الرئيسية / مقالات / اللاموقف في مواقف المعارضين

اللاموقف في مواقف المعارضين

رياض دراراللاموقف في مواقف المعارضين

رياض درار

اللاموقف، عبارة نراها في سلوك الناس الذين يعتقدون أن الأحداث التي تجري من حولهم، لا تمسهم أو تعنيهم، وأنهم بغنى عن الخوض فيها، فتراهم يقفون على الحياد. إنهم ينتظرون استقرار الأوضاع على منتصر ليعلنوا مواقفهم وهم آمنون!

اللاموقف؛ ليس الحياد فقط، فبعض المحسوبين على طبقة المثقفين يتشدقون بالمبادئ والقيم والمعايير من جميع الأصناف والألوان، ويوجهون الانتقادات بكل الاتجاهات، للأفراد وللتجمعات، ويتجسدون بمواقف الحكماء ويتلطفون بأنواع النصائح والارشادات. ولكنهم حين يتوقفون عند ذلك إنما يقفون على خشبة المسرح بلا موقف! لأنهم بادعائهم يخدمون المراوحة في المكان والجمود والسكون، وهو موقف المتعالي الفارغ الخالي من أي روح نضالية، وهم بلا موقفهم هذا إنما يخدمون مواقف الطاغية الحاكم أو الطاغية الحالم، وكلاهما ضد التغيير، سواء وقف في صف الحكم أو التعارض لافرق! فالطاغية في قيود النظام لاينفرق عنه في قوائم المعارضة، خاصة في مسارات الثورة السورية وماآلت إليه من فصول.

إن تدليس المثقف وهروبه أو تفضيله الوقوف عند اللاموقف مدعاة للرثاء ولكنه يترك أثرا على الحل النهائي بعد أن اختبر السوريون الحرب وعانوا منها ماعانوا واختبروا الأصدقاء والقدرات والامكانيات، اختبروا المساعدات والمعونات ورأوا حجم التضحيات والصمود الذي لن يصل بهم إلى غالب أو مغلوب. وليس لذلك نهاية إلا بالحل السياسي وعدم المكابرة أو العناد. لذلك لابد لانجاز المرحلة التالية من حنكة سياسية، وجرأة على مواجهة المصير، وهذا ما يعرقله المثقف المدعي، حين يسترسل بالقاء اللوم أو تحميل التبعات على المبادرين والمساهمين في البحث عن حلول، والذين يقعون في مطبات العمل اليومي ويتعثرون ويقومون بعد كل كبوة، لكنه لايلبث هذا اللاموقف المتعالي يخرج من أفواه المثقف يحذر ويمنع، ويعمد أقواله بمشاريع البداية وضرورات الرصانة، وإدانات الشجاعة والمبادرات الجديدة.

إن ظاهرة لدى السوريين برزت خلال أحداث الثورة، أن عدد المحللين السياسيين والخبراء الاستراتيجيين وعلماء الأحداث وراسمي السياسات والعارفين بخفايا الأمور قد فاق أي حدث في التاريخ، حتى صار كل صاحب لسان قوال يعرف بعض قصص وأمثال، لايغيب عن الشاشات، ولايخلو من حضور المنتديات والمؤتمرات، يتلسن بما قاله عشرات المرات، ولكنه يُدعى لأنه يخدم الأجندات، فهو حاضر لكل موقف يتغير ولايُغير لأنه بلا موقف.

المشكلة في ظاهرة المعارضين وهم في الغالب من المثقفين اجتمعوا في ليلة ليلاء، فأقاموا محفلا لهم اتخذ اسما وطنيا عريضا، أوديمقراطيا واسعا، أو ثوريا فضفاضا، وتخندقوا وراءه. من ليس معهم فهم ضده، ومن يخالفهم فهو عميل مرتهن، ومن لايسايرهم يعزل أو يبعد أو يحارب، ويستأثرون بأنفسهم على الناس، وهم في تقييماتهم يعمهون فلا يرون إلا مارسمته أحلامهم ومصالحهم، وإذا تحالفوا فلكي يتآمروا، ولايلبثو أن ينقسموا، وهم يدعون العصامية والعصمة. يكتفون ببيان الاطلاق لمحفلهم، يحفظون فقراته وهو مكرر من بيانات المشابهين، لأنه لاجديد في الرؤية، ولكن المهم عندهم صيحة الولاء وصحة الانتساب، وقد تحولت المحافل إلى جلسات مكررة تمارس فيها طقوس التبجيل والتقييم والقدح والتعديل، ولكنها لاتبادر إلى موقف لأنه لايوجد ابتكار ولا قدرة خلاقة ولارؤية صالحة .

المشكلة في كل هذه المظاهرهي “اللاموقف”! إن الجامع المشترك بين شتى أشكال الخطاب السياسي وألوانه تتجمع حول شعارات. وكل من رفع شعاراً يحسب أنه قد أدَّى قسطه من الواجب، فهو مستقرٌ هانئٌ بما توصل إليه ينتظر رعاية أحد الرعاة المانحين. أما أن يترجم موقفه إلى أفعال فلا يحصل ذلك لأنه ينتظر المباركة والقبول والدعم والعطاءات المادية والاعلامية وحتى العسكرية.. وإذا جاءت استأثر بها ليتقوى على الآخرين ويفرض سياساته فموقفه في خدمة اللاموقف الأخلاقي والوطني دون غيره. وهذا حال الفصائل وبعض من وراءهم من السياسيين الذين يمثلون مرحلة مبتذلة في مراحل تحول الثورة التي لم تعد ثورة، وإنما تحولت إلى اقطاعات وامارات وحواجز بين مناطق تسمى محررة، ولكنها سجون متعددة لجماعات مصالح تطمح إلى تحسين لاموقفها الوطني بادعاءات الوطنية والثورية الزائفة، وفيها أسماء بقيت على صدارة الصفحات الاعلامية والشاشات مسجلة أسوأ مظاهر اللاموقف.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *