الرئيسية / مقالات / الاستراتيجية الإسرائيلية تجاه «حزب الله» في سوريا ولبنان

الاستراتيجية الإسرائيلية تجاه «حزب الله» في سوريا ولبنان

الاستراتيجية الإسرائيلية تجاه «حزب الله» في سوريا ولبنانالاستراتيجية الإسرائيلية تجاه «حزب الله» في سوريا ولبنان

معن الموسى

تمهيد

التزمت إسرائيل بموقف الحياد النسبي تجاه الحدث السوري منذ عام 2011 ، ولم تتدخل في الشؤون السورية الداخلية بصورة مباشرة، لكنها كانت تترقب بدقة وحذر شديدين حركة شحنات الصواريخ والأسلحة والذخائر من إيران إلى «حزب الله » عبر سوريا. على إثر معلومات استخباراتية إلكترونية وبشرية، نفذ سلاح الجو الإسرائيلي، خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة، عدّة ضربات جوية، استهدفت مواقع عسكرية إيرانية وسورية، شكلت سلسلة إمدادات لوجستية إيرانية، تهدف إلى تعزيز موقف «حزب الله » القتالي داخل لبنان.

في الآونة الأخيرة، شنّت القوات الإسرائيلية في منطقة عسكرية ، أطلقت عليها اسم «درع الشمال »، بقصد تدمير أنفاق ل «حزب الله »، إلا أن الجليل بشمال إسرائيل عملية هذه العملية ما زالت في بداياتها، وبقيت داخل الأراضي الإسرائيلية، ولم تتجاوز الحدود الدولية مع لبنان حتى الان. تُثار تساؤلات عديدة من قبل المحللين العسكريين حول اهداف عملية «درع الشمالي »، من بينها فيما إذا بدأت إسرائيل برسم أهداف استراتيجية جديدة ضد «حزب الله » في لبنان وسوريا على حدٍّ سواء؟

في هذا السياق، سبق وأن صنف الاتحاد الأوروبي رسمياً الجناح العسكري ل «حزب الله » اللبناني في يوليو/ تموز من العام 2013 على أنه منظمة إرهابية، مدعومة مالياً وتسليحياً من قبل إيران، لذا وضع أوروبياً على القائمة السوداء، وكانت الولايات المتحدة قد صنفته إرهابياً.

تشير تقديرات من مصادر عالمية إلى أن «حزب الله » كان يتلقى فيما مضى بين 100 مليون و 200 مليون دولار سنوياً من إيران، ومن مصادر مالية سورية أخرى. لكنه في الآونة الأخيرة اخذ يبحث عن مصادر تمويل جديدة، نتيجة لتعرض إيران لعقوبات اقتصادية دولية قاسية، فضلاً
عن التبعات السلبية على النظام السوري جراء ما أنتجته الأوضاع السورية من أزمات.

لذلك، فقد اضطر «حزب الله » إلى تغيير جزء من سياسته، والتحوّل نحو النشاط الإرهابي وعمليات التهريب وتجارة السلاح والمخدرات وغسيل الأموال وتزوير العملات، ليتمكن من سدّ فجوة الدعم المالي، وتأسيس موارد مستقلة عن مموليه السابقين الذين يعانون من ضائقة مالية.

ما زالت القيادة الإسرائيلية تذكر التفجير الذي خلّف خمسة ضحايا إسرائيليين في «بورغاس » بجنوب بلغاريا، عام 2012 ، حيث حمّلت تل أبيب المسؤولية ل «حزب الله»، وهو ما يجعل من الحزب خطراً مباشراً في لبنان والخارج. يبدو أن الحرب الإسرائيلية ضد «حزب الله » في لبنان عام 2006 ، لم تحقق نتائجها المرجوة إسرائيلياً، بلجم طموحات «حزب الله » الإقليمية. بناءً على هذه المعطيات، بان «حزب الله » لن يمارس تهديداته لإسرائيل من جديد بعد النجاح النسبي الذي ربما لم تعد إسرائيل مقتنعة حققه ميدانياً في سوريا، وبعد توتر الموقف العسكري الأمريكي والإسرائيلي مع إيران، على خلفية الاتفاق النووي الإيراني، الذي انسحبت منه الولايات المتحدة.

القوة الصاروخية الضاربة ل «حزب الله»

اجرت كلاً من الولايات المتحدة وروسيا اتصالات مع الحكومة الإسرائيلية، خلال الأسابيع الماضية، لضبط النفس، وعدم التحوّل نحو خيار شنّ هجوم عسكري شامل، تجاه الأراضي اللبنانية او داخل سوريا، لوجود ترسانة صاروخية كبيرة لدى «حزب الله».

تقول بعض التحليلات أن التدخل الأمريكي بدعوة إسرائيل لضبط النفس تصبّ في مصلحة إسرائيل، لأن البيانات المتوفرة لدى الاستخبارات الأمريكية تقدّر قوة «حزب الله » بما يقارب من 150 ألف صاروخ، كما أن هذه الصواريخ تختلف بقوتها التدميرية ودقة الإصابة عن صواريخ قطاع غزة بدائية الصنع، وهي على سبيل الذكر لا الحصر:

• صواريخ كاتيوشا قصيرة المدى.

• صواريخ «فجر » مطورة من قبل إيران مداها 35 – 75 كيلو متراً.

• صواريخ «زلزال » صناعة إيرانية، يحمل كل صاروخ رأساً متفجراً زنته 600 كيلوغرام، ومداه يتجاوز 150 كيلومتراً.

• صواريخ ضد الطائرات والسفن، إضافة إلى طائرات من دون طيار.

يبدو أن الموقف العسكري الإسرائيلي على الحدود مع لبنان يتضمن عدة احتمالات بعد تصاعد حالة التوتر والتطورات الميدانية على الحدود اللبنانية –الإسرائيلية، خصوصاً بعد الإعلان عن انطلاق حملة بحث وتفتيش من قبل الجيش الإسرائيلي عن أنفاق تابعة ل »حزب الله».

هنالك آراء تقول إن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لم ينتصر بأية حرب رئيسية ضد «حزب الله »، وهو يدرك أن إيران تستخدم «حزب الله » كورقة رابحة وضاغطة عليه في اتجاهات مختلفة.

«سيكون الرد غير متوقع في حال كانت بداية الهجوم من قبل حزب الله »، كان هذا آخر تصريح لرئيس الوزراء الإسرائيلي، خلال جولته مع قائد اركان الجيش على الحدود الشمالية المتاخمة ل «حزب الله».

استراتيجية إسرائيلية أم حملة انتخابية جديدة؟

مضى 12 عاماً على انتهاء الحرب بين إسرائيل وحزب الله في عام 2006 ؛ وكمحاولة أخيرة من «نتنياهو » لإعادة اعتباره أمام الأوساط السياسية في إسرائيل، فإنه من المرجّح أنه قام بإشعال فتيل « الحرب الشمالية القادمة»، بسبب خسارته في حربه الأخيرة مع قطاع غزة، إضافة إلى تهم الفساد التي تلاحقه، والأزمات الداخلية الطاحنة التي يتعرض لها.

من المؤكد أن الساعة السياسية قد دقت من جديد لمصلحة نتنياهو وحكومته، بعد استفزاز قوات «حزب الله » للجيش الإسرائيلي.

ترتكز عملية (درع الشمال) على هدفين رئيسيين هما:

اولاً: محاولة استعادة قوة وهيبة الجيش الاسرائيلي، بعد أن بات الشارع الإسرائيلي يتحدث عن قوة «حزب الله » في الآونة الأخيرة، وتطور منظومته الصاروخية، وشبكة الانفاق التابعة له، والتي تتوغل في العمق الإسرائيلي، وتشكل خطراً على المدنيين والمستوطنات، وخطراً عسكرياً أيضاً على القوات المسلحة الإسرائيلية.

ثانياً: فرصة جديدة تتيح لرئيس الوزراء الإسرائيلي إمكانية إعادة تنظيم أوراقه، ورفع الضغوطات الداخلية عن كاهله، لكن معظم التحليلات تشير إلى مخاطر هذه العملية العسكرية سياسياً على رئيس الوزراء، وتصنفها كمغامرة.

الأهمية العسكرية لأنفاق «حزب الله»

تتمثل نقطة ضعف «حزب الله » العسكرية في عدم امتلاكه لقوات جويّة، كما أنه من المشكوك فيه، عسكرياً، أن تكون صواريخه، من حيث القوّة والمدى، قادرة على أهداف استراتيجية ومؤثرة للقوات الإسرائيلية، أو ضد منشآت مدنية حيوية، وبناءً عليه فإن أنفاق «حزب الله »، من الناحية اللوجستية، تمكّنه من الدخول إلى مسافات مهمة داخل إسرائيل، وجعل أسلحته وصواريخه ضمن المدى المؤثر، إذ تمتد تلك الأنفاق لعشرات الكيلومترات، وقد تمّ إنشاؤها بدقة عالية، وجاهزية متطورة ، وهي تختلف كلياً عن أنفاق «غزة » ،وتشير تقديرات بعض المختصين إلى أنها كلفت إيران نحو 4 مليارات دولار.

تحتوي أنفاق «حزب الله » على تجهيزات حديثة، وبنية استراتيجية، تمكن مقاتليه من التسلل والمناورة بكل أريحية حتى في ظل الظروف الصعبة. كل ذلك يجري من خلال فتحات تهوية جيده، وبنية صلبة، ضد الضربات والانهيارات، وشبكة بديلة في حال تدمي إحدى الفتحات
الخاصة بالأنفاق.

من المحتمل أن هذه الأنفاق تحتوي على مستودعات صغيرة لتخزين بعض الأسلحة الفردية والصاروخية وبعض المؤن الغذائية، حتى لا يجبر المقاتلون على العودة إلى المراكز الخلفية للتزود بما سلف ذكره.

دور قوات «حزب الله» في سوريا

منذ بداية الحدث السوري، وقوات حزب الله تشارك في المعارك، جنباً إلى جنب مع نظام الأسد، وبمساعدة وإشراف من «الحرس الثوري الإيراني »، ويتلقى «حزب الله » التعليمات والأوامر في عملياته العسكرية داخل لبنان أو في سوريا من قبل طهران، نظراً لما يشكله الحزب من استثمار عسكري وسياسي استراتيجي للجمهورية الإسلامية.

تعرّضت قوات «حزب الله » في سوريا سابقاً لهجمات ممنهجة ومختلفة من قبل الطيران الإسرائيلي، انطلاقاً من معلومات وبيانات استخبارية، بعضها ميداني، تفيد بنقل الحزب لذخائر وصواريخ إيرانية باتجاه الأراضي اللبنانية، ووضعها بتصرف قيادة الحزب في الضاحية الجنوبية للعاصمة اللبنانية.

الجدير بالذكر أنه في الوقت الراهن، باتت قوات «حزب الله » ومستودعاته تحت حماية المظلة الروسية، لأن قوات النظام السورية سمحت ل «حزب الله » برفع اعلام روسية، أثناء تنقلها لحمايتها من الضربات الجوية الإسرائيلية.

الخيارات التكتيكية الإسرائيلية ضد «حزب الله»

إسرائيل الآن قد تفكر بإيجاد تكتيكات جديدة لإضعاف «حزب الله » بشكل كبير وملحوظ، وتحقيق إصابات قوية ومباشرة ضد داعميه وحلفائه، لكن أي تحرك إسرائيلي كبير سيكون تجاوزاً للتوافقات بين تل أبيب وموسكو، خصوصاً بعد أن أسقطت إسرائيل أو تسبّبت بإسقاط طائرة عسكرية روسية فوق الأراضي السورية، راح ضحيتها عدد من الضباط والجنود الروس، لهذا قد لا تستطيع اسرائيل التحرك خطوة واحدة في الداخل السوري، من دون علم موسكو وموافقتها.

قد يبدو جوياً أن هذا امرٌ ممكن، لكن برياً ستكون له عواقب وخيمة على المهاجم الإسرائيلي.

من الجانب الروسي، دعت موسكو نتنياهو إلى الالتزام بالقرار 1701 الداعي إلى وقف العمليات القتالية في لبنان، والالتزام بحدود الخط الأزرق، واحترام قوات «اليونيفيل »، لذا تبدو إسرائيل مجبرة لاتباع سياسة ميدانية، لتحقيق أهدافها ضمن خطوط عريضة أهمها:

أولاً: القضاء على شعبية «حزب الله » وزعزعة شرعيته داخل لبنان.

في حال اندلاع مواجهات بين «حزب الله » وبين إسرائيل، وتعرض لبنان لضربة عسكرية، فإن «حزب الله » له أعداء متعددون داخل لبنان، وبالتالي فإن المواقف الداخلية والدولية ستكون مؤثرة على وضع الحزب وشرعيته وتواجده ضمن الحكومة.

ثانياً: حصول المزيد من العقوبات الدولية على إيران، واستهداف مواقع عسكرية رئيسية مثل منظومة الصواريخ البالستية، وتعطيل مشاريعها النووية.

ثالثاً: منع إيران من نقل معركتها مع اسرائيل إلى الداخل السوري واللبناني.

رابعاً: الآخذ بالحسبان عنصر المفاجأة العسكرية من قبل «حزب الله »، وهو ما سيؤثر سلباً على موقف نتنياهو وحكومته.

أهم العوامل الداخلية والإقليمية والدولية المؤثرة

في الاستراتيجية الإسرائيلية ضد «حزب الله»:

1. الوضع السياسي الداخلي في إسرائيل (الحكومة والفساد والتهدئة مع حماس في غزة).

2. الوضع السياسي الداخلي اللبناني (عدم تشكيل حكومة وسيطرة حزب الله على القرار السياسي وانتشار القوات الدولية في جنوب لبنان). إذ مازالت الرئاسة الحكومية غائبة (مجلس الوزراء) ورئاسة مجلس النواب معطلة. أما رئاسة الجمهورية العاملة لوحدها، فهي لا تستطيع الاستمرار بمهمة إدارة الدولة اللبنانية من دون الرئاستين التنفيذية والتشريعية.

3. تداعيات الازمة السياسية السورية (محلياً واقليمياً ودولياً) وانعكاسات احتمالية انفجار الموقف العسكري الإسرائيلي مع «حزب الله » على مجمل الازمة السورية المستعصية على الحل حتى الان.

4. التواجد العسكري الدولي متعدد الأهداف والأدوار وخلطه للأوراق في سوريا (الروسي، والأمريكي، والتحالف الدولي).

5. التواجد العسكري الإقليمي في سوريا (الإيراني والتركي) وردود الفعل المحتملة حيال أزمة عسكرية جديدة قد تنتج عن تدخل عسكري إسرائيلي جديد في المنطقة.

6. انتشار خبراء عسكريين من فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني على الأراضي السورية، ومدى احتمالية تعرضهم لهجمات جوية إسرائيلية.

السيناريوهات الإسرائيلية المستقبلية المحتملة:

السيناريو الأول: اقتصار عملية (درع الشمال) الإسرائيلية على شريط ضيق داخل الحدود الإسرائيلية، وهذا السيناريو هو الأكثر احتمالاً في المرحلة الراهنة.

السيناريو الثاني: توسيع نطاق العملية الإسرائيلية، بحيث تجتاز القوات البرية الحدود الدولية إلى معظم مناطق الجنوب اللبناني الذي تتواجد فيه قواعد ومخازن ومستودعات عسكرية ل «حزب الله ». هذا السيناريو محتمل في أي وقت، لكنه قد يكون مؤجلاً لحين توفر شروط واعتبارات تتعلق بنوايا الولايات المتحدة وإسرائيل تجاه «حزب الله » ودوره السياسي والعسكري القادم في لبنان.

السيناريو الثالث: تطوير الهجوم البري الإسرائيلي ليجتاح معظم المناطق اللبنانية، بحيث يشل مراكز وقوافل وطرق الإمداد اللوجستية الإيرانية القادمة إلى لبنان من إيران عبر الأراضي السورية. يرافق هذا الهجوم البري الإسرائيلي هجوم جوي كثيف ضد مواقع عسكرية تعود لإيران و »حزب الله »، وكذلك ضد الدفاعات الجوية السورية. هذا السيناريو مستبعد حالياً، إلا إذا ارتأت الولايات المتحدة إعادة ترتيب الأوضاع الاستراتيجية والسياسية والعسكرية في سوريا ككل على هذا الشكل.

الخلاصة

إسرائيل خرجت من أزمة غزة إلى أزمة أكبر، وهي أزمة الأنفاق، مع «حزب الله » في لبنان. كل ذلك ربما يجري لخداع الراي العام الداخلي بأن اسرائيل مسيطرة على الموقف العسكري والأمني، وأنها هي من يمتلك زمام الأمور على الحدود الشمالية، وليس «حزب الله ». بالنتيجة، فإنه على الرغم من كون إسرائيل مستعدة لأي تحرك عسكري ضد الحزب في لبنان وسوريا، إلا أن قوات «حزب الله » لن تقف مكتوفة الأيدي، فمن المؤكد بأن قيادة الحزب تضع في حساباتها أسوأ السيناريوهات، وهي تقوم الآن بالعمل على تطوير منظومة صواريخ دقيقة الإصابة عن بعد، ضد أهداف في العمق الإسرائيلي.

المصدر: العدد الثالث من مجلة ملفات أسبار الشهرية التي يصدرها مركز أسبار للدراسات والبحوث بمدينة دوسلدورف الألمانية

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *