الرئيسية / مقالات / أثر الأزمة على التغيير الديمغرافي في سوريا: خسائر فادحة واستجابات ضحلة

أثر الأزمة على التغيير الديمغرافي في سوريا: خسائر فادحة واستجابات ضحلة

محمد حلاق الجرفأثر الأزمة على التغيير الديمغرافي في سوريا: خسائر فادحة واستجابات ضحلة

محمد حلاق الجرف

مقدمة أدت الأزمة الديمغرافية الناجمة عن موجات الجفاف وفشل السياسات الاقتصادية والتنموية التي كانت تعاني منها سوريا دولة ومجتمعة إلى انفجار الأوضاع في مارس/ آذار 2011، الأمر الذي تحول، كما هو معروف، إلى حرب عبثية، زاد من سعيرها الانخراط الإقليمي والدولي في الساحة السورية.

في دراسة سابقة نشرت في العدد الأول من مجلة «ملفات أسبار» تمت الإشارة إلى أن الاختناق المؤسساتي كان أحد أهم أسباب الحراك الذي انفجر في منتصف مارس/ آذار 2011، وهذا الاختناق المؤسساتي كان ناتجة عن ضعف الكفاءة، ونقص الشفافية، وغياب المشاركة السياسية، ما أدى إلى تفاقم التفاوت بين السوريين، أثمر عن ضعف المشاركة المجتمعية في العملية التنموية، وهو الأمر الذي ترافق مع توسع رأسمالية المحاسيب. وقد تم الافتراق عن طموحات الناس في تحقيق تنمية تضمينية محورها الإنسان. وقد أدت السياسات التنموية، التي انتهجتها الحكومات السورية المتعاقبة، إلى تدهور العلاقة بين السكان والبيئة الطبيعية والاجتماعية – الاقتصادية والثقافية والمؤسساتية، إذ أهملت المسألة السكانية في السياسات العامة، وتم التعامل معها من منظور ديمغرافي بحت، يتبنى طروحات قريبة من المالتونسية الجديدة.

ويعود جزء من التدهور في اتجاه وسرعة التحول الديمغرافي إلى تباطؤ التحسن في التعليم، وتراجع معدلات التشغيل والمشاركة في قوة العمل، خاصة للإناث، بالإضافة للتفاوت في المستوى التنموي بين المحافظات، وبين الحضر والريف.

إن تراكم التحديات التنموية، مع غياب الإرادة الحقيقية للإصلاح وضعف المشاركة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، دفع فئات واسعة من المجتمع إلى حالة من الاغتراب، إذ تبتعد المؤسسات النافذة، بشكليها التقليدي والحديث، عن حاجات الناس وطموحاتهم. ويتمظهر أحد أشكال عدم قدرة السياسات التنموية على استيعاب السكان السوريين، في ظاهرة الهجرة فقد كانت معدلات صافي الهجرة الدولية مرتفعة نسبيا في السبعينات والثمانينات من القرن الماضي، وتراجعت مع بداية التسعينات، ثم عاودت الارتفاع بعد 1992 لتستقر في العقد الأخير.

تعرضت المنطقة الشرقية من سوريا في العام 2009 إلى أزمة جفاف كبيرة، رافقها فشل كبير في خطط الإنقاذ الحكومي، ما أدى وقتها إلى موجات هجرة ونزوح كبيرة (حوالي 300 ألف نسمة) نحو مدن الداخل، ما تسبب في تزايد عدد السكان في محافظات ريف دمشق ودرعا، مع غياب الخطط التنموية المناسبة لنمو سكان المدن.

غيرت الأزمة صورة المجتمع السوري بشكل كبير، فالفترة الزمنية الطويلة من الاضطراب والعنف لم تغير فقط من الهرم السكاني، بل أعادت أيضا التركيب الديمغرافي الذي برزت فيه مناطق آمنة نسبية، استوعبت أعدادا هائلة من النازحين، في وقت انتقل فيه النشاط السكاني نحو المدن الكبرى ليغير الكثير من ملامح الاقتصاد السوري، وربما كان الانتشار تنظيم «داعش» في المنطقة الشرقية عاملا مهما في التأثير على مناطق الاقتصاد السوري الأساسية، فالسلة الغذائية ومصادر الطاقة أصبحت عملية مناطق عملیات، وربما ستمر عقود قبل أن تعود الدورة السكانية – الاقتصادية للاستقرار، نتيجة العنف الذي ضرب كافة المناطق السورية.

يشكل الشباب النسبة الأكبر من الوفيات التي حدثت منذ بداية الأزمة، وأيضا النسبة الأكبر من موجات الهجرة إلى خارج البلاد التي تزايدت بشكل ملحوظ منذ العام 2014، وهذا ما انعكس سلبا على التركيبة العمرية للسكان، وعلى قوة العمل ومعدل الإعالة الاقتصادية. أيضا ساهمت الأعداد الكبيرة للنزوح في خلخلة التوزع الجغرافي للسكان داخليا، فنزوح أكثر من ستة ملايين شخص عن مناطق سكنهم شكل ضغطا على الموارد والثروات والمرافق الخدمية وفرص العمل في المدن المستقبلة، وزادت نسبة نمو سكان المدن بنسبة تراوحت بين 4 و5%، ووصلت أحيانا إلى 10%.

تحولات الديمغرافيا قبل 2011

كانت الأسباب الاقتصادية من أبرز أسباب الهجرة من سوريا قبل العام 2011، وتشير البيانات إلى أن الهجرة استمرت بأعلى من معدلات نمو السكان في السبعينات والثمانينات من القرن الماضي، وهي ارتفعت من 8,8 % عام 1970 إلى 17,3 % عام 1989، لكنها تراجعت إلى 14,5 % في العام 1994 واستقرت حول هذه النسبة حتى العام 2010. إن معدلات الهجرة المرتفعة مقارنة مع معدلات نمو السكان تشير إلى فشل السياسات التنموية المتبعة من قبل الحكومات السورية المتعاقبة على مدار أكثر من أربعة عقود، على الرغم من أن معدلات النمو لم تكن سيئة بشكل عام.

هذا على صعيد الهجرة إلى الخارج، أما بالنسبة للنزوح، فتشير الأرقام إلى أن حوالي 2,3 مليون نسمة هاجروا داخلية خارج المكان الذي ولدوا فيه، وهم كانوا يشكلون 14,2 % من إجمالي عدد السكان، وتتعدد أسباب الهجرة الداخلية إلى اقتصادية، واجتماعية، وتعليمية، ناجمة عن عوامل طاردة من الريف أكثر منها عوامل جاذبة في المدن سبب الضغط الهائل على المدن قبل حراك 2011 إلى بروز ظاهرة «المركز والأطراف في المدينة نفسها، إذ استقر الريفيون، وهم في غالبيتهم من ذوي الدخول المنخفضة، على أطراف المدن الكبرى. لذا لم يتم إدماجهم في مجتمعاتهم الجديدة، بل قاموا بدلا من ذلك بتشكيل مناطق سكنية مهمشة في بيئة غير مناسبة، وغير مخدمة، مؤسسين بذلك لما أصبح يعرف لاحقا ب ترييف المدن مضطرين على الأغلب للعمل في قطاعات غير منظمة، وفي ظروف عمل صعبة وإنتاجية ضعيفة. كان هذا أقرب إلى التكيف الاجتماعي منه إلى الاندماج، حيث قام المهاجرون بمواءمة أنفسهم مع البيئة الاجتماعية الجديدة، من دون الحاجة إلى تغيير كبير في نمط حياتهم.

عموما، شكلت الفئة العمرية الأكثر شبابا (15-35) عاما النسبة الأكبر من المهاجرين داخلية قبل عام 2011، كما أن مستواها التعليمي، بشكل عام، كان أعلى من الفئة المستضيفة. هذه الميزة من فورة الشباب كان يمكن أن تستثمر لتكون رأسماة بشرية يشكل فرصة للرفاه والتطور كما حدث في دول شرق آسيا، لكن مع غياب سياسات حقيقية لإدماج الشباب في سوق العمل، ومع ارتفاع معدلات البطالة، ستشكل هذه الفورة الشبابية في سوريا مصدرا رئيسا للعنف.

قرار اللحظة الأخيرة

يأخذ النزوح والهجرة في الحالة السورية شكل موجات بشرية، وهذا أمر يدلل على أن قرار النزوح أو الهجرة هو هروب جماعي من خطر يتهدد الحياة، أقدم عليه السوريون دون سابق تخطيط أو رغبة، بهذا المعنى هو قرار اللحظة الأخيرة، “قرار المفاجأة” التي تهدد الحياة والوجود، اللحظة التي يفقد فيها النازحون واللاجئون ممتلكاتهم ومواردهم، ولا يتمكن بعضهم من حمل أوراقهم الثبوتية الشخصية.

سوف يحرم معظم اللاجئين من ظروف الحياة اللائقة، ليصبحوا رهينة المساعدات الإنسانية والدولية والمحلية، ما يحط من كرامتهم الإنسانية وإحساسهم بهويتهم وانتمائهم، ويوتر علاقاتهم بالمجتمع المضيف.

بحسب أرقام المكتب المركزي للإحصاء التابع للحكومة السورية، فإن عدد السكان المتواجدين داخل سوريا في العام 2014، وهو عام المسح السكاني الأخير الذي قام به المركز، فإن عدد السكان المتواجدين داخل سوريا بلغ 20776000 نسمة، شكل النازحون نسبة 25% منهم، وبلغت نسبة المستقرين مكانيا 65% من إجمالي عدد السكان. بينما كان عدد من غادر سوريا لاجئا أو مهاجرة 3136000 أي حوالي 15% من إجمالي عدد السكان. وبناء على نتائج المسح الذي قام به المركز السوري البحوث التياسات، فإن عدد سكان سوريا قد انخفض إلى 20208000 نسمة، بينما ارتفع عدد النازحي إلى 6361000 نسمة أي ما نسبته 31% من إجمالي عدد السكان، وارتفع كذلك عدد المهاجرين واللاجئين إلى خارج البلاد إلى 4275000 نسمة إي ما نسبته 21% من إجمالي عدد السكان، وبالطبع استمر النزيف البشري في تصاعد حتى نهايات العام 2018 دون توفر أرقام دقيقة. هذه المعدلات المرتفعة من النزوح واللجوء والهجرة أدت إلى تغيرات في بنية المجتمع والأسر، وتفكك في العلاقات والروابط الم القدرات، وامتهان الكرامة، والرزوح تحت هاجس الفاقة والفقر، وخطر يتهدد الحياة، ما أدى إلى انهيار الثقة المجتمعية والشعور بالأمان.

في البداية، كان للسوريين دور كبير في معالجة كوارث النزوح، نظرا لقيم التضامن والثقة المجتمعية العالية، كما تحسنت المشاركة في الأعمال التطوعية، ونشأت العديد من جمعيات العمل المدني والمبادرات الإنسانية الخلاقة لمساعدة المجتمعات المتضررة، وذلك رغم المخاطر الأمنية المرتبطة بهذه المبادرات. ولكن مع استنقاع الأزمة وطول مدتها تراجعت الثقة المجتمعية بحدود 58%، وتراجعت القيم ب 25%، والشبكات ب 20%، ما انعكس سلبا على رأس المال المجتمعي (وهو يعزف على أنه المؤسسات والعلاقات والمعايير التي تشكل التفاعل الاجتماعي، ويؤكد البنك الدولي على أن التماسك الاجتماعي عامل أساسي في التنمية الاقتصادية المستدامة)، فقد تراجع رأس المال المجتمعي في سوريا حوالي 30% أثناء الأزمة مقارنة بما قبلها (انظر الأشكال من 1 إلى 3). أما المحافظات التي تضررت بشكل واسع من الحرب، فھي الرقة، إذ تراجع فيها المؤشر بحدود 80%، والحسكة % 52، وإدلب 47%، ويلاحظ أن هذه المحافظات هي التي تعرضت إلى عمليات التهجير الأوسع بسبب شراسة الأعمال القتالية على أراضيها، ما أثر على البنية المجتمعية فيها، بينما كانت حدود التراجع في دمشق وطرطوس هي 10%، و5% على التوالي.

الشروخ في العلاقات الاجتماعية

تم تهميش دور المرأة على الصعيد الاجتماعي بشكل كبير بسبب سيطرة السلاح، رغم أنها أصبحت المعيل الأساسي في كثير من الأحيان، بسبب غياب المعيل إما قتلا أو اعتقالا أو خطفة أو تهجيرة، لكن تغير الذور لم ينعكس على تغير المشاركة في صنع القرار الذي تركز أكثر في يد قوى التسلط المختلفة، وبالعموم تراجعت مكانة المرأة بحدود 36%. هذا على صعيد دور المرأة أما على صعيد المشاركة المجتمعية في اتخاذ القرار التي كانت متدنية جدا قبل العام 2011 فقد تدهورت بشكل حاد أثناء الأزمة، وتراجع التعاون بين الأفراد لحل مشكلاتهم، وتم الاتجاه أكثر نحو الوجاهات وأصحاب النفوذ لحل المشكلات، وازداد تجنب القضاء الرسمي الشكل 4).

تراجع مكون الثقة المجتمعية بحوالي 47% مقارنة مع فترة ما قبل الأزمة، كما أدى انهيار الشعور بالأمان إلى حد 59% بسبب العوامل المرتبطة بالعنف (القصف، والقتل، والخطف، والاعتقال العشوائي) الأمر الذي ارتبط بانتشار اقتصاديات العنف، والتهجير القسري، والفساد، وثقافة الخوف. كما غابت سلطة القانون فانخفض مؤشر الثقة المتبادلة بين الأفراد حوالي 31%، كما تراجع مؤشر القيم والتوجهات المشتركة بشكل ملحوظ أثناء الأزمة ليبلغ حوالي 20%، بسبب تراجع مؤشر الاتفاق على مستقبل المنطقة بنسية 36 إن عدم الاتفاق على مستقبل سوريا يدل على التشظي على المستوى الوطني، بسبب الاستبداد والتسلط وكراهية الآخر، ويعتبر ذلك من أخطر ما شهده النزاع على المستوى الاجتماعي، إذ تركز على الهوية والتحريض على قتل واستباحة الغير.

أذى النزوح والهجرة إذا إلى تفير كافة المؤشرات الاجتماعية في سوريا، فهناك خلل واضح في التركيب التعليمي لقوة العمل، بسبب هجرة أصحاب الخبرات والكفاءات والعمال المهرة من سوق العمل المحلية إلى الأسواق المجاورة أو الخارجية، وانخفض حجم قوة العمل في سوريا بحدود %16,8 ، أي بنسبة توازي على الأقل نسبة انخفاض حجم السكان في سوريا، وارتفاع معدل البطالة بين الشباب إلى حدود ال 70% من إجمالي المتعطلين، و(60%) من قوة العمل الشابة.

كما ضعفت البنية التعليمية، نتيجة تضرر القطاع التربوي والتعليمي، فقد فقدت سوريا 75% من عدد سنوات التمدرس التراكمية خلال الأزمة، وتراجع الإنفاق العام على الخدمات التعليمية والصحية، نتيجة ضعف الموارد وتغير أولويات الموازنة. ويقدر بعض الخبراء أن نسبة الأمية ارتفعت إلى حدود ال 20%، وهناك نسب متزايدة من الأطفال لم تلتحق بالدراسة، ونسب أخرى متزايدة من الأطفال تقدر بحوالي (30%) تتسرب من المدارس، ولا تتابع تعليمها، سواء في الحلقة الأولى أو الثانية، إضافة للحالة التعليمية المتردية للأطفال المهجرين في دول الجوار.

النزوح والهجرة القسريين أثرا على تركيبة الأسر والسكان. نتيجة تشتت الأفراد، والاضطرار للعيش في ظروف قاسية الأمر الذي انعكس على تركيبة وخصائص السكان، وعلى العلاقات الاجتماعية والمعيشية، وكل ذلك ترافق بالطبع، ونتيجة لظروف الأزمة، مع تدني المؤشرات التنموية الكمية والنوعية للموارد البشرية المعيشية لشرائح واسعة من السكان محدودي الدخل، لترتفع نسبة السكان دون خط الفقر المدقع من عشر السكان تقريبا (114%)، حسب تقديرات ما قبل الأزمة، إلى أكثر من الثلث.

المصدر: العدد الرابع من مجلة ملفات أسبار الشهرية التي يصدرها مركز أسبار للدراسات والبحوث بمدينة دوسلدورف الألمانية

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *