفعت تحويلات المصريين في الخارج، حيث حققت في النصف الأول من هذا العام 13.1 مليار دولر مقارنة ب 10.1 مليار دولر خلال نفس الفترة من العام السابق.

وبناء على تقارير عدد من المؤسسات المالية والتنموية الدولية التي وصفت القتصاد المصري بأنه آمن، فإن أهم المؤشرات الراصدة للاقتصاد المصري، خلال السنة المالية الحالية، تكمن في الآتي:

أولا -نمو الناتج المحلي الإجمالي: حيث ارتفع معدل نمو الناتج المحلي ليصل إلى 5.4% في الربع الرابع من العام المالي 2017/2018، مقارنة بـ 5% عن العام المالي السابق له، فيما شكلت نسبة الاستثمار وصافي الصادرات 76% من النمو، عن الربع الرابع من العام المنتهي، لتبلغ نسبتها عن العام ذاته 74%.

في حين سجل معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي نسبة 5.3% عن العام المالي 2017/2018 مقارنة بنسبة 4.2% عن العام 2016/2017. فقد زاد حجم الاستثمارات الكلية خلال العام المالي الماضي لتصل إلى 747 مليار جنيه، بما يعادل 41.7 مليار دولار، بنسبة %41 .

ثانيا -معدلات النمو القطاعية: حيث استطاعت كافة القطاعات تحقيق معدلات موجبة في الربع الرابع من العام المالي المنتهي 2017/2018، وكذلك على مستوي العام، لتكون بذلك قد استطاعت جميعها تحقيق نمو موجب للمرة الأولي منذ عشرة سنوات، حيث ارتفع قطاع قناة السويس ليبلغ نسبة الـ 10.7% عن الربع الرابع من العام المالي المنتهي 2017/2018، ونسبة 10.2% عن العام ككل، تلاه قطاع التشييد والبناء بنسبة 9.1% عن الربع الرابع، ونسبة 9.5% عن العام ذاته.

كما ارتفع قطاع الاتصالات ليصل إلى 9% عن الربع الأخير من العام المالي 2017/2018، ونسبة 9.4% على مستوي العام ليبلغ القطاع الخاص بالاستخراجات نسبة 8.5% عن الربع الرابع من العام 2017/2018، ونسبة 8.6% عن العام ذاته.

وتشير التقارير إلى أن حوالي 76% من الُمُساهمة في نمو الناتج المحلي خلال الربع الرابع من العام المالي 2017/2018 تأتي من قطاعات الاستخراجات بنسبة 17.6%، والتشييد والبناء بنسبة 10.9%، والصناعات التحويلية بنسبة 9.9%، إلى جانب قطاع تجارة الجملة والتجزئة بنسبة 8.7%، تلاه قطاع الأنشطة العقارية بنسبة 7.4%، والزراعية بنسبة %6.3 .

وعلى مستوي العام المالي المنتهي، فقد حققت القطاعات ذاتها نسبة مساهمة في نمو الناتج المحلي بنسبة 77%، ليسجل قطاع الاستخراجات 15.8%، يليه قطاع الصناعات التحويلية بـ 12.2%، والتشييد والبناء بنسبة 10.3%، كما سجل قطاع تجارة التجزئة والجملة نسبة 9.6%، والأنشطة العقارية بنسبة 7%، وقطاع الزراعة بنسبة 6.8%.

ثالثا -تحسين بيئة الأعمال: شهدت بيئة الأعمال ارتفاعا في نمو المتوسط السنوي لمؤشر مديري المشتريات، ليقترب من 50 نقطة خلال العام المالي 2017/2018، بما يعكس التأثير الإيجابي للإصلاحات الاقتصادية على نمو الأعمال وحركة التصدير، مقارنة بمتوسط 45.6 نقطة خلال العام المالي 2016/،2017 بنسبة ارتفاع بلغت حوالي 8%.

رابعا -نمو الصادرات: لقد بلغ التطور في معدل نمو الصادرات غير البترولية نسبة 12.3%، لتسجل قيمة تلك الصادرات 24.1 مليار دولار عن العام 2017/،2018 مقارنة بـ 21.3 مليار دولار في العام 2016/2017.

وعلى نطاق معدل نمو الصادرات حسب القطاعات الرئيسة، فقد استطاع قطاع الصادرات الكيميائية تحقيق أعلى ُمُعدل نمو بنسبة 29%، يليها الملابس والمنسوجات بنسبة 13%، ثم الصناعات الهندسية بنسبة 11%، وذلك خلال العام المالي 2017/2018 مقارن ة بعام 2016/2017.

إن تحقيق عدد من المستهدفات المالية خلال العام المالي المنتهي، ومنها انخفاض عجز الموازنة الكلي لما دون 10 % للمرة الأولى منذ 10 سنوات، ساهم في تعزيز ثقة المستثمرين والمؤسسات الدولية في برنامج الإصلاح الاقتصادي، بسبب تحسّن مؤشرات الاقتصاد الكلي ،ما يؤدي الى زيادة تدفق الاستثمارات المحلية والأجنبية، وارتفاع معدلات النمو، وحجم فرص العمل المحققة.

إن نمو مؤشرات الاقتصاد المصري، خلال العام الجاري، انعكست بشكلٍ رئيس في توليد فرص عمل جديدة، حيث تراجعت معدلات البطالة لتصل إلى 10.4%، وزيادة حجم الاستثمارات، والاكتفاء الذاتي من الغاز الطبيعي، وتنوع مصادر الطاقة، وتحقيق فائض للتصدير، بالإضافة إلى تحسن التصنيف الائتماني لمصر ليصبح BB مع نظرة مستقبلية إيجابية.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *