الرئيسية / مقالات / التحرّك باتجاه السلْم ومعيقات دمج العناصر المقاتلة

التحرّك باتجاه السلْم ومعيقات دمج العناصر المقاتلة

محمد حلاق الجرفالتحرّك باتجاه السلْم ومعيقات دمج العناصر المقاتلة

محمد حلاّق الجرف

تمهيد

تُحاول هذه الورقة تسليط الضوء على المعيقات التي تحدّ عملية إعادة إدماج العناصر المقاتلة في سوريا، ضمن الجيش النّظامي، فبدأت بالتّمييز بين نظامي الحكم الاستبدادي والشّمولي لتقول إنّ المجتمعات الخاضعة إلى النّظم الشّمولية هي أكثر قابلية للتحوّل إلى العنف المسلّح عند حدوث الاضطربات. ثمّ ميّزت بين تعريفين للإرهاب، وتبنّت التّعريف الذي يعتبر أنّ الإرهاب هو “كلّ عنفٍ يستهدف المدنيين لأغراض سياسية”، والغاية من تبنّي هذا التّعريف هي وضع الجيش النّظامي والميليشيات الخاضعة لإدارته ضمن الفئة المستهدفة ببرامج إعادة الدّمج DDR، باعتبار أنّه تحوّل إلى مؤسّسة مافيوية.

في هذه الورقة اعتبرنا أنّ هناك عوامل عدّة يجب أخذها بعين الاعتبار عند مناقشة آليات تحوّل الفصائل من العمل المسلّح إلى العمل السّياسي، وركزنا على العوامل السّلوكية والايديولوجية والكاريزمية. كما اعتبرت الورقة أنّ مبادرة كبرى من النّظام هي ما سينقذ البلاد من الحرب الطاحنة التي تدور، مع إدراكنا أنّ النّظام لا يعير هذا الأمر أدنى اهتمام.

وفي النهاية، خلصت الورقة إلى أنّ الحلّ الأمثل للبدء بالسّلام واستدامته هو رعاية أممية لإنشاء جيش جديد مع ترافق ذلك ببرامج إعادة تأهيل ودمج للمقاتلين. لأنّ وقف الحرب قد لا يعني توقف العنف، بل يجب أن تترافق العملية مع كتابة دستور يعبّر عن مصلحة السّوريين، ويؤمّن حقوقهم المدنية والسياسية، وكذلك الشروع بإجراءات العدالة الانتقالية لقطع الطريق على الانتقام، وتحسين موارد الرّزق، وتغيّير كبير على مستوى مناهج التّعليم والإعلام، وتقليل خطاب الكراهية، وإعطاء ضمانات للتّشاركية السّياسية وإرساء دعائم السّلام في سوريا.

مدخل​

يمكننا التّمييز بين نمط الحكم الاستبدادي وبين نمط الحكم الشّمولي، ففي نظام الحكم الشّمولي لا مجال للحياة السّياسة، أو للجمعيات المدنيّة، أو لأنشطة النّقابات المهنية، أو أي مظهر من مظاهر العمل التّطوعيّ والجمعيّ. وبهذا المعنى، يُصادر الحكم الشّمولي كلّ الحقوق المدنية والسّياسية للمجتمع، ممّا يترك المجتمع مهمّشاً، وبلا أي مجال للسّياسية. لذا عندما تسنح أيّ فرصة للثورة على هكذا نظام استبدادٍ شّمولي فإنّها ستترافق على الأغلب مع مظاهر عنفٍ مضادٍ من قبل الجماهير. وببعض التّحليل يمكن استنتاج أنّ عنف النّظام السّوري اتجاه المتظاهرين العزّل هو ما دفع بعض القوى والأفراد إلى حمل السّلاح، بحجة الدّفاع عن التّظاهرات بدايةً، ثمّ تحوّل العنف بنظر الكثيرين من معارضي النّظام من «مسألة اضطرارية» إلى «قضية أيديولوجية» لا يسقط النّظام إلاّ به.

التّأكيد على هذه النقطة، أيّ عنف النّظام، لا بدّ منه قبل الانتقال إلى جوهر الموضوع، للقول أنّ تعريف الإرهاب لا يجب أن يقتصر على التّنظيمات الخارجة عن سيطرة الدّولة، بل يجب أن يشمل كلّ «عمل عنفٍ يستهدف المدنيين لأغراض سياسية» بغضّ النّظر عن هوية الفاعل أو الضحيّة.

هذا التّمييز الأخلاقي ضروري لفهم تحوّل القوات المسلّحة النّظامية ومؤسّستي الجيش والأمن إلى نمطٍ ميليشياوي مؤسّسٍ على قانون مافيويّ. وبالتّالي عند التحدّث عن وقف الحرب، وعند البحث عن آلية تحوّل الفصائل المسلّحة إلى النّشاط السّياسي السّلمي، فيجب أن يشمل الحديث أيضاً فصائل وميليشيات رسمية وموالية، إضافةَ إلى الفصائل المعارضة بطبيعة الحال.

1.هل تقود المراجعات الأيديولوجية إلى تغيير في خطاب الجماعات المسلّحة في سوريا؟

تتحدّث بعض الأرقام عن 1250 فصيل مسلّح قامت في سوريا بعد عسكرة الثّورة فيها، بقي منها الآن ما يقارب المائتين، هذه أرقام تقريبية غير دقيقة. إذاً هناك بحدود ألف فصيل انتهت بهم الحال، إمّا إلى الغياب الكامل، أو الاندماج مع فصائل أكبر، أو الانتقال من طرفٍ إلى طرفٍ آخر. وكل هذه التّغيرات حدثت بفعل الهزائم العسكرية أو الانشقاقات. ولكن أيّ منها لم ينتقل إلى العمل السّياسي. هذه ملاحظة أولى إذاً: الفصائل المسلّحة في سوريا التي خضعت للتحوّل في شكلها أو سلوكها، لم تنتقل إلى العمل السّياسي اللاعنفيّ، وإنمّا تحوّلت إلى شكلٍ وسلوكٍ عسكريّ آخر، أو اندثرت.

إذاً، فإنّ القمع والعنف والتّهميش على مدار عقود خلق البيئة الملائمة للعمل العسكري الجهادي المسلّح، وأضحت الثّورة الفرصة المناسبة لنشر أفكار الحركات السّلفية في سوريا.

يمكن تصنيف الحركات السّلفية تحت ثلاثة أقسام رئيسة: سلفية علمية تهتم بالدّعوة فقط، وسلفية حركية تعتمد على العمل السّياسي، وسلفية جهادية تعتمد على العمل المسلّح. وطبعاً هذا التّقسيم يكاد يكون هلامياً، وغير صارم، إذا ما أردنا تطبيقه على السّلفيات السورية. فمثلاً، “هيئة الشّام الإسلامية” هي هيئةٌ سلفية حركية، وهي لم تشارك في أيّ عمل عسكري، ولكنّ علاقتها وثيقة مع “جيش الإسلام”، كما أنّها تُعتبر مرجعية ل”هيئة تحرير الشّام” التي تقودها “جبهة النّصرة.” أيضاً نستطيع القول إنّ “فيلق الشّام” هو «جناح» الإخوان المسلمين العسكريّ، وهو حالياً من الأكثر تأثيراً بفعل الدّعم الذي يتلقاه من تركيا، وأيضاً بسبب انحسار باقي الفصائل، رغم أنّ الإخوان المسلمين يُصنّفون تحت السلفية العلمية التي تهتم بالدّعوة فقط. “النّصرة” مثال آخر، فهي سلفية جهادية تعتبر أنّ العنف هو الأداة الوحيدة لإقامة الإمارة الإسلامية، لكنّ علاقتها برموز الثّورة تبدلت نتيجة لتغيّر الظروف المحلية والدّولية وباتت ترفع علم الثّورة. الملاحظة الثّانية هي: أنّ المراجعات الضرورية لنزع الشّرعية عن العنف السّياسي، كانت مراجعات براغماتية لا أيديولوجية، وبالتالي بقي خطاب هذه المراجعات يعتمد المعادلة الصّفرية في صراعه مع خصومه، فحدث بعض التّغير في السّلوك دون أي تغيير في الخطاب تقريباً، وهو ما أفقد المراجعات أيّ معنى حقيقي لها باتجاه التحوّل للعمل السّلمي.

2. هل من قيادات كاريزمية في سوريا؟

تلعب القيادات الكاريزمية دوراً كبيراً في تغيّر المزاج العام في الكثير من الصّراعات، والأمثلة أكثر من أن نحصيها. لكنّ المثال السوري أكثر تعقيداً. فمن جهة النّظام، يستطيع أي قرار سياسيّ بوقف الحرب أن يُخضع الجيش النّظامي وميليشيات تحت إشرافه للقرار. لكن تبقى الميليشيات الأجنبية التي أتت لنصرة النّظام، مثل «حزب الله » اللبناني، وفصائل شيعية تتبع لإيران بشكل أساسيّ. خروج الحزب وهذه الفصائل من سوريا يتطلّب مفاوضات وجلسات كثيرة بين الرّوس والإيرانيين والأمريكان، والوصول إلى نتيجة من هذا الأمر ليست بالسّهولة التي نتوقعها، وهي لن تخضع إلاّ لكلمة قائدها في الضّاحية الجنوبية في بيروت أو في طهران.

على صعيد المعارضة، أفرزت الحرب أمرائها بالطبع، ولكنّها لم تفرز شخصيات كاريزمية تستطيع أن تؤثر على قطاعات واسعة من جمهور المعارضة، بل بقي تأثيرها محدوداً ضمن فصائلها. لذلك، فإنّ العمل على تحويل الجماعات المسلّحة إلى العمل السّلمي يتطلّب الدخول في نقاشات وحوارات، قد يكون معظمها فقهياً، مع قادة كل فصيل على حدة. الملاحظة الثالثة هنا، هي أنّ غياب القيادة الكاريزمية، أو انحصارها في محيطٍ ضيّق، سيجعل عملية التحوّل إلى العمل السّلمي أكثر صعوبة. خصوصاً في ظلّ عدم ارتباط الفصائل العسكرية بقيادة سياسية تُعبّر عنها. إضافة إلى أنّ العمل العسكري أصبح هو مصدر الرزق الوحيد لكثير من مقاتلي الفصائل، وعملية إدماجهم في الحياة المدنية تتطلّب توفير مصادر دخل بديلة، وتأهيل نفسيّ واجتماعيّ كبيرين.

3. البدء بالسّلام واستدامته

بالإضافة إلى الأبعاد السّلوكية والأيديولوجية والكاريزمية، يستلزم التّحول إلى النّشاط السّياسي اللاعنفيّ بعداً تنظيمياً يقوم بتفكيك «هياكل السّيطرة وأطرها ». أي نزع سلاح المقاتلين، وتسريحهم، وإعادة دمجهم في المجتمع المدني، أو ما يعرف اختصاراً بال DDR . وهو يستهدف أساساً إدامة السّلام لا مجرّد البدء به، من خلال إعادة هيكلة وإصلاح المؤسّسات الأمنية والوزارات الرّئيسة. أي أنّ الاستدامة تتطلّب التّغيير على المستوى الكلّي: إصلاحات سياسية تبدأ بالعقد الاجتماعي، ونقاش شكل الدّولة، وكيفية تنظيم الانتخابات، والبدء بإجراءات العدالة الانتقالية، وتغيير كبير على مستوى مناهج التّعليم والإعلام، وتقليل خطاب الكراهية، وإعطاء ضمانات للتّشاركية السّياسية، والسّماح بالنّشاط المدني. وهذه كلّها بيد النّظام!. إذاً: النّظام هو من يملك مبادرة الحلّ، وهو إذا لم يستشعر ضرورة هذه المبادرة فلن يقوم بها. وفعلياً، فإنّ تاريخ الصّراعات والثورات، بدءاً من جنوب وغرب أوروبا في بداية السّبعينيات من القرن الماضي، وحتّى تونس ومصر في بداية الرّبيع العربي. كلّ هذه الصراعات لم تجد طريقها إلى الحلّ إلاّ عندما قام النّظام الحاكم بمبادرة كبرى لقيت تجاوباً من معارضيه. بينما تعنّت الأنظمة في بقية البلدان التي تعاني من صراعات أدام هذه الصّراعات. الملاحظة هنا هي كما كان النّظام السّوري المتسبّب الأوّل في تصعيد العنف واستمراره، فإنّ أي حلّ لوقف الحرب وبداية السّلام يجب أن يبدأ من عنده، وهذا ما لن يكون إلاّ إذا أحسّ النّظام بضرورة ذلك، وإذا قدّم مصلحة البلد على مصلحته، وهو ما لا يبدو وارداً في ذهنه أبداً. من هنا يبدو التحوّل من الحرب إلى السّلم صعباً في سوريا بعد أن تأخر الحسم العسكري كثيراً.

4. هل من سيناريوهات؟

قد يكون الحلّ في إعادة دمج مقاتلي الفصائل في الجيش النّظامي، أو إعادة إنشاء جيش وطنيّ جديد، أو أن تعمل هذه الفصائل كقوات شرطة في المناطق التي تسيطر عليها.

السيناريو الأول سيكون صعباً، لأنّ الحساسيات كبيرة بين مقاتلي الفصائل ومؤسّسة الجيش، وهي بالطبع مؤسّسة غير وطنية، بمعنى أنّها لم تعمل لخدمة الوطن، بل بقيت رهينة توجهات النّظام الحاكم. هذه الحساسيات ستجعل من الفصائل جزراً منفصلة قادرة على الانشقاق، أو التّهديد به في أي لحظة، وتحت أي ظرف، خصوصاً أنّ ولاء الفصائل أصبح مرتهناً لمصالح وأيديولوجيات دول أخرى، تستطيع أن تلعب في هذه الورقة. الأمر يبدو مشابهاً في حال تمّ اعتماد الفصائل المسلّحة كقوات شرطة في مناطق سيطرتها، لكنّ هذا يهدّد بجعل هذه المناطق بمثابة مناطق حكم ذاتيّ منفصلة عن المركز، وبؤر لتقسيم سوريا. والمثال الواضح هنا هو شمال سوريا حيث استطاع حزب الاتحاد الدّيمقراطي PYD تنظيم هذه المناطق وإخضاعها لسيطرته وإدارتها بشكلٍ مستقل عن المركز في دمشق، وأصبح الحديث عن تفاوض واتفاق بين المركز وأحد الأقاليم التّابعة له يُشبه الحديث عن تفاوض ومعاهدة بين دولتين.

الخلاصة

يحاول النّظام، ومنذ عام 2016 ، إعادة دمج الفصائل العسكرية المقاتلة ضمن الجيش النّظامي. وهو اعتمد في
ذلك على عقد مصالحات مناطقية منفصلة عن بعضها، وغالباً ما كانت تتمّ بعد حصار طويل لمناطق سيطرة المعارضة، ثمّ القيام بتشديد هذا الحصار قبل توجيه ضربة قاضية تُخضع مقاتلي ومدنيي المنطقة المحاصرة إلى سيطرته بطريقة مُذلة. يستتبع ذلك إجبار المقاتليين إمّا إلى تهجيرهم مع عائلاتهم، أو سوقهم إلى الجيش، من دون القيام بعملية إعادة تأهيل، أو مراعاة حساسيتهم ممن كانوا أعدائهم.

بالمقابل، فإنّ معظم مقاتلي المعارضة هم مجرّد مدنيين حملوا السّلاح، من دون أدنى تدريب، ولم يتشرّبوا معاني الانضباط العسكري. لذلك فإنّ دمجهم مباشرة في القوات المسلّحة سيشكّل عبئاً إضافياً على جيشٍ منهكٍ يفتقد المهنية في استثمار العامل البشريّ وإعادة تأهيله، لذلك لا يمكن التّعويل كثيراً على ولاء وانضباط مقاتلي المعارضة السّابقين.

الحل الأمثل هو في إنشاء جيش وطنيّ جديد، ولكن ذلك يتطلّب وجود دولة موحدّة وقوية، وبناء مؤسّسات فاعلة كي يتمكّن هذا الجيش الجديد من جمع الفصائل تحت إمرته ولو بالقوّة إن لزم الأمر. ففي ظلّ وجود دولة قوية يستطيع الفرد أن يحدّد هويته ويجد حمايته. وغياب الدّولة يعني أن يبحث الفرد عن هوية تحت وطنية، وأن يلجأ لمن يؤمّن له هذه الحماية.

إنّ وقف الحرب قد لا يعني توقف العنف، بل يجب أن تترافق العملية مع كتابة دستور يعبّر عن مصلحة، ويؤمّن حقوق السّوريين المدنية والسياسية، وكذلك الشروع بإجراءات العدالة الانتقالية لقطع الطريق على الانتقام،
وتحسين موارد الرّزق، وإرساء دعائم السّلام في سوريا.

إن البدء بعملية التحوّل إلى العمل السّلمي أمرٌ مهم ولا شكّ، ولكنّ استدامته هو ما ينبغي الحرص عليه، وهذا الأمر يتطلب الوصول إلى اتفاقية سلام شاملة لا مجرّد مصالحة منفردة، وفي ظلّ أجواء انعدام الثقة فإنّ الأمر قد يتطلّب إشرافاً أممياً، مع تأمين برامج جدية لإعادة التّأهيل والدّمج قة في المجتمع.

المصدر: العدد الثالث من مجلة ملفات أسبار الشهرية التي يصدرها مركز أسبار للدراسات والبحوث بمدينة دوسلدورف الألمانية

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *