الرئيسية / مقالات / بريكزيت والمشكلات البنيوية للاتحاد الأوروبي

بريكزيت والمشكلات البنيوية للاتحاد الأوروبي

حسام ميروبريكزيت والمشكلات البنيوية للاتحاد الأوروبي

حسام ميرو

مقدمة

لم يكن الأوروبيون، منذ تأسيس الاتحاد الأوروبي في عام 1992، أقل ثقة برسوخ الاتحاد، كما كان مع تصويت البريطانيين على خروج بلدهم من الاتحاد في يونيو/ حزيران 2016، وهو الأمر الذي أخذت تفاعلاته، داخل بريطانيا، والاتحاد الأوروبي، تزداد يوما بعد يوم، فبريطانيا ليست دولة عادية في أوروبا، ولا في العالم، وخروجها من الاتحاد يعني أن طيفة واسعة من صناع القرار في بريطانيا، ومن الشعب البريطاني، يجد أن مصالح بريطانيا ستكون أفضل خارج الاتحاد الأوروبي، وهو ما يعني بالمقابل أن مصالحها لم تكن متطابقة مع وجودها داخل الاتحاد.

لكن خروج بريطانيا من الاتحاد لم يزل، من حيث الشكل، ملتبسة، خصوصا أن مجلس النواب البريطاني لم يوافق على الاتفاق الذي توصلت إليه رئيسة الوزراء تيريزا ماي مع بروكسل، حيث صوت 432 نائبا ضد الاتفاق، في حين صوت لصالحه 202 نائبا، وهو ما سيعقد العلاقة بين لندن وبروكسل، وهو ما برزت ملامحه بشكل مباشر، من خلال ردود نواب الاتحاد في بروكسل، وتتعلق مخاوف بروكسل بالكيفية التي ستخرج منها بريطانيا من الاتحاد، في ظل عدم وجود اتفاق بين الطرفين، وقد دعا جان كلود يونكر، رئيس المفوضية الأوروبية، بريطانيا إلى «توضیح نواياها، حيث يم يعد هناك الكثير من الوقت».

القادة الأوروبيون، ومن ضمنهم، مسؤولون كبار في ألمانيا وفرنسا، أعربوا عن مخاوفهم من قدوم موعد خروج بريطانيا في 29 مارس/ آذار من هذا العام، من دون أن يكون هناك اتفاق، كما طرحت، وبشكل واضح، المخاوف الاقتصادية المباشرة على كلا الطرفين، الأوروبي والبريطاني، حيث قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن «البريطانيين لا يمكنهم تحمل أن تتوقف الطائرات عن الإقلاع أو الهبوط على أراضيهم، كما أن متاجرهم تؤمن إمدادات بنسبة 70% من أوروبا القارية».

لكن البريكزيت لا يطرح فقط مخاوف اقتصادية على أوروبا، وهي أساسية في أي نقاش حول واقع الاتحاد الحالي، أو مستقبله، بل يطرح مخاوف على الكيان الأوروبي في مجمله، في الوقت الذي تتصاعد فيه مخاطر عالمية كبرى، وفي الوقت الذي يبدو فيه النظام العالمي بدون ريادة، وفي ظل أزمة النظام الأمريكي السياسي، خصوصا مع توجهات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في إعادة التدقيق في العلاقات الاستراتيجية مع أوروبا.

مؤشرات بنيوية في قراءة المخاطر

– التقلص الديمغرافي:

أعادت قضية البريكزيت من جديد نقاش المشكلات البنيوية التي تعاني منها أوروبا، وبعضها مشکلات لا علاقة مباشرة لها بالحدث الحالي، لكنها تبرز على السطح من جديد في إطار المخاوف الأوروبية المتصاعدة، خصوصا أن انسحاب بريطانيا من الاتحاد يعني خروج أكثر من 66 مليون شخص، فبريطانيا من بين أكبر الدول الأوروبية من حيث عدد السكان، ومن حيث التطور التقني والاقتصادي والعسكري والاستخباراتي، وبخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي فإن عدد سكان الاتحاد سينخفض من 513 مليون نسمة إلى حوالي 447 مليون نسمة، وهو رقم قريب من الرقم الذي كانت عليه أوروبا في بداية القرن الماضي (423 مليون نسمة في عام 1900)، لكن مع فارق جوهري، وهو أن أوروبا في عام 1900 كانت تمثل سكانيا أكثر من 25% من عدد سكان العالم، وقد عرفت خلال القرن الثامن عشر صعودا كبيرا في مؤشرات التزايد السكاني، نتيجة التطور الاقتصادي الكبير، لكن مؤشرات الديموغرافيا في القرن العشرين تبرز تراجعا في تعداد السكان قياسا بقارات أخرى، فقد بلغ معدل الزيادة السكانية في أوروبا 0,8% بين 1920 و1970، في حين بلغ معدل النمو في الفترة نفسها 8,6% و2,9% و2,2% في قارات أمريكا
اللاتينية، وأفريقيا، وآسيا، على الترتيب.

تعاني أوروبا اليوم من عملية انتحار سكاني بحسب المحللين، ففي عام 2015 شهدت أوروبا ولادة 5,1 مليون طفل، في حين توفي 5,2 مليون شخص، كما أن عدد سكان أوروبا قياسا لعدد سكان العالم سيتقلص إلى 5% بحلول عام 2060، وذلك بحسب دراسة للاتحاد الأوروبي نفسه.

وبحسب تقرير شعبة السكان في الأمم المتحدة، فقد أتت عدد من دول الاتحاد الأوروبي في ذيل قائمة عدد المواليد نسبة لعدد السكان الإجمالي في كل بلد، فقد بلغت في إيطاليا والبرتغال 8 بالألف، وفي ألمانيا وإسبانيا 9 بالألف، والنمسا 10 بالألف، وفي عموم الاتحاد الأوروبي 11 بالألف، وفي مقابل هذه النسبة الضئيلة في الولادات، ارتفع معدل متوسط أعمار السكان في مجمل الاتحاد الأوروبي، حيث بلغ في عدد من الدول أكثر من 80 عاما، كما في ألمانيا، وسويسرا، وفرنسا، والنمسا، وهولندا، والدانمارك، والسويد. لا تلعب المؤشرات الديمغرافية اليوم لمصلحة الاتحاد الأوروبي، وهذه المؤشرات في ظل أزمات اقتصادية كبرى، قد تدفع بعض الدول الأوروبية للتفكير بمستقبلها على نحو مستقل عن الاتحاد الأوروبي، وهو ما يجد تعبيراته السياسية اليوم في غير بلد من بلدان الاتحاد.

– التفاوت الاقتصادي والمعيشي بين دول الاتحاد

يحتل الاتحاد الأوروبي المرتبة الثانية في خارطة الاقتصاد العالمي بعد الولايات المتحدة، وتليه الصين في الترتيب، وقد بلغ الناتج القومي الإجمالي للاتحاد الأوروبي في عام 2018 حوالي 18,8 ترليون دولار، وهو ما يمثل 22% من الاقتصاد العالمي، لكن الثقل الاقتصادي للاتحاد الأوروبي يتمثل في دول معينة، حيث تأتي ألمانيا في المرتبة الأولى أوروبيا، والرابعة عالمية، والمملكة المتحدة (بريطانيا) في المرتبة الثانية أوروبية، والخامسة عالمية، وفرنسا في المرتبة الثالثة أوروبية، والسادسة عالمية، وإيطاليا في المرتبة الرابعة أوروبيا، والثامنة عالميا، وإسبانيا في المرتبة الخامسة أوربيا، والرابعة عشرة عالميا.

سيشكل خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي تراجعا في مؤشرات الاتحاد الأوروبي في خارطة الإنتاج العالمي، حيث يبلغ الناتج القومي لبريطانيا حوالي 3 ترليون دولار سنوية، لكن الأهم من ذلك أن خروج بريطانيا من شانه أن يدفع الاتحاد الأوروبي لإعادة حساباته في كثير من القضايا، وعليه إيجاد حلول العدد من القضايا الاقتصادية المتعلقة بالتعاون الاقتصادي والخدمي مع لندن.

سيكون على عاتق ألمانيا وفرنسا أن يتحملا بشكل رئيس رسم خارطة اللوحة الاقتصادية للاتحاد الأوروبي، فخروج بريطانيا ترافق مع دعوات من قوى سياسية أوروبية في عدد من البلدان للعودة إلى الاقتصاد الحمائي/ الوطني، في تهديد صريح بالعمل للخروج من الاتحاد الأوروبي، حيث تشهد الساحة الحزبية الأوروبية اليوم وجود عدد من الأحزاب الفاعلة في المشهد، والداعية بشكل صريح للخروج من الاتحاد الأوروبي (إيطاليا، النمسا، المجر، وغيرها).

وبما يتعلق بمتوسط دخل الفرد في أوروبا، توجد فجوة واسعة بين دول الاتحاد، تصل تقريبا إلى أكثر من أربعة أضعاف بين أعلى الدول في تصنيف دخل الفرد في أوروبا (لوكسمبورغ، النرويج، ألمانيا) وبين الدول التي تقع في سلم التصنيف (اليونان، المجر، بلغاريا).

بطبيعة الحال إن التطور غير المتكافىء تاريخية هو السبب الرئيس في هذا فوارق الدخل، لكن دخول دول أوربية عديدة للاتحاد لم يحسن من أوضاع شعوبها، بل على العكس من ذلك، فإن هيمنة الصناعات القوية في دول مثل ألمانيا وفرنسا جعلها تهيمن على الأسواق الأوروبية، وخلق نوعا من الشعور بالتفاوت لدى الشعوب الأوروبية، وألزم الحكومات الضعيفة بإجراءات عديدة على مستوى المعايير لم تكن في مصلحة تحسين الناتج القومي، كما في مثال حقوق الملكية الفردية، فعلى سبيل المثال لا الحصر، إن تھب الصين من هذه الحقوق جعلها قادرة على المنافسة الصناعية، على الرغم من توقيعها عدد من الاتفاقات في هذا المجال. إن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي يطرح من جديد قضية المصالح القومية للدول الأوروبية في مقابل المصالح المشتركة، خصوصا أن وهم الاستفادة من الاتحاد الأوروبي تقلص في وعي الشعوب الأوروبية الأفقر، كما برزت في السنوات الأخيرة حالة من النقمة على طبقة موظفي الاتحاد الأوروبي في بركسل (عاصمة الاتحاد)، والتي باتت لها مصالح مستقلة عن الحكومات والشعوب.

– أزمة الهوية وصعود اليمين:

كان الطموح الأوروبي، منذ إطلاق الاتحاد الأوروبي، وفي أحد المفاصل الأكثر عمقا وحساسية، هو ترسيخ مقومات هوية ما فوق قومية، فقد عرفت أوروبا، في القرن العشرين، حربين عالميتين، أوجدتا شرخا كبيرا بين الشعوب الأوروبية، كما عمقت الحرب الباردة ذلك الشرخ، بتقسيم أوروبا بين شرق وغرب، بكل ما ينضوي عليه ذلك التقسيم من فجوات أيديولوجية، واجتماعية، واقتصادية.

وإذا كانت النزعة القومية، بما هي عليه كامتداد السياسات القرن التاسع عشر، قد عرفت أكثر تعبيراتها تشويها، من خلال صعود الفاشية والنازية، إلا أن تلك النزعة تبقى، على الدوام راسخة كتهديد في الوجدان السياسي الليبرالي واليساري.

وعبر الاتحاد الأوروبي، كفكرة خلاقة من جهة، وعبر تعبيراته المباشرة، من مثل السوق المفتوحة، والشراكات التجارية، والمشاريع الصناعية المشتركة، ومجالات البحث العلمي، وتكاملية الخدمات، وتوحيد المعايير، والانتقال الحر للبضائع والأفراد، والتعاون القضائي والجنائي، وغيرها من التعبيرات التي تطورت لمواجهة التحديات المتنامية.

إذا، عبر الاتحاد الأوروبي، كان معولا على إحداث تنافس إيجابي، يجعل من الفضاء الأوروبي العام هوية مواطنية، قادرة على مجابهة النزوع القومي، وبدلا من تأجيج الصراعات الأوروبية البينية، يكون الاتحاد الأوروبي، ككتلة، في مواجهة التحديات العالمية والعولمية، وبالتالي، يكون بالإمكان تجاوز تاريخ أوروبا الدامي، نحو تاريخ جديد، قائم على المصالح المشتركة، وتوزيع الفوائد على الجميع.

لكن الفكرة المثال تبقى، على الدوام، أمام امتحان الواقع، فعلى الرغم من الميزات الكثيرة التي حصل عليها المواطن الأوروبي، إلا أن هيمنة الدول الكبيرة على الاتحاد تبقى واحدة من المشكلات التي تواجه نمو هوية أوروبية مشتركة، كما أن أزمات الدول الصغيرة والفقيرة تشكل عبئا على الدول الكبيرة والغنية، ولقد وجدنا، بعد الأزمة المالية العالمية في عام 2008، صعودا واضحا لليمين الأوروبي، وازداد حضور اليمين، انتخابية، وعلى مستوى حدة الخطاب، بعد ثورات الربيع و العربي، وموجة اللجوء الكبيرة من بلدان الشرق الأوسط نحو أوروبا.

إن البريكزيت، الذي يشكل خيارا لتوجه بريطاني القومي، يعبر في الوقت ذاته عن حسابات مصلحية مباشرة لفئات اقتصادية وشعبية عديدة، ترى أن الاتحاد الأوروبي أصبح عامل إعاقة أمام تطوير الاقتصادات الوطنية، وأمام اتباع سياسات مصلحية منفردة، ويجعلها خاضعة للقرار الأوروبي المشترك، والتصويت البرلمان الأوروبي، وهو ما يتنافى مع حق السيادة من جهة، وما يتنافى مع ضرورة الرشاقة السياسية في اتخاذ خطوات وإجراءات من دون العودة إلى مرجعية كبرى، قد تعطلها بالكامل، أو تخضعها المعايير غير المعايير الوطنية.

– الأمن والدفاع:

يدرك النادرة الأوروبيون حجم المعضلة التي يخلقها خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، بما يتعلق بشؤون الأمن والدفاع، فبريطانياهي صاحبة أكبر موازنة أوروبية للدفاع في حلف الأطلسي، كما أنها الأفضل أوروبية من حيث استخدام التكنلوجيا المتطورة في مجال التسلح، عدا عن كونها قوة نووية، وسادس أقوى جيش في العالم، وقد أقرت مجموعة الأزمات الدولية بأن انسحاب بريطانيا من الاتحاد سيوجه ضربة في الصميم أحد أركان الاتحاد.

يتزامن خروج أوروبا مع دعوة واشنطن لدول أوروبا منذ سنوات، وبشكل أكثر حدة مع قدوم الرئيس ترامب إلى الحكم، من أجل تحمل تكاليف أكبر في حلف الأطلسي، حيث تغطي الولايات المتحدة 75% من ميزانية الحلف، بينما تغطي دول الاتحاد 25% فقط من الميزانية، وقد برز هذا التوجه الأمريكي في ظل إدارة الرئيس السابق باراك أوباما، لتقليل الاعتمادية الأوروبية على واشنطن، ودفع الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي لإقرار موازنات أكبر للدفاع، فدولة مثل ألمانيا لا تتجاوز نسبة إنفاقها الدفاعي أكثر من 1,3 % من أجمالي الناتج المحلي، وكذلك الأمر فإن فرنسا لا تنفق أكثر من 1,8 % من إجمالي ناتجها المحلي على الدفاع، وبعد الأزمة الأوكرانية، فإن القلق الأوروبي تجاه روسيا عاد بقوة إلى مسرح التخطيط العسكري الاستراتيجي، وأبرز بشكل واضح أن غياب التدخلات العسكرية في أوروبا لم ينته للأبد، وبالتالي فإنه من الضروري إعادة التفكير والعمل حول آليات الردع المتوفرة أوروبية، وهو ما يضع الدول الأوروبية الكبرى أمام واقع جديد، وخصوصا ألمانيا وفرنسا وإيطاليا، وهو ما يفسر عودة الدعوات الألمانية والفرنسية إلى إنشاء جيش أوروبي مشترك، وهو الأمر الذي بقي لفترة طويلة مجرد فكرة يهرب القادة الأوروبيون من تبنيها.

خلاصة

إن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي هو نقطة فارقة في تاريخ الاتحاد الأوروبي، حيث أنه يضع من جديد مصير هذا المشروع العملاق على المحك، كما يضع القادة الأوروبيين أمام مسؤوليات جديدة، ويكشف عيوبة بنيوية، طالما تجاهلت أوروبا بعضها، لكن مع خروج بريطانيا ستتحول تلك القضايا إلى قضايا انتخابية داخلية، ومجالا للصراع بين القوى والأحزاب السياسية، خصوصا مع انعكاس الكثير من القضايا على ميزانيات الدول، حيث ستترتب على الحلول المقترحة زيادة في الإنفاق على القضايا الأوروبية، بدلا من أن تذهب لحل مشكلات داخلية، كما في مسألة الإنفاق على الدفاع، والتي ستحتل مرتبة متقدمة في سلم الأولويات، بينما تعاني بعض الدول من نقص في ميزانيات الرعاية الاجتماعية.

________________________________

المراجع

Richard Gowan, Brexit and Global Security, 2016 July 8, International crisis group
Judy Dempsy, Europe After a No-Deal Brexit, Desember 20, CARNEGE EUROPE

المصدر: العدد الرابع من مجلة ملفات أسبار الشهرية التي يصدرها مركز أسبار للدراسات والبحوث بمدينة دوسلدورف الألمانية

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *