الرئيسية / مقالات / «السترات الصفراء»: هل تسقط الجمهورية الفرنسية الخامسة؟

«السترات الصفراء»: هل تسقط الجمهورية الفرنسية الخامسة؟

سعيد جاب الخير«السترات الصفراء»: هل تسقط الجمهورية الفرنسية الخامسة؟

سعيد جاب الخير

مقدمة

تشهد فرنسا منذ 17 نوفمبر/ تشرين الثاني 2018 ما يمكن اعتباره أكبر حركة احتجاجية منذ احتجاجات مايو/أيار 1968 ، التي أطاحت بالجمهورية الرابعة وسلطة الجنرال ديغول. وإذا كان الدافعع الأساسي لاحتجاجات 1968 هو «التأمرك » الذي بدا آنذاك مسيطراً على السياسة الفرنسية، فإن الدافع العميق الذي يقف وراء حركة «السترات الصفراء » هو خضوع السياسة الفرنسية للسلطة الأوروبية، هذا الخضوع الذي يدفع فاتورته يومياً المواطن الفرنسي. لكن الاحتجاج لم ينطلق هذه المرة من الجامعات والطبقة المثقفة كما في 1968 ، بل من معاناة الطبقة الوسطى ومطالب المواطنين البسطاء. فهل ستذهب هذه الحركة الى أقصى مطالبها وتتمكن من الإطاحة بالجمهورية الخامسة كما يتوقع البعض؟ أم إنها سترضى بمنطق التسوية؟

احتجاجات «السترات الصفراء » التي بدأت ضد زيادة الضرائب على الوقود، سرعان ما تحولت إلى تعبير عن الغضب من ارتفاع تكاليف المعيشة والشعور بأن حكومة ماكرون منفصلة عن صراعات العمال اليومية. كما امتدت مطالبها لتشمل إسقاط الإصلاحات الضريبية التي سنتها الحكومة والتي ترى الحركة أنها تستنزف الطبقتين العاملة والمتوسطة فيما تقوّي الطبقة الغنية. وقد دَعت الحركة في البداية إلى تخفيض قيمة الضرائب على الوقود، ورفع الحد الأدنى للأجور، ثم تطوّرت الأمور فيما بعد لتصل إلى المناداة باستقالة الرئيس ماكرون.

لعنة الوقود تفجر الشارع

أثار ارتفاع أسعار الوقود رغم انخفاض سعر البترول، حفيظة الفرنسيين ودفعهم لفتح النّقاش عبر مواقع التواصل الاجتماعي حول إمكانيّة تنظيم حركة احتجاجيّة ضد الرفع في أسعار الوقود، حيث تتهم حركة «السترات الصفراء » حكومة إدوارد فيليب بمحاولة رمي المسؤولية على المواطنين الذين يدفعون الجزء الأكبر من ضريبة الكربون وباقي المخاطر البيئية. ارتفع سعر وقود الديزل في فرنسا بنسبة 16 % في عام 2018 مع زيادة في الضرائب على كل من وقود السيارات والديزل في نفس الوقت، فضلا عن زيادة أخرى كان يُنتظر الإعلان عنها مطلع 2019 . هذه الزيادات هي التي أشعلت فتيل الاحتجاجات.

إضافة الى أسعار الوقود، وجّه المتظاهرون احتجاجهم ضدّ سياسات الحكومة التي يرون أنها تفقر الفقراء وتزيد الأغنياء غنى، فيما يرى محتجون آخرون أن التظاهر في المقام الأول هو بسبب الصعوبات الاقتصادية التي تعانيها الطبقة الفقيرة والمتوسطة جراء تدني الرواتب وارتفاع أسعار الطاقة.

خريف الغضب الفرنسي

انطلقت حركة الاحتجاجات يوم السبت 17 تشرين الثاني/نوفمبر 2018 حيث نزل أكثر من 300.000 شخص من جميع أنحاء فرنسا الى الشارع منددين بسياسات الحكومة، حيث اشتبك المتظاهرون مع قوات الأمن وحاولوا عرقلة السير من خلال قطع بعض الطرق الرئيسية في البلاد، كما منعوا معظم السيارات من الوصول الى محطات الوقود التي أقفل الكثير منها. وحسب الإحصائيات التي نشرتها وزارة الداخليّة الفرنسية وتناقلتها وسائل الإعلام، فقد بلغ عدد الجرحى قبل 21 نوفمبر/ تشرين الثاني في صفوف المدنيين 585 شخصاً، مقابل 115 من الشرطة. وقد انتقلت الاحتجاجات إلى أقاليم ما وراء البحار ولا ريونيون، مما استدعى تدخل الأمن، فيما أغلقت بعض الثانويات أبوابها بعدما حاول بعض المتظاهرين اقتحامها.

وفي 24 نوفمبر/ تشرين الثاني، عادت الاحتجاجات في باريس بعد موافقة وزارة الداخلية على السماح للمحتجين بالنزول الى الشوارع، حيث قدر عدد المشاركين بحوالي 106.000 متظاهر من جميع أنحاء فرنسا، 8000 منهم في باريس. تحوّلت الاحتجاجات السلميّة في العاصمة إلى أعمال عنف وشغب، حيث أشعل المتظاهرون النيران في بعض السيارات، ومزقوا اللافتات، كما دمروا الحواجز، وتراشقوا مع قوات الأمن التي لجأت إلى الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه لتفريق المتظاهرين، فيما أشارت الإحصائيات إلى أنّ أعمال الشغب التي وقعت في باريس
وحدها قد تُكلّف ما يصل إلى مليون ونصف المليون يورو.

الطلاب يلتحقون بالحركة

عمل المتظاهرون على منعِ حركة المرور على الطريق السريع الذي يربط مدينة مرسيليا بباريس، كما عملوا على توقيف حركة المرور شمال ليون خلال عطلة نهاية الأسبوع. وقد حدثت احتجاجات عنيفة في مارسيليا نجم عنها عدد من الجرحى. كما توفيّت سيدة جزائرية ثمانينية، بعدما أصيبت بشظايا قنابل الغاز المسيل للدموع التي أطلقتها الشرطة لتفريق المتظاهرين، وقتل متظاهر ثان، خلال عطلة نهاية الأسبوع الثالث، بسبب حادث سير مروع، خلال محاولته عبور أحد الحواجز التي نصبتها الشرطة. كما شهدت المظاهرات كذلك إحراق أكثر من 100 سيارة في باريس، وخرب المحتجون جدران قوس النصر، وقد قدّرت عمدة باريس قيمة الأضرار التي لحقت بالممتلكات بين ثلاثة وأربعة ملايين يورو.

وتزامنت حركة «السترات الصفراء » مع غضب التلاميذ والطلاب من خطط ماكرون الإصلاحية في المجال التعليمي، ما دفعهم إلى الخروج للاحتجاج ضده في جميع أنحاء فرنسا، حيث يرى الطلاب أن هذه الإصلاحات سوف تؤدي بشكل أو بآخر إلى المزيد من عدم المساواة في حق الوصول إلى التعليم العالي بين طلاب المناطق الحضرية وشبه الحضرية من جهة، وطلاب المناطق الريفية من جهة أخرى.

العدوى تنتقل الى الخارج

انتقلت عدوى السترات الصفراء إلى العاصِمة البلجيكيّة بروكسل التي شهدت مظاهرات عنيفة، تخلّلها رشق المتظاهرين لقوات الأمن بالحصى والصخور، في حين ردّت الشرطة بخراطيم المياه، واعتقلت في وقت لاحق 60 من المحتجين، بتهمة الإخلال بالنظام العام. وقد أغلق العديد من مستودعات النفط في والونيا، اعتباراً من 16 نوفمبر/ تشرين الثاني 2018 ، لا سيما بعدما حاول المحتجون منع مستودع لوك أويل الروسي في بروكسل من العمل. وتعمل الحركة الآن على تشكيل حزب سياسي للمشاركة في الانتخابات الاتحادية عام 2019 تحت اسم «حركة المواطنين البلجيكيين ». وفي بداية ديسمبر/كانون الأول، اجتمع متظاهرون ارتدوا «السترات الصفراء » في هولندا، احتجاجاً على الأوضاع
المعيشية في البلاد، ثم بلغت هذه الاحتجاجات دولة صربيا في الرابع والثامن من ديسمبر.

وفي أواخر نوفمبر/تشرين الثاني 2018 ؛ أظهرت استطلاعات الرأي ان حركة «السترات الصفراء » تحظى بتأييد واسع في فرنسا، حيثُ يؤيدها ما بين 73 % حتى 84 %.

وأشار استطلاع آخر أجري بعد الأوّل من شهر ديسمبر/ كانون الأول، إلى أن 72 % من الشعب الفرنسي يؤيد «السترات الصفراء »، فيما يعارض 85 % منهم العنف في باريس.

رسميا، نحا وزير الداخلية الفرنسي كريستوف كاستانير باللائمة على زعيمة الجبهة الوطنية مارين لوبان، منافسة ماكرون في الانتخابات الرئاسية عام ، 2017 حيث اتهمها بالحثّ على العنف، بعدما دعت المواطنين في 24 نوفمبر/ تشرين الثاني للذهاب إلى الشانزليزيه.

وعود حكومية متأخرة؟

في خطاب تلفزيوني، أعلن ماكرون رفع الحدّ الأدنى للأجور، وخفض الضرائب على أرباب المعاشات، ليقدم بذلك مزيداً من التنازلات، بهدف إنهاء الاحتجاجات، لكن كثيرين قالوا إنهم سيواصلون الضغط، لأن مطالب المحتجين تجاوزت بكثير خطاب الرئيس الذي تجاهل الحركة مدة طويلة، بل أنه خرج في وقت سابق بتصريحات جدُّ مستفزة للشارع الفرنسي.

وكانت الحكومة، وعدة نقابات، وعدد من السياسيين المعارضين، دعوا المحتجين لعدم الخروج إلى الشوارع بعد مقتل أربعة أشخاص في ستراسبورغ لدى إطلاق النار في سوق لهدايا عيد الميلاد، وبعدما وصل عدد القتلى الى 3 وعدد الموقوفين الى حوالى 2000 وأكثر من 750 جريحاً، وحدوث أضرار في العديد من المدن، بينها باريس وبوردو وتولوز.

وقد استقبلت وعود الرئيس في خطابه التلفزيوني بتحفظ شديد من جانب المحتجين، ويبدو أن مواقف الشارع الفرنسي متباينة، فبينما رأى بعضهم في وعود الرئيس «بوادر » حل، فقد اعتبروها «غير كافية » لإيقاف احتجاجات حركة لا زعيم محدداً لها، ومطالبها متنوعة ومتعددة.

هل تسقط الجمهورية الخامسة؟

في قراءة تستعيد تجربة الستينيات، رأى محللون أن حركة مايو/ أيار 1968 انطلقت في سياقٍ سياسي حرج بالنسبة إلى فرنسا الديغولية، الخارجة لتوها آنذاك من حرب الجزائر، وهي تنكمش على نفسها وتدفع تكاليف «مشروع مارشال » بالمزيد من التأمرك والاصطفاف مع المعسكر الغربي، وفي مواجهة مفتوحة مع تغوّل الأحزاب والحركات الماركسية الموالية للمعسكر الشرقي في أوساط العمال والمثقفين. لقد أحست فرنسا مرة أخرى أن استقلالها الاقتصادي صار مهدداً من الجهتين، وقد انتهت الثورة بإسقاط الجنرال ديغول. وكما أعادت ثورة مايو/أيّار 1968 الاعتبار للمهمشين والعاطلين عن العمل والمهاجرين والنساء وجعلت من هذه «الأقليات » بؤرة الفكر اليساري، ومحور النضال الحقوقي، فإن حركة «السترات الصفراء » تريد إعادة الاعتبار إلى الطبقة الوسطى والمواطن البسيط الذي لم يعد يقوى على مواجهة متطلباته المعيشية اليومية. لكنّ الجيل الذي فجر تلك الثورة، سرعان ما اندثر، وتجاوزته الأحداث، وتحول الكثير من مثقفيه من اليسار إلى اليمين، بعد سقوط جدار برلين. هذه الأيام تعيش فرنسا، بعد نصف قرن، ظروفا مشابهة تماما، احتجاجات طلابية وإضرابات عُمالية أعادت الجدل حول تلك الثورة، وعاد معها السؤال الأكبر: ماذا تبقّى من ثورة مايو/أيّار 1968 ؟

هل يمكن القول، في ظل استمرار التعبئة والضغط من طرف حركة «السترات الصفراء »، إن زمن الثورات السياسية قد ولى بغير رجعة، لكونها تقود إلى العنف والاقتتال، وأن الثورة الوحيدة التي ستكون نتائجها مضمونة هي الثورة الثقافية والفكرية التي تستهدف تغيير التصورات السائدة وتفكيك الأيديولوجيّات الرجعية التي تقيد المجتمعات؟

قراءة على خلفية الكومونة

وفي قراءة تستعيد تجربة كومونة باريس التي مضى عليها أكثر من قرن ونصف القرن، يرى محللون أن الأحداث الفرنسية الأخيرة ليست مفاجأة لمن يقرأ التاريخ بتمعن، بل إن القراءة المفتوحة على الحاضر والماضي معا، يمكن أن تساعدنا لفهم تلك الآلية التي تتحكم في عودة موجات الغضب وعودة الثورات من حيث كنا نعتقد أن زمنها انتهى، وأنها أصبحت مجرد تاريخ يُحكى للأجيال. إن حركة «السترات الصفراء » حطمت عدة أساطير جديدة، تم تأسيسها مع صعود ماكرون، الذي قدم انتصارُه على أنه ظاهرة ما بعدُ حداثية وما بعد سياسية. وقد قيل حول صعوده وانتصاره السياسي على ممثلي الأحزاب التقليدية الكبرى كلامٌ راح يُبطل التقليد السياسي، ويُشكك في الفعل السياسي، حيث رُبط ذلك بظاهرات العالم الجديد القائم على ثورة التكنولوجيات الجديدة في الاتصال.

الانعكاسات الداخلية والخارجية

من المتوقع على المدى القريب، أن تكون احتجاجات «السترات الصفراء» بمثابة مؤشر النهاية السياسية لماكرون، لأنه حتى لو تمكن الرئيس من إكمال عهدته، فهو لن يستطيع اتخاذ أية قرارات جديدة في الاتجاه الإصلاحي أو التغييري الذي بدأه. كما يتوقع أن تتخذ المركزية الأوروبية (بروكسل) بحق فرنسا، الإجراءات نفسها التي اتخذتها بحق إيطاليا، خاصة في جانب الميزانية. فالآن في ايطاليا، وبسبب ديونها المتراكمة، أصبحت قوانين الميزانية لا يتم إقرارها داخليا حتى تحظى بالموافقة الأوروبية، وذلك بسبب برنامج التقشف الذي فرضته المركزية الأوروبية على
إيطاليا.

من جانب آخر، يرى الخبراء أن الترتيبات التي اتخذها ماكرون للاستجابة لمطالب المحتجين ستكلف الخزينة الفرنسية 10 بلايين يورو، وهذا تجاوز كبير لقانون الميزانية التي أقرها البرلمان الفرنسي.

بالإضافة الى أن قانون الميزانية الفرنسي لسنة 2019 حتى لو مرّ في الغرفة السفلى التي يملك ماكرون فيها الأغلبية، فثمة شكوك كبيرة في مروره على مستوى الغرفة العليا (مجلس الشيوخ) التي لا يملك حزب ماكرون فيها الأغلبية، الأمر الذي جعله يعقد تحالفا مع قوى اليمين الفرنسي.

مطالب المحتجين تطورت الآن من مطالب قاعدية مادية، إلى مطلب الاستفتاء المنطلق من المبادرة المواطنية (الشعبية)، بمعنى المطالبة باستفتاء ينطلق من الاقتراح الشعبي، كما هو معمول به في سويسرا. ومن المرجح أن المعارضة الفرنسية في الغرفتين التشريعيتين، ستوافق على هذا المطلب في حال عرضه عليها، لأن قوى المعارضة تعمل حالياً على احتواء حركة «السترات الصفراء».

من المؤكد في المدى القريب أيضا، أن حزب ماكرون سيخسر الانتخابات الأوروبية، وحتى لو فاز ببعض المقاعد (فرنسا تملك منها 74 مقعداً) في البرلمان الأوروبي، فلن تكون له الأغلبية، حيث يُتوقع أن تكون الأغلبية لأقصى اليمين الفرنسي، أي حزب الجبهة الوطنية الذي ترأسه مارين لوبان. أما على المدى المتوسط، فيتوقع فوز اليمين الفرنسي، وبالخصوص أقصى اليمين، في الانتخابات الرئاسية المقبلة.

خلاصة

مع التصعيد والتعبئة المستمرّين، وبصرف النظر عن كونها ثورة يمين أو يسار، لا يبدو وجود مؤشرات كافية لوقف الاحتجاجات على المدى القريب. وكما أكد المحلل الاقتصادي شارل غاف، فإن أوروبا ليست أمة بل هي حضارة فحسب، ومن هنا لا ينبغي لها أن تتصرف كسلطة شمولية مهيمنة على الدول الأوروبية. فهل تخرج فرنسا من منطقة اليورو لتسترجع السيادة على شأنها الداخلي، وتخرج من سيطرة المركزية الأوروبية التي يبدو أنها لا تعمل سوى على مضاعفة غنى الأغنياء وفقر الفقراء؟ وهل صحيح أن زمن الثورات السياسية قد انتهى الى غير رجعة، أم إن حركة «السترات الصفراء » ستفاجئ العالم بما لم يكن في الحسبان؟

المصدر: العدد الثالث من مجلة ملفات أسبار الشهرية التي يصدرها مركز أسبار للدراسات والبحوث بمدينة دوسلدورف الألمانية

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *