الرئيسية / مقالات / ما الدستور؟

ما الدستور؟

آمال بشيريما الدستور؟

آمال بشيري

إن الحديث عن مفهوم الدستور في الظروف السياسية الحالية هو بمثابة الرجوع إلى التاريخ السياسي الذي عرفته دول العالم منذ بداية القرن الماضي، تلك الحقبة التي عرفت تكوين الدولة بمفهومها الشرعي الحديث، طبقاً لمفاهيم ومعايير قانونية وسياسية، تشكل في عصرنا هذا مرجعاً أساسياً في طرق وأساليب منح أي كيان سياسي منظم، طبقا لعناصر محدّدة، شرعية الدولة.

ويعتبر دستور أي دولة هو قانونها الأساسي، فالدولة حينما تظهر للوجود لأول مرة، أو حينما تحصل على استقلالها، أو يتغير شكلها، أو تتغير هياكلها بعد المرور ثورة، يتعيّن عليها التوفر على شرعية دستورية، من خلال وضع دستور، أو نظام داخلي لها، وككل كيان معنوي لابد أن يتوفر لها هذا النظام، ما عدا إذا كان نظام الحكم لديها فردياً، أو ديكتاتورياً مطلقاً.

لم يظهر الدستور كإطار قانوني للحكم كما هو مشاع مع نشأة الولايات المتحدة كدولة شرعية، وإنما يعود ظهوره إلى العهد اليوناني، وعهد دساتير المدن الإغريقية.

و يرى بعض الباحثون أن أول ظهور للدستور كان في القرن الثالث عشر، وبالتحديد سنة 1215 ، عندما منح الملك «جان ستير » الميثاق الأعظم للنبلاء الإنجليز الثائرين عليه، ومن جهة أخرى يؤكد البعض الآخر بأن تاريخ ظهور الحركة الدستورية الأولى بدأت معالمها في البروز في القرن السابع عشر، عندما وضع الجناح المؤيد ل »كرومويل » في المجلس العسكري دستوراً، وإن كان البرلمان و »كرومويل » ذاته لم يساندا ذلك المشروع، فلم يعرض على الشعب، ورغم ذلك تمّ اعتماد بعض نصوصه لاحقاً، فيما يتعلق بتنظيم السلطة، ووظفت فيما بعد كمصدر لتنظيم السلطة في الولايات المتحدة الأمريكية.

تكمن أهمية الدستور بالنسبة للدولة الشرعية في كونه حدّاً على سلطة الحكام داخل الدولة ذاتها، وداخل المجتمع، كما يضفي على الحكم مشروعية دستورية، ويمكن أن يكون خطوة في اتجاه تأسيس دولة الحق والقانون (خصوصاً إذا تمّ وضعه بطريقة ديمقراطية واحترمت مقتضياته).

وعليه فإن مفهوم الدستور، يعدّ من المفاهيم القانونية الرائدة، التي تثير مجموعة من التساؤلات المهمّة، على اعتبار أنه يتصدر الرتابة في التدرّج الهرمي للقواعد القانونية، إذ علينا أن نتعرّف وبدقة معنى الدستور وأنواعه، وكذا الأساليب التي تصاغ بها الدساتير، والكيفية القانونية التي يتم بها مراجعة هذا الأخير، وأيضا ظروف وطرق إنهائها.

تعريف الدستور وأنواعه:

في المبادئ العامة للقانون الدستوري يعرّف الدستور على أنه مجموعة المبادئ الأساسية المنظمة لسلطات الدولة، والمبينة لتحديد حقوق كل من الحكام والمحكومين فيها، والواضعة للأصول الرئيسية التي تنظم العلاقات بين مختلف سلطاتها العامة، وهو مجموع الأطر التي تعمل الدولة بمقتضاها في مختلف الشؤون المرتبطة بالقضايا الداخلية والخارجية.

وبذلك فإن الدستور هو مجموعة القواعد القانونية المكتوبة أو العرفية التي تنظم النظام السياسي في الدولة، وتحدد شكلها (منفردة أم مركبة)، وشكل الحكم فيها(ملكي أو جمهوري)، وشكل النظام السياسي (رئاسي أم برلماني)، كما تحدّد توزيع الاختصاصات بين السلطات وطرق الوصول الى الحكم.

كما تشير بعض الدساتير إلى النظام الاقتصادي المطبّق (اشتراكي أم رأسمالي)، وإلى الحريات العامة التي يتمتع بها المواطنون (حرية التعبير، حرية التنقل…)، كما تشير بعض الدساتير إلى وضع الدولة بالنسبة إلى الدين، فبعض الدساتير تشير إلى دين الدولة، في حين أن دساتير أخرى تنصّ على علمانية الدولة.

معظم الدساتير تتكوّن من ثلاثة أجزاء: يختصّ الأول بالقضايا المتعلقة بنظام الحكم، ويتعلق الثاني بالحقوق والحريات والواجبات، والجزء الثالث يخصّ القضايا ذات الطابع الدستوري والشكلي المحض.

والدستور يتعلق بتنظيم الدولة، باعتبارها مجموع المؤسسات السياسية أو المؤسسة الام لكل المؤسسات داخل الدولة، من حيث كيفية تشكيلها واختصاصاتها، وكيفية مباشرتها لهذه الاختصاصات، وحدود وضوابط هذه الأخيرة، كذلك علاقة سلطات الدولة ببعضها البعض وعلاقتها بالمواطنين ، كما يختصّ الدستور من الناحية الوظيفية أيضاً بحقوق المواطنين في مواجهة السلطات العامة، وكيفية حماية هذه الحقوق.

وقد دأب فقهاء القانون العام بصفة عامة، والقانون الدستوري بصفة خاصة، على تعريف الدستور انطلاقا من معيارين، شكلي وموضوعي، والمعيار الشكلي ينصرف إلى الوثيقة الدستورية ذاتها ولا يتجاوزها، ووفقاً لهذا المعنى فهو عبارة عن القواعد القانونية الواردة في الوثيقة التي تتضمن النصوص الدستورية، وكل قاعدة لا تضمها هذه الوثيقة لا تعدّ – بالمعني الشكلي – قاعدة دستورية. كذلك فإن كل قاعدة يتضمنها نص من نصوص هذه الوثيقة يعتبر في كل الأحوال قاعدة دستورية، هذا هو المعني الشكلي للدستور.

أما أصحاب المعيار الموضوعي فيرون أن القواعد الدستورية لا تتطابق دائماً مع الوثيقة الدستورية، فقد توجد قواعد دستورية لا تضمها الوثيقة الدستورية، مثل قوانين الانتخابات، وتنظيم القضاء والقضاء الدستوري، وقد توجد، على العكس، في الوثيقة الدستورية، من النصوص ما لا يعالج موضعاً دستورياً، كالنص الذي ينصّ على إلغاء عقوبة الإعدام مثلاً.

ويري أصحاب هذا المذهب أن الأخذ بالمعيار الموضوعي الذي ينظر إلى موضوع أو مضمون القاعدة لا إلى شكلها هو الذي يجنبنا هذه المشاكل الدستورية.

من هنا يأتي التمييز بين الدساتير المرنة والدساتير الجامدة من ناحية، وأيضاً بين السمو الموضوعي والسمو الشكلي للقواعد الدستورية من ناحية أخرى.

الدساتير المدونة وغير المدونة

يعتبر الدستور مدوّناً إذا كانت غالبية قواعده مكتوبة في وثيقة، أو عدة وثائق رسمية، ولا يقصد بالتدوين هنا مجرد تسجيل القواعد الدستورية في وثيقة مكتوبة، بل تسجيلها في وثيقة رسمية صدرت من المشرّع الدستوري، أي من السلطة المختصة بسنّها، وباتباع اجراءات معينة.

أما الدساتير غير المدونة فهي عبارة عن قواعد عرفية، استمرّ العمل فيها لسنوات طويلة، حتى أصبحت بمثابة القانون الملزم، وتسمى أحيانا الدساتير العرفيّة، نظراً لأن العرف يعتبر المصدر الرئيسي لقواعدها، ويعتبر الدستور الإنجليزي المثال الأبرز على الدساتير غير المدونة، لأنه يأخذ غالبية أحكامه من العرف، وبعضها من القضاء، وإن وجدت بعض الأحكام الدستورية المكتوبة، مثل قانون سنة 1958 الذي سمح للنساء بأن يكنّ عضوات في مجلس اللوردات.

الدساتير المرنة والدساتير الجامدة

الدساتير المرنة هي التي يمكن تعديلها بنفس الإجراءات التي يتمّ بها تعديل القوانين العادية، أي بواسطة السلطة التشريعية، وأبرز مثال لها هو الدستور الإنجليزي، أما الدساتير الجامدة فهي التي يستلزم تعديلها إجراءات أشدّ من تلك التي يتمّ بها تعديل القوانين العادية، ومثال على ذلك دستور أستراليا الفيدرالي، الذي يتطلب تعديله موافقة أغلبية مواطني الولايات بأكملها، بالإضافة إلى أغلبية الأصوات على المستوى الفيدرالي.

لا تتعلق مسألة مرونة الدستور أو جموده بطريقة وضع الدستور، ولا بتحديد أحكام الدستور الموضوعية، وانما بطريقة تعديل الدستور، فالدساتير التي يقتضي تعديلها إجراءات دقيقة وصارمة مما يتطلبه تعديل القوانين العادية تعتبر دساتير جامدة، فهي جامدة لأن وسيلة تعديلها ليست في سهولة ويسر تعديل القوانين العادية، ولكنها ليست جامدة بمعنى أن قواعدها الموضوعية جامدة أو رجعية أو قديمة، أو ما إلى ذلك من أوصاف، فلا شأن لوصف الدستور بالمرونة أو الجمود بقواعد الدستور الموضوعية وفلسفتها، وإنما يعدّ الدستور مرناّ إذا كانت القواعد المطلوبة لتعديله هي ذات القواعد والإجراءات المطلوبة لتعديل القوانين العادية، ويمكن للقانون العادي من ثم أن يعدّل بعض قواعد الدستور، كما هو الحال في المملكة المتحدة .

في حقيقة الأمر، إن الدساتير المرنة تمثل الوضع النادر، وذلك راجع إلى أن الغالبية العظمي من دساتير دول العالم هي دساتير جامدة، بمعنى أن تعديل نصوصها يقتضي إجراءات خاصة، ينصّ عليها الدستور نفسه، وهي إجراءات تختلف عن إجراءات تعديل القوانين العادية، وتمتاز بالصعوبة والشدّة.

وهذا أمر مفهوم ذلك أن الدساتير يفترض فيها أن تكون أكثر ثباتاً واستقراراً من القوانين العادية، ذلك أن الدستور هو الذي يحدّد أسس النظام السياسي، بل والاقتصادي أيضاً، في معظم الدول، ويضع الفلسفة الأساسية التي يقوم عليها النظام، ومن هنا يمكن أن نفهم أن استقرار النظام السياسي – ولو لفترة معينة – يقتضي قدراً من الاستقرار والاستمرار في النظام الدستوري، وهذا بدوره يقتضي نوعاً من الثبات في القواعد الدستورية.

المراجع:

1- مطيع، المختار، (2007) القانون العام، مفاهيم ومؤسسات. (ط 1). الرباط: دار القلم للطباعة والنشر والتوزيع.

2- بوشعير، سعيد (1989). القانون الدستوري والنظم السياسية المقارنة (الجزء الأول). الجزائر: ديوان المطبوعات الجامعية.

المصدر: العدد الثالث من مجلة ملفات أسبار الشهرية التي يصدرها مركز أسبار للدراسات والبحوث بمدينة دوسلدورف الألمانية

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *