الرئيسية / مقالات / الانعطافة التاريخية الكبرى في السعودية ومواجهة الضغوط الداخلية والخارجية

الانعطافة التاريخية الكبرى في السعودية ومواجهة الضغوط الداخلية والخارجية

حسام ميروالانعطافة التاريخية الكبرى في السعودية ومواجهة الضغوط الداخلية والخارجية

حسام ميرو

مقدمة

منذ أن عصفت رياح التغيير بالمنطقة قبل سنوات، وأنهت مفاعيل النظام الإقليمي القديم، وضربت مرتكزاته العميقة، واجهت المملكة العربية السعودية تحديات كثيرة، يمكن وصفها بأنها تحديات مركّبة، وهي مزيج من تحديّات داخلية وخارجية، بعضها له جذور تاريخية في تاريخ تأسيس المملكة، وشكل الحكم فيها، وطبيعة العقد الاجتماعي المؤسس لبزوغها، كما واجهت مفاعيل تغيّر النظام الدولي نفسه، وإعادة الولايات المتحدة الأمريكية لحساباتها الاستراتيجية، ومن بينها التحالف مع السعودية، وهي الحليف الاستراتيجي للمملكة، منذ اتفاق كوينسي (Quincy pact) في عام 1945 ، بين الملك عبد العزيز آل سعود، مؤسس المملكة، وبين الرئيس الأمريكي الأسبق فرانكلين روزفلت، ومدته 60 عاماً.

ليس من السهولة بمكان أن تقوم السعودية بنقلات عديدة، بعضها دراماتيكي، من أجل التكيّف مع المتغيرات الإقليمية والدولية الجديدة، خصوصاً أن هذه المتغيّرات كان من شأنها أن تسمح للاعب الإيراني بمدّ نفوذه في بلدين عربيين (سوريا، واليمن) وتهديد أمن الخليج، في ظل انكفاء أمريكي، في عهد الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما، وهو ما عنى، بالنسبة للمملكة، ضرورة بناء حسابات جديدة، واتخاذ خطوات منفردة.

ثمة مسألة جوهرية، تضاف إلى جملة التحديات، وهي مسألة بنيوية، تتعلق بتحولات الحكم في السعودية، وانتقال الحكم من الجيل الثاني إلى الجيل الثالث، بكل ما تتطلبه عملية الانتقال من عمليات وإجراءات سياسية وقانونية، من أجل ضمان انتقال أقل كلفة، وأكثر ديمومة.

العقد الاجتماعي وجدلية الدين والسياسة

في مساحة جغرافية واسعة، تبلغ أكثر من مليوني كيلو متر مربع، وتضم أكثر من 75 قبيلة، نشأت الدولة السعودية، انطلاقاً من جدلية تجمع في قطبيها الدين والسياسة، ونظراً للحاجة الماسّة إلى توليد قيم جامعة، توحّد ما بين القبائل، وتتجاوز العصبيات القبلية، فقد كان الدين هو الغراء اللاصق، الذي تمكّن من خلاله مؤسس المملكة، عبد العزيز آل سعود، أن يضمن ولاء القبائل، وأن يجعل من القيم الدينية مرجعية الحكم، وبهذا الصدد قال مؤسس المملكة » لقد تأسس الحكم في هذه الصحراء الشاسعة بفضل تأثير التعاليم الدينية، والتي مكنتنا من وضع قبائل الصحراء تحت سيطرتنا».

ولقد استمر العقد الاجتماعي في السعودية كضامن للحكم، ولمصالح عدد من الفئات الاجتماعية (العوائل الكبرى، طبقة رجال الدين، زعماء العشائر)، ولعب النفط، كعامل ريعي أساسي، في تلبية مصالح جميع الأطراف، وفي ضبط التحوّلات ضمن المجتمع السعودي، بما يضمن استمرار الحكم الملكي، عبر ضمان ولاء الفئات الفاعلة والمؤثرة في المجتمع السعودي.

وفي لحظات تاريخية عدة من تاريخ المملكة والمنطقة، لعب العقد الاجتماعي دور الضامن للحكم، فعلى سبيل المثال لا الحصر، فإنه على الرغم من المدّ الناصري الواسع في ستينيات القرن الماضي، بقيت المملكة في منأى عن ذلك المد، وتعاملت معه ببراغماتية شديدة، خصوصاً من خلال القضية الفلسطينية، وتمكنت من ضبط توجهات داخلية، متفاعلة مع المدّ الناصري، للمحافظة على آليات الحكم، ولقد لعب الدين دوراً حاسماً في مواجهة التحولات الخارجية.

لكن تحولات هائلة جرت داخل المملكة خلال العقدين الأخيرين، خصوصاً مع الوتائر المتسارعة لموجة العولمة الثالثة، وما تضمنته من إمكانات هائلة، وفرتها ثورتي التقانة والاتصالات، بالإضافة إلى الحدث العالمي المركزي في بداية الألفية الثالثة، والمتمثل باستهداف تنظيم «القاعدة » لبرجي التجارة العالميين، في سبتمبر/أيلول 2001 ، والذي وضع الإسلام السياسي تحت مجهر المكافحة العالمية للإرهاب.

لقد عرّف الدستور السعودي، الصادر في عام 1992 ، في عهد الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود، الدولة السعودية ومرجعيتها في المادة الأولى من الدستور: «المملكة العربية السعودية، دولة عربية إسلامية، ذات سيادة تامة، دينها الإسلام، ودستورها كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. ولغتها هي اللغة العربية، وعاصمتها مدينة الرياض »، كما حدد الدستور في المادة الخامسة شكل الحكم « يكون الحكم في أبناء الملك المؤسس عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود، وأبناء الأبناء، ويبايع الأصلح منهم على كتاب الله تعالى وسنة رسوله…. إلخ «، ومنذ تأسيس المملكة، وللمرة الأولى في تاريخها، تواجه المملكة حالة انتقال الحكم من الأبناء إلى أبناء الأبناء، الذين يعرفون بأنهم الجيل الثالث، كما أن المملكة، وللمرة الأولى أيضاً في تاريخها، تواجه عملية تحوّل في تقنين الاعتماد على الإسلام كمرجعية، خصوصاً مع حدوث متغيرات كبيرة في المنطقة، خلال السنوات الأخيرة، تتمثل في صعود الإسلام السياسي، خصوصاً الإسلام الجهادي.

إن منظومة الولاء والطاعة في المملكة، تخضع الآن إلى إعادة تعريف في المكونات والمصالح، وتخفي عملية التعريف عدداً من الصراعات، ويمكن القول إن مؤشرات عديدة أفصحت عن تلك الصراعات، من بينها إجراءات مكافحة الفساد، التي طالت شخصيات نافذة في المملكة، ومنها شخصيات ذات تأثير عالمي، بالإضافة إلى إعادة هيكلة مؤسسات حسّاسة، مثل وزارتي الداخلية والدفاع.

الليبراليون وخيار التحديث

شكّل انفتاح المملكة الاقتصادي، وما واكبه من مشاريع للشركات الأجنبية الكبرى داخل السعودية، المواجهة الأكبر بين المجتمع المحلي والغرب، لكن أثر هذا اللقاء بين التقليد والحداثة بقي محدوداً لعقود، خصوصاً مع محدودية دوائر العمل المشترك، مثل قطاعات النفط والبتروكيماويات والإنشاءات، وفي أطر لا تتجاوز نخب محدودة من السعوديين، وبقيت لغة المصالح لا الأفكار هي السائدة والحاكمة للعلاقة بين السعوديين والخبراء الأجانب ومديري الشركات، لكن العلاقة مع الغرب، ستأخذ حيزاً أكبر مع إطلاق «برنامج الابتعاث »، في عام 2005 ، في عهد الملك عبد الله بن عبد العزي، والذي تشرف عليه وزارة التعليم العالي، وكان مقرراً له أن يستمر لمدة خمس سنوات، لكنه ما زال مستمراً حتى الآن، ويقدّر عدد المبتعثين بحوالي 115 ألف مبتعث ومبتعثة.

الحاجة إلى الانفتاح على الغرب من قبل صانع القرار السعودي جاءت في سياقات داخلية وخارجية، فمواجهة التيار الديني، وخصوصاً التيار السلفي، تتطلب إحداث نقلة في جيل الشباب السعودي، ضمن إطار التوجهات العامة لصانع القرار نفسه، فقد واجهت المملكة بعد أحداث سبتمبر/ أيلول 2001 اتهامات تخص توجهاتها الدينية، ومناهجها التربوية، فمن بين 19 منفذاً للهجمات، كان هناك 15 سعودياً.

اتخذت المملكة خطوات عديدة من أجل ترتيب قوى النفوذ في داخلها، وهو ما سمح موضوعياً، ونتيجة وجود حاجة ملحة، بنشوء تيار ليبرالي، على الأقل كنقيض للتشدد الديني، وهو، من وجهة نظر صانع القرار السعودي، يمكن أن يكون ورقة ضغط ضد ممثلي الخطاب الديني المتشدد، لكن هذا التيار الليبرالي بقي ضعيفاً، نظراً لعدم تأطيره من خلال الجمعيات المدنية، لكنه يتقاطع، من حيث الاحتياجات الموضوعية للملكة، مع ضرورات التحوّل، خصوصاً خلال العامين الأخيرين، مع تولي الأمير محمد بن سلمان لولاية العهد، في 21 يونيو/ حزيران 2017 .

الخطوة الأبرز على المستوى الداخلي لولي العهد كانت إطلاق برنامج «الرؤية السعودية »2030 ، والذي تضمن، بالإضافة إلى الرؤية الاقتصادية، مسائل تتعلق بإعادة بناء الهوية الوطنية، والتأكيد على دعم الثقافة والترفيه، ومن بين الخطوات العملية، كان قرار السماح للمرأة السعودية بقيادة المرأة للسيارة، على الرغم من المعارضة الشديدة لهذا القرار من قبل رجال دين وفئات اجتماعية محافظة.

قد تبدو الخطوات التي اتخذها الأمير محمد بن سلمان، من وجهة بعض المحللين، أنها تجميلية، أو في أحسن الأحوال كحالة تحديث من الأعلى، لكن بصرف النظر عن تقييم الدافع ورائها، إلا أنها تعكس جملة من التحولات نحو تحديث المجتمع السعودي، ومحاولة تجنب الآثار الكارثية للاختناق الاجتماعي، وسيكون لها مفاعيلها المستقلة عن دوافع تبنيها، وهي في مجملها تأتي لتدعم موقف الفئات الحداثية في المجتمع السعودي، واعترافاً بتطور موقع تلك الفئات داخل المجتمع نفسه، وعدم القدرة على تجاوز مواقعها الجديدة، أو دورها في وجه التيارات الأكثر محافظة.

ما بعد الريع النفطي

من أبرز التحديّات التي تواجه السعودية هي ضرورة تقليل الاعتماد على الريع النفطي في موازنتها العامّة، فقد وصل ذلك الاعتماد في سنوات معينة إلى 90 % من الموازنة، كما في عام 2010 ، وقد تراجع إلى 63 % في الأعوام الثلاثة الأخيرة، وبقيت أسعار النفط، وما يعتري أسواق النفط عموماً من أزمات، واحدة من مشكلات التوازن بين العوائد والإنفاق في الميزانية، وقد أحدث انخفاض سعر النفط في السنوات الأخيرة عجزاً في الميزانية، خصوصاً مع تزامن انخفاض أسعار النفط مع أزمات منطقة الشرق الأوسط، والتدخل السعودي في اليمن.

منذ عام 2014 ، زاد العجز في الميزانية السعودية إلى حدّ كبير، ووصل إلى حوالي 367 مليار ريال سعودي في عام 2015 ، وهو ما أطلق إنذار خطر نحو مستقبل الريع النفطي، وضرورة تقليل الاعتماد عليه، وهو ما يعني بالضرورة اتخاذ خيارات استثمارية مختلفة عن السابق، من بينها خصخصة بعض القطاعات، والتوجه نحو مزيد من إحلال العمالة المحلية بدلاً من العمالة الوافدة، وفرض مزيد من الضرائب، وبالفعل فقد ازدادت الضريبة على الكهرباء والاتصالات، منذ أواخر عام 2017 ، في محاولة زيادة حصة الضريبة من الموازنة.

في طرح «رؤية المملكة 2030» يحتل الاقتصاد موقعاً مهماً، من حيث نقل جزء كبير من الاعتمادية على النفط إلى قطاعات أخرى، لكن هل هذا الأمر ممكن في ظل البنية التشريعية الراهنة، أو في ظل خارطة النفوذ ضمن الاقتصاد السعودي؟

إن جزءاً مهماً من ثبات منظومة الولاء والطاعة في السعودية، يعود إلى التقاليد الراسخة في توزيع الريع النفطي، وضمان مصالح عدد من الفاعلين الاجتماعيين، وتقلّص الريع النفطي، والتوجهات الاقتصادية الجديدة، ورسم خارطة ضريبية جديدة، تطال الشرائح المتوسطة، من شأنه أن يستدعي بناء منظومة ولاء وطاعة جديدة، وهو أمر قد لا يكون سهلاً، في بيئة تتفاعل فيها جملة من التحديّات.

كانت إيران على الدوام أحد أهم مهددات الأمن القومي لمنطقة الخليج العربي، وتحديداً السعودية، فالسعودية بما تمتلكه من رمزية في العالم السني، تقابلها إيران، في مستوى الرمزية، في العالم الشيعي، وقد عملت إيران، بعد تمكّن الثورة الإسلامية فيها، على استقطاب الشيعة في العالم العربي، كما في لبنان، حيث وقفت وراء تشكيل «حزب الله » اللبناني، في عام 1985 ، ودعمه ليكون رمزاً للمقاومة ضد إسرائيل، كما استثمرت في سقوط نظام صدام حسين، عبر التوافق مع واشنطن، لاستقطاب القوى السياسية العراقية، من أحزاب وشخصيات وميليشيات.

كان التهديد الإيراني لدول الخليج مضبوطاً، من خلال التحالف الاستراتيجي بين واشنطن والرياض، بالإضافة إلى التوازنات التي حكمت النظام الإقليمي، ولعبت مصر وسوريا، لأكثر من ثلاثة عقود، دوراً مهماً في توازن الخليج مع إيران، لكن التهديد الإيراني عاد بشكل أكبر إلى المنطقة مع تغيّر الاستراتيجية الأمريكية في نظرتها لخارطة مصالحها في العالم، وذلك منذ منتصف ولاية الرئيس الأمريكي ألأسبق باراك أوباما، حيث احتلّت الصين في استراتيجيته مركز الاهتمام، على حساب الشرق الأوسط، وخصوصاً على حساب المصالح السعودية.

مع الربيع العربي، وانتكاسة حركة التغيير في سوريا واليمن، وجدت إيران فرصة كبيرة، لاحتلال مواقع متقدمة في المشرق العربي، ولمدّ نفوذها من طهران إلى بيروت، عبر مساندتها للنظام السوري، ومنعه من السقوط، خصوصاً بعد تحول الحراك السوري إلى حالة صراع مسلح، كما ساندت الحوثيين في اليمن، وبذلك تكون إيران قد هددت العمق الاستراتيجي الشمالي للخليج، وهددت بشكل مباشر الأمن القومي السعودي، من خلال البوابة الجنوبية (اليمن).

دخلت السعودية في حرب مع الحوثيين في اليمن.

الخلاصة

تظهر التحديّات الداخلية والخارجية مستوىً مرتفعاً من المخاطر أمام المملكة العربية السعودية، ويمكن القول إن المرحلة الراهنة هي بداية انعطافة كبرى في الدولة السعودية، حيث تواجه البنى الصلبة حالة من التحوّل، قد تنشأ عنها صراعات اجتماعية داخلية، سيكون لها الكثير من التداعيات في حال حصولها.

ويبدو في المرحلة الراهنة أن إزمان المشكلات التاريخية يفرض نفسه بقوة، خصوصاً فيما يتعلق بالعقد الاجتماعي للسعودية، وطبيعة نظام الحكم، ما يجعل من عملية الانتقال السلس للحكم مسألة فيها الكثير من الرهان، وتتوقف على عوامل ذاتية وموضوعية عديدة، ومن أهمها سبل قيادة التحولات نفسها، من دون المخاطرة بحدوث انقسامات كبرى في المجتمع السعودي، وصراعات بين قواه وفئاته.

كما أن إحداث بدائل اقتصادية سريعة، لتجاوز مرحلة الريع النفطي، لا تبدو عملية ممكنة في الوقت الراهن، فإيجاد البدائل يتطلب إحداث نقلات على رقعة الشطرنج الداخلية، لتغيير مواقع الفاعلين الاقتصاديين، وفسح المجال أمام التيار الحداثي/ الليبرالي ليلعب دوراً أكبر، مع الأخذ بالحسبان أن مثل هذه الخطوة لا تخلو من رهان، خصوصاً فيما يتعلق بحالة الصدام المحتملة بين القوى الحداثية وبين القوى الدينية والتقليدية.

أهم المراجع

1- نجيب الريس، رياض. (1997). رياح الشمال: السعودية والخليج العربي في عالم التسعينات. بيروت. دار رياض نجيب الريس.

2- المملكة العربية السعودية في المحيط الدولي، وزارة الإعلام السعودية، 2003 .

3- لطفي. منال. الدولة السعودية وسؤال العقد الاجتماعي ما بعد النفط. موقع الأوان. 11 فبراير/ شباط 2016 .

4- Eakin, Hugh. Will Saudi Arabia Ever Change? 2013, Jan 10, 2013Issue, The new york review of books.

5- Lippman,Thomas,(author), Mar 2012, ’’Saudi Arabia on the Edge: The Uncertain Future of an American Ally’’. Potemac Books.

6- Elliott House, Karen, (author) June 2013, ’’On Saudi Arabia: Its People, Past, Religion, Fault Lines—and Future’’, Vintage.

المصدر: العدد الثالث من مجلة ملفات أسبار الشهرية التي يصدرها مركز أسبار للدراسات والبحوث بمدينة دوسلدورف الألمانية

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *