الرئيسية / مقالات / مؤشرات الاقتصاد الإماراتي بعد 47 عاماً من تجربة الاتحاد

مؤشرات الاقتصاد الإماراتي بعد 47 عاماً من تجربة الاتحاد

محمد مصطفى عيدمؤشرات الاقتصاد الإماراتي بعد 47 عاماً من تجربة الاتحاد

محمد مصطفى عيد

مقدمة

بعد مرور 47 عاماً على التجربة الاتحادية الإماراتية، وفي ظل جملة التحوّلات العديدة التي شهدها الشرق الأوسط، خلال الأعوام الأخيرة، فإن قراءة مؤشرات الاقتصاد، من شأنها أن توضح واقع التجربة الراهن، خصوصاً في ظل عدد من التحديات الاقتصادية والسياسية، والتي أصبحت واقعاً لا يمكن تجنبه سياسياً، أو التنكر لتأثيراته الاقتصادية.

إن تاريخ تشكّل دولة الإمارات العربية المتحدة هو تاريخ الانتقال من القبيلة إلى الدولة، لكن هذا الانتقال شهد قفزات كبيرة، قياساً إلى العديد من دول منطقة الشرق الأوسط، وقد بنت الإمارات في أوقات سابقة سياساتها الخارجية على مبدأ التوازن، وعدم الانخراط المباشر، نظراً لجملة من العوامل الموضوعية، خصوصاً تركيبتها السكانية، والتي لا تزال، تعاني من عدم توازن، نظراً إلى نسبة المواطنين الإماراتيين إلى العمالة الأجنبية، حيث تبلغ تلك النسبة 11 %، فعدد سكان الإمارات البالغ 9,121,167 (لغاية نهاية 2016).

سنحاول في قراءتنا هذه أن نركز على واقع القطاعات الاقتصادية، لرسم لوحة عامّة عن جملة التحولات التي حدثت في الاقتصاد، وبالتالي فإن هذه المؤشرات تسهم في عمليات التنبؤ بمستقبل التجربة نفسها، ومستقبل القطاعات العاملة، وطبيعة البيئة الاستثمارية، مع الإشارة إلى أنه لا يمكن تجاهل تأثيرات إقليمية ودولية في الحراك الاقتصادي، وتنامي المخاطر في المنطقة، وغياب حالة الاستقرار عن النظام الإقليمي.

إن جزءاً رئيساً من التحولات الرئيسة، والتنويع في سلّة الأعمال، هدف بشكل رئيس إلى التقليل من الاعتمادية على الريع النفطي، والاستفادة من الاستثمارات الأجنبية، عبر نمو كبير ومتطور للبنى التحتية، والتي توفر حافزاً للشركات العالمية، من شبكة طرق حديثة، وموانئ ومطارات حديثة، ومواكبة للتطورات التي أحدثتها الموجة الثالثة للعولمة، في مجالي التقانة والاتصالات.

قطاعات الإمارات الاقتصادية

لقد تميّزت الإمارات بشكلٍ عام، واقتصادها بشكلٍ خاص، بمميزات وقيم مضافة، ساهمت في استمرار نموها الاقتصادي، والتي كان أبرزها الموقع الجغرافي والاستراتيجي الذي جعلها مركزاً عالمياً للأعمال، لكونها تمتلك شبكة متطورة وحديثة من المواصلات البحرية والبرية، وتمتلك مطارات دولية، ساهمت في نمو التجارة الجوية، ولكن تطور البنية التحتية لم يأتِ من فراغ ، بل هو نتيجة لسلسلة من التطورات الاقتصادية التي طرأت على الدولة، نتيجة امتلاكها النفط والغاز، ما ساهم في امتلاك احتياطات مالية كبيرة ساعدها على بناء بيئة استثمارية متطورة، قادرة على جذب رؤوس الأموال إلى الدولة، وخصوصاً في إمارة دبي التي أصبحت مركزاً تجارياً عالمياً، كما أن دولة الامارات عملت قبل عقدين من الزمن على تحفيز التنوع بالاقتصاد، وشجعت القطاعات غير النفطية، وعززت وجود الاستثمار الأجنبي، و جذب الاستثمارات الأجنبيّة لقطاعها الاقتصاديّ، وفي تقرير حديث لوزارة الاقتصاد الإماراتبة توقع ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي للدولة إلى 1.6 تريليون درهم (435.7 مليار دولار) خلال العام 2018 مقارنة بنحو 1.49 تريليون درهم (407.21 مليارات دولار) في العام 2017 ، مشيراً إلى أن الإمارات تعد ثاني أكبر اقتصاد في الشرق الأوسط، وواحداً من أكثر الاقتصادات انفتاحاً في العالم.

قطاع النفط

أيقنت دولة الإمارات منذ اكتشاف المعدن الأسود (النفط) على أراضيها عام 1953 وبدء الانتاج الفعلي فيها عام 1965 أنه سيشكل اللبنة الأولى في بناء دولة الإمارات الحديثة وعنصرًا أساسيًا في دخلها القومي ، وتصدرت الامارات الدول المنتجة للنفط على مستوى العالم، ؛ حيث تشير التقديرات العالمية إلى امتلاك دولة الإمارات نحو 98 مليار برميل نفط قابلة للاستخراج، فيما يصل حجم إنتاجها من النفط الخام إلى أكثر من 2.9 مليون برميل يوميًا، لتستحوذ بذلك على ما نسبته 3% من الإنتاج العالمي للنفط، و 6% من حجم الإنتاج للدول الأعضاء في منظمة أوبك.

إلا أنه مع التطور الذي تشهده الإمارات في القطاعات المختلفة، كان لدى الدولة هدفاً رئيسياً على المدى الطويل من خلال الاستثمار في مجالات مختلفة، والعمل على خفض مساهمة النفط في الناتج القومي إلى أن قارب 30 % ، ووصلت الصادرات النفطية في العام 2015 إلى 50.34 مليار دولار، فيما بلغ اجمالي الصادرات للعام 2015 من النفط الخام 2441.5 ألف برميل/يوم و نحو 9.6 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي، كما تعد الإمارات سابع دولة في العالم من حيث الاحتياطي النفطي، وكذلك احتياطي الغاز الطبيعي وتمتلك الإمارات 5 محطات لتكرير البترول، بلغت طاقتها الإنتاجية أكثر من 770 ألف برميل يوميًّا في 2012 ، ويُقدر احتياطي الغاز الطبيعي 215 تريليون متر مكعب، أو ما يساوي 4% من الاحتياطي العالمي.

وفي التقرير الاقتصادي السنوي للعام 2015 الصادر عن وزارة الإقتصاد الإماراتية ، فقد أوضح التقرير أهمية النفط لدولة الإمارات إلا أن مساهمته لن تتجاوز% 20 من الناتج المحلي الاجمالي في السنوات المقبلة، وهو ما يجنب الدولة التأثيرات السلبية لتقلبات الأسواق، وحركة أسعار النفط العالمية، حيث أن دولة الامارات أعلنت، ومنذ سنوات، بموجب رؤيتها 2021 (2021) التوجه نحو تنويع الاقتصاد الوطني، وتقليل الاعتماد على صادرات النفط والغاز في منظومة الدخل القومي، حيث كان عام 2014 العام الأقوى اقتصاديا لدولة الإمارات منذ تأسيسها، حيث بلغت نسبة النمو في الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي % 4.6 ، وبلغت تقديرات الناتج الإجمالي بالأسعار الجارية 1.47 تريليون درهم.

وقدر وزير الطاقة الإماراتي سهيل المزروعي أن «الطاقة الإنتاجية لدولة الإمارات العربية المتحدة بحلول نهاية عام 2018 ستبلغ حوالي 3.5 مليون برميل في اليوم. وسيخضع إنتاجها لشهر ديسمبر الجاري حسب طلب الزبون وحاجه السوق».

وبما أن دولة الإمارات مستمرة في استراتيجيتها للتنويع الاقتصادي انخفضت مساهمة النفط في الناتج المحلي الإجمالي للدولة، لأقل من 30 %، وتسعى إلى تخفيضه في الاقتصاد المحلي إلى مقدار 10 % لغاية عام 2021 ، وفق تقديرات تقارير وزارة الاقتصاد.وستعمل أيضا على تقوية باقي القطاعات الأخرى، خصوصاً الصناعة والخدمات، وذلك بهدف تعويض أي انخفاضات مستقبلية للنفط.

القطاع الصناعي

حاولت دولة الإمارات في الآونة الأخيرة التركيز على بدائل اقتصادية جديدة بعيدة عن القطاع النفطي، في إطار رسم سياسة جديدة تساهم في التحول إلى اقتصاد غير نفطي، وركزت دولة الامارات علىى صناعات جديدة بعيدة عن صناعات المشتقات النفطية، حيث شملت صناعات الأسمدة الكيماوية والألمنيوم وصناعة مواد البناء والصناعات الغذائية والأدوية، إضافة إلى الكثير من الصناعات المتوسطة والصغيرة، فساهم القطاع الصناعي لديها بنسبة بلغت 14 %، ما يعادل 240 مليار درهم في عام 2014 ، لتصل إلى 252 مليار درهم نهاية 2015 ، وتوقع خبراء اقتصاديون أن يساهم القطاع الصناعي بنسبة 25 % في الناتج المحلي للدولة بحلول 2021 .

ويعد القطاع الصناعي أكبر مساهم في الناتج المحلي القومي بعد النفط والغاز ، حيث أشارت إحصاءات وزارة الاقتصاد إلى أن استثمارات المصانع في الدولة تتجاوز 103 بلايين درهم (28 بليون دولار). وبلغ عدد المصانع عام 2016 نحو 6.3 ألف مصنع، كما تستحوذ صناعة منتجات تكرير النفط على 6.6 في المئة منها، تليها صناعة الكيماويات ب 6.5 في المئة، ثم صناعة المنتجات المعدنية ب 5.5 في المئة.

وصرح وزير الطاقة والصناعة في دولة الإمارات سهيل المزروعي خلال «قمة التصنيع والتجارة المستقبلية» التي انطلقت في دبي في شهر أكتوبر، تشرين الأول الماضي 2018 ، إن «القطاع الصناعي يعتبر من المحركات الرئيسة في دعم عجلة التنمية الاقتصادية في دولة الإمارات، كما له دور محوري في تعزيز الناتج المحلي للدولة والمتوقع بلوغه 20 في المئة بحلول عام 2030».

ونظراً للاهتمام المتزايد بالصناعة في دولة الإمارات، فقد توسّعت الدولة في تأسيس ودعم المناطق الصناعية
المتخصصة، وتوفير كافة احتياجاتها من بنية تحتية وتجهيزات، كما حرصت على جذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية، عبر حزم حوافز تشجع المستثمرين، أبرزها التملك بنسبة 100 %. ، وتوقع خبراء اقتصاديون أن تشكل مساهمة القطاع الصناعي في ناتج الامارات نحو %16 في عام 2021 وبلغ استثمارات القطاع الصناعي 130 مليار درهم منها 112 مليار درهم استثمارات المواطنيين الإماراتيين في هذا القطاع لنسبة 86 % ونحو 14 مليار درهم استثمارات الأجانب بنسبة 11 % ، بينما استثمارات الخليجيين فبلغت 4 مليار درهم بنسبة %3.

القطاع المالي والاستثماري

اعتمد تطوُّر قطاع المال في الإمارات العربيّة المُتّحدة على الأسواق الماليّة، والجهاز المصرفيّ القويّ، ممّا ساهم في تقديم الدعم للعديد من مجالات قطاع المال، مثل المنتجات المُتعددة، والذهب، والأوراق الماليّة، وغيرها من المجالات الماليّة الأخرى، وساعد ذلك على استقطاب الكثير من الاستثمارات المحليّة والأجنبيّة؛ حيث وصل مُعدّل نموّ قطاع المال في الفترة الزمنيّة بين سنوات 2001 م – 2015 م إلى ما يقارب 14,5 %، كما أشار المحللون إلى وجود محفزات عديدة على تعزيز قطاع المال، ومنها نظرة المستثمرين إلى الإمارات بصفتها من المناطق التي توفر الأمن لرؤوس الأموال والاستثمارات المتنوعة، نتيجة للاستقرار السياسيّ الخاص بها.

ونقلاً عن تقرير ورد في الخليج تايمز، يتوقع صندوق النقد الدولي أن يصل إجمالي الصناديق الاحتياطية الرسمية لدولة الإمارات إلى 118.4 مليار دولار عام 2020 ، كما سينمو فائض الحساب الجاري إلى 33.4 مليار دولار بحلول 2020 .

ووفقاً لتصنيفات مؤسسة الصناديق السيادية (SWFI) المتخصصة في دراسة استثمارات الحكومات، وإحصاءات أكبر الصناديق السيادية في العالم، يعتبر جهاز أبو ظبي للاستثمار من أكبر الصناديق السيادية في منطقة الشرق الأوسط، وأكبر خامس صندوق في العالم، بمبلغ يقدر ب 792 مليار دولار أمريكي.

أما تقرير البنك الدولي الصادر في عام 2016 لقياس أداء 189 دولة في تسهيل ممارسة الأعمال للمستثمرين، تبوأت دولة الإمارات المركز الأول عربياً للعام الثالث على التوالي، وحصلت على المرتبة الأولى إقليمياً، في كل من محاور استخراج تراخيص البناء وتوصيل الكهرباء، وحماية صغار المستثمرين، وتسجيل الممتلكات، وعدم
تأثير دفع الضرائب على الأعمال وإنفاذ العقود.

و في تقرير التنافسية العالمي 2017 – 2018 الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي للعام 2017 . فإن الإمارات تبوأت المركز الأول عالمياً للأكثر من 50 محور ومؤشر فرعي عالمي، من أبرزها، تحقيق الدولة المركز الأول عالمياً في كل من مؤشر مشتريات الحكومة من التقنيات المتقدمة، ومؤشر كفاءة الإنفاق الحكومي. أما تقرير تنافسية السياحة والسفر 2017 والصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، حققت الدولة المركز الأول عالمياً في 12 مؤشر، من أبرزها مؤشر أولويات الحكومة من صناعة السفر والسياحة، ومؤشر كفاءة وفعالية التسويق لجذب السياح، ومؤشر استدامة وتنمية قطاع السياحة والسفر، ومؤشر جودة البنية التحتية للسياحة.

وتوقع تقرير حديث صادر عن وزارة الاقتصاد في الإمارات في العام 2018 أن الدولة ستشهد نشاطاً اقتصادياً مرتفعاً في الفترة التي تسبق استضافة دبي، للمرة الأولى في الشرق الأوسط، معرض إكسبو العالمي في 2020 ، حيث من المتوقع أن يستقطب المعرض أكثر من 25 مليون زائر من جميع أنحاء العالم، ويجمع استثمارات أجنبية تتراوح بين 100 و 150 مليار دولار، في عدد من القطاعات، مثل التجزئة والعقارات والسياحة والتعليم.

خلاصة

من الواضح أن تقليل الاعتمادية على النفط تأتي لحماية التجربة الاقتصادية من التقلبات السياسية والاقتصادية في الوقت نفسه، خصوصاً مع التقلبات العديدة التي يشهدها قطاع النفط، كما تركّز دولة الإمارات على تطوير البنى التحتية واللوجستية والإلكترونية، لاستقطاب الشركات العالمية، وتحويل تلك الشركات نفسها إلى نوع من الضمانة للكفاءة الاقتصادية والمالية، وجعلها صاحبة مصلحة في الحفاظ على التجربة.

بالطبع، لعبت، ولا تزال، قوانين الاستثمار، وقوانين القيمة المضافة، دوراً في استقطاب رؤوس الأموال، بالإضافة إلى تطوير الموانئ البحرية وقطاع النقل الجوي، وفقاً لأفضل المواصفات العالمية، من أجل لعب دور حيوي في عمليات إعادة التصدير، في منطقة الشرق الأوسط، وعموم آسيا.

إن استدامة التجربة الإماراتية، بعد 47 عاماً من الاتحاد، وتأسيس الدولة، تقف اليوم في مواجهة جملة التحولات التي تعيشها منطقة الشرق الأوسط، وستبقى في جانب كبير منها رهناً بطبيعة التوجهات الرئيسة في السياسة الخارجية، بالإضافة إلى طبيعة احتدام الصراعات في المنطقة، وما يمكن أن تعكسه من مشكلات، وأزمات على عموم دول الخليج، ومن بينها دولة الإمارات.

المراجع

1. الصايغ، فاطمة، ) 2000 (، الإمارات العربية المتحدة من القبيلة إلى الدولة، العين، الإمارات، دار الكتاب الجامعي.

2. وزارة الخارجية والتعاون الدولي الإماراتية

3. موسوعة الإمارات الالكترونية

4. ويكيبيديا- اقتصاد الإمارات العربية المتحدة

5. التقرير الاقتصادي السنوي للعام 2015 الصادر عن وزارة الإقتصاد الإماراتية

6. صحيفة البيان الاقتصادي «نمو قوي للقطاع الصناعي في الإمارات» 7 يونيو 2018

المصدر: العدد الثالث من مجلة ملفات أسبار الشهرية التي يصدرها مركز أسبار للدراسات والبحوث بمدينة دوسلدورف الألمانية

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *