الرئيسية / مقالات / تركيا بين فخ أضنة ومقصلة سيزر

تركيا بين فخ أضنة ومقصلة سيزر

محسن عوض اللهتركيا بين فخ أضنة ومقصلة سيزر

الاتحاد برس – محسن عوض الله

كعادته عند أى خلاف مع واشنطن حول سوريا، لا يجد الرئيس التركي قبلة غير موسكو ليطوف حولها، ويقدم الولاء لزعيمها من أجل الحصول على مكسب فشل فى الحصول عليه من واشنطن.

فمع الخلاف الأمريكي التركي حول طبيعة المنطقة الأمنة التي تحدث عنها ترامب، ورحبت بها تركيا قبل أن يحدث خلاف حول المسئول عن تلك المنطقة، فى ظل رغبة أنقرة فى السيطرة عليها، وجلب الميليشيات والفصائل الموالية لها إلى هذه المنطقة وهو ما رفضته واشنطن.

ذهب أردوغان إلى موسكو حاملا معه أحلامه العثمانية فى تدخل جديد بسوريا يحمي الدولة التركية من المخاطر التي تمثلها وحدات حماية الشعب الكردية “الإرهابية” كما يصنفها نظام أردوغان رغم أنها أكثر من حارب الإرهاب باعتراف العالم كله.

وفى المؤتمر الصحفي الذي جمع الرئيسين أردوغان وبوتين فى 23 يناير الماضي تلقى أردوغان من نظيره الروسي ما اعتبره هدية لحل أزماته بسوريا ، فقد قال بوتن، إن اتفاقية عام 1998 بين دمشق وأنقرة حول مكافحة الإرهاب وضمان الحدود الجنوبية لتركيا لا تزال قائمة، مشيرا إلى أنها قد تساعد في ضمان أمن تركيا.

وفور عودته لأنقرة الخميس 24 يناير كرر أردوغان كلام بوتين، مؤكدا إن اتفاقية أضنة المبرمة مع دمشق، تسمح لتركيا بدخول الأراضي السورية، مشيرا إلى أن بلاده ستتكفل بإقامة المنطقة الآمنة على الحدود.

بدوره لم يتأخر وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو، فى الحديث عن اتفاقية اضنة مؤكدا امتلاك بلاده حق مكافحة التنظيمات الإرهابية داخل الأراضي السورية بموجب الاتفاقية المبرمة بين الجانبين عام 1998.

وأوضح أوغلو في مقابلة تلفزيونية، أن الاتفاقية تُلزم الجانب السوري بمكافحة التنظيمات الإرهابية التي تهدد أمن تركيا وحدودها، وتسليم الإرهابيين إلى أنقرة، مشيرا إلى أن لبلاده الحق في القيام بعمليات داخل الأراضي السورية، في حال لم يقم الجانب السوري بما يقع على عاتقه من واجبات وفق اتفاقية أضنة.

اتفاقية أضنة

وفقا لوكالة الأناضول التركية نصت اتفاقية أضنة على تعاون سوريا التام مع تركيا في “مكافحة الإرهاب” عبر الحدود، وإنهاء دمشق جميع أشكال دعمها لـ “بي كا كا”، وإخراج زعيمه عبد الله أوجلان من ترابها، وإغلاق معسكراته في سوريا ولبنان، ومنع تسلل إرهابيي هذا التنظيم إلى تركيا.

وشددت الأناضول على أنّ اتفاقية أضنة تنصّ على احتفاظ تركيا بممارسة حقها الطبيعي في الدفاع عن النفس، وفي المطالبة بـ”تعويض عادل” عن خسائرها في الأرواح والممتلكات، إذا لم توقف سوريا دعمها لـ “بي كا كا” فورا. كما تعطي الاتفاقية تركيا حق “ملاحقة الإرهابيين” في الداخل السوري حتى عمق 5 كيلومترات، و”اتخاذ التدابير الأمنية اللازمة إذا تعرّض أمنها القومي للخطر.

ربما يكون ما ذكرته الوكالة الرسمية التركية حول اتفاقية اضنة صحيحا ولكن ما لم تذكره الأناضول أنه يلزم من أجل تفعيل الاتفاقية تعاملا مباشرا بين الحكومتين السورية والتركية !

كما لم تذكر الأناضول أن الاتفاقية تنص على مبدأ المعاملة بالمثل، فبحسب موقع “نورديك مونيتور” السويدى فإن مبدأ المعاملة بالمثل الذى تنص عليه الاتفاقية، يقتضى إلتزام تركيا بوقف تسليح ورعاية المجموعات المعادية للرئيس السورى بشار الأسد، وهو ما يضع أردوغان فى موقف لا يحسد عليه الآن مع نزيف الخسائر الذى تعرضت له سوريا خلال السنوات الأخيرة بسبب الإرهاب.

ويري الموقع أن اتفاق أضنة الموقع عام 1998 ستسبب مزيدا من المتاعب للرئيس التركى رجب أردوغان، فى ظل تورط حكومته فى تسليح وتقديم الدعم اللوجيستى للجماعات الإرهابية فى سوريا، ما يشكل انتهاكات فادحة للاتفاقية.

فخ روسي

اعتقد أردوغان أن حديث بوتين عن اتفاق اضنة كمسوغ قانوني يمنح تركيا حق التدخل بشمال سوريا هدية أو مكأفاة من الدب الروسي لصديقه السلطان العثماني ولكنه فى الحقيقة كان فخا محكما أعده الثعلب بوتين للزعيم التركي.

فبحسب أرطغرل غوناي وزير الثقافة والسياحة التركي السابق فإن الاقتراح الروسي يبدو في الوهلة الأولى، وكأنه فرصة تعزّز موقف تركيا، ألا أنه يحتوي على نقطتين مهمتين، الأولى أن المخاطب في هذه الاتفاقية هو الدولة السورية الحالية بقيادة الأسد وفق القانون الدولي، والثانية أن الاتفاقية مع أنها تفرض التزامات على سوريا بالأساس إلا أنها تشير في الوقت ذاته إلى ضرورة الالتزام بالشروط بشكل متبادل بين الدولتين. بمعنى أن الاتفاقية تحتّم على تركيا الجلوس على الطاولة ذاتها مع سوريا من جهة، وتقديم أجوبة مقنعة للأسئلة السورية بشأن سجلها وموقفها من شروط هذه الاتفاقية.

الإتفاقية التي تدعو أنقرة لتطبيقها تسمح لتركيا بالتدخل فعلا فى سوريا بعمق خمسة كيلومترات، فى حين أن أنقرة حاليا تحتل 400 كيلو متر من مساحة سوريا بعمق 45 كيلومترات وهو ما يلزم أنقرة حال رغبتها فى تفعيل الإتفاقية بالانسحاب 40 كيلومتر باتجاه حدودها والاكتفاء بالخمس كيلومترات التي تسمح بهم الإتفاقية.

موقف دمشق

الحكومة السورية من جانبها لم تتأخر فى اعلان موقفها من اتفاقية فى أضنة، فبحسب وكالة الأنباء سانا فقد أكدت الحكومة السورية التزامها الكامل باتفاق أضنة الموقع مع تركيا ، إلا أنها اتهمت أنقرة بخرقها عبر دعم الإرهاب وتمويله وتدريبه وتسهيل مروره إلى أراضيها.

وبتاريخ السبت26 يناير أعلن مصدر مسؤول في وزارة الخارجية أن أي تفعيل لهذا الاتفاق يتم عبر إعادة الأمور على الحدود بين البلدين كما كانت، وأن يلتزم النظام التركي بالاتفاق ويتوقف عن دعمه وتمويله وتسليحه وتدريبه للإرهابيين، وأن يسحب قواته العسكرية من المناطق السورية التي يحتلها، وذلك حتى يتمكن البلدان من تفعيل هذا الاتفاق الذي يضمن أمن وسلامة الحدود لكليهما.

مأزق أردوغان

يبدو موقف أردوغان من اتفاقية أضنة كالغارق يبحث عن قشة يتمسك بها حتى لو كانت هذه القشة ظهر تمساح يمكن ان يبتلعه، فاللجوء التركي لأضنة أو إن صح توجيه موسكو لأنقرة لتفعيل اتفاقية أضنة يأت ضمن سياسة روسيا الساعية لانهاء سنوات القطيعة التي يتعرض لها نظام بشار واعادة تأهيل الأسد مرة أخري للاندماج بالمجتمع العربي ودول الجوار وعلي رأسها تركيا .

ولا يمكن اغفال أن زيارة الرئيس السوداني عمر البشير لدمشق كأول رئيس عربي يلتقي بشار الأسد منذ اندلاع الثورة السورية تمت فى طائرة عسكرية روسية بحسب الكثير من وسائل الإعلام العالمية.

أزمة تركيا ليست فى رفض دمشق تنفيذ اتفاقية أضنة دون التزام تركيا بها، الأزمة الأكبر الذي تواجه أردوغان هو إلزام الإتفاقية لأنقرة بتطبيع علاقاتها وتنسيق مواقفها الأمنية مع دمشق، فبحسب موقع “نورديك مونيتور” السويدى تنص الإتفاقية على إقامة وتشغيل خط اتصال هاتفى مباشر بين السلطات الأمنية العليا لدى البلدين، وتعيين ممثلين خاصين أمنيين فى بعثتيهما الدبلوماسيتين فى أنقرة ودمشق، لمراقبة تطبيق الاتفاقية والمشاكل التى قد تظهر.

فضلا عن ضرورة قيام أنقرة بتسليم الإرهابيين الموجودين على أراضيها لسوريا وما أكثرهم منذ 2011 وهو أمر حال حدوثه قد يجعل من تركيا هدفا للجماعات الإرهابية التي دربتها ودعمتها على مدار سنوات الأزمة السورية، ولا يمكن أن تقبل هذه الجماعات بفكرة تقارب تركي سوري على حساب بقاءها وهو ما قد يجعلها تعلن الحرب على نظام أردوغان نفسه.

ما لا يدركه أردوغان أن اتفاقية أضنة التي اقترحت موسكو إعادة تفعيلها لضمان أمن تركيا، ربما تدفع بالعلاقات الأمريكية التركية لمزيد من التعقيد والخلافات، بل ربما تجد أنقرة نفسها واقعة تحت طائلة العقوبات الأمريكية خاصة بعد قانون سيزر الذي أقره الكونجرس الأمريكي بالتزامن مع زيارة أردوغان لموسكو.

قانون سيزر

قانون حماية المدنيين السوريين أو قانون “سيزر” أقره مجلس النواب الأمريكي بالإجماع فى 22 يناير، وينص على فرض عقوبات على الحكومة السورية والدول التي تدعمها مثل إيران وروسيا لمدة 10 سنوات.

وبحسب رويترز، قالت لجنة الشؤون الخارجية في المجلس في بيان لها إن مجلس النواب الأمريكي صوت على تفعيل قانون سيزر لحماية المدنيين السوريين لعام 2019 من أجل فرض عقوبات جديدة على حلفاء سوريا في مجالات الطاقة والأعمال والنقل الجوي.

وجاء في بيان الخارجية الأمريكية أنه “بموجب قانون سيزر لحماية المدنيين في سوريا، سيُطلب من الرئيس فرض عقوبات جديدة على أي شخص أو جهة يتعامل مع الحكومة السورية أو يوفر لها التمويل.

أهمية القانون

بحسب مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبد الغني فإن قانون سيزر مختلف تماماً عن كل القرارات الدولية ومخرجات مجلس الأمن التي لم تجد طريقا للتنفيذ على الأرض، فهو قرار ملزم بأعلى الدرجات، ولا تساهل بالتعامل معه، وأي خرق لهذا القانون يعني الخضوع للعقوبات الأمريكية التي تصنف الأقسى في العالم.

ويشير عبد الغني فى تصريحات صحفية إلى أن هذا القانون يعاقب كل من يوفر أي دعم للحكومة السورية أو حتى مسؤول رفيع في النظام، سواء كان تقنيا أو ماديا، ويشمل حتى القوات الروسية والإيرانية، لافتا أن القانون لا يشمل فقط الدول أو المنظمات التي تدعم أو تفكر بدعم النظام السوري، بل بنوده تشمل الأفراد، وأي شخص يقدم دعماً للنظام السوري فهو سيقع تحت طائلة العقوبات الأمريكية الأخيرة.

تركيا وسيزر

بحسب رويترز اكتفي المشرعون الأمريكان بذكر روسيا وإيران كدول داعمة للنظام السوري يمكن أن يتم تطبيق قانون سيزر عليها، ربما يكون هذا الأمر صحيحا قبل حديث أردوغان عن اتفاقية اضنة التي تلزم تركيا بتنسيق مواقفها الأمنية مع دمشق، وقبل اعلان وزير خارجية أردوغان بوجود اتصالات بين حكومة أنقرة والنظام السوري وهو ما اعترف به أردوغان نفسه فى تصريحات صحفية مبررا ذلك بأنه ” لا عداوات دائمة والعلاقة الأمنية والمخابراتية تختلف عن السياسية” !

إذا كان القانون قد حدد إيران وروسيا بحكم تعاونهم المعلن والمعروف مع النظام السوري فهل يمكن أن تتعرض تركيا لعقوبات سيزر حال ثبوت وجود اتصالات وتنسيق أمني بين دمشق وأنقرة ؟

بعيدا عن إسم سيزر الذي اشتهر به القانون والذي يعود إلى مصور عسكري سوري انشق عن نظام الأسد عام 2014، وسرّب 55 ألف صورة لـ 11 ألف سجين قتلوا تحت التعذيب، واستخدم اسم سيزر لإخفاء هويته الحقيقية، القانون فى مسماه يعرف بحماية المدنيين السوريين وهو ما يجعل كل انتهاك أو جرائم ترتكب ضد المدنيين بسوريا تهمة يجب محاكمة فاعلها وفقا للقانون الأمريكي، وهو ما قد يفتح الباب أمام ضحايا انتهاكات تركيا وميليشاتها الإرهابية بعفرين وغيرها من مدن الشمال التركي لمقاضاة أردوغان أمام المحاكم الأمريكية خاصة أن القانون لا يشمل فقط الدول أو المنظمات التي تدعم أو تفكر بدعم النظام السوري، بل أن بنوده تضع الأفراد المتورطين فى ارتكاب جرائم ضد المدنيين وهو ما يفتح الباب لمحاكمة أردوغان على جرائمه ضد المدنيين ، كما يمكن ملاحقة قادة الميليشات الإرهابية وكل من شارك فى قتل المدنيين بعفرين خاصة أن القانون يفرض عقوبات على الأفراد الأجانب الذين ينشطون كمتعاقدين عسكريين أو في ميليشيات تقاتل لصالح أو نيابة عن الحكومة السورية وروسيا وإيران أو تركيا فوق الأراضي السورية.

وما يعزز من احتمالية وقوع تركيا تحت طائلة عقوبات قانون سيزر محاولات موسكو لاجبار أنقرة على تطبيع علاقاتها مع دمشق وهو أمر لا يمانعه نظام أردوغان بل اعترف به بشكل علني ، ولا أعتقد أن أردوغان قد يمانع من تنسيق أمني مع دمشق خاصة إذا كان ذلك ضد الوحدات الكردية بشمال سوريا التي تصنفها تركيا كتنظيم إرهابي، ويبحث أردوغان عن أى وسيلة لاقناع روسيا بالموافقة على عملية عسكرية تركية بشرق الفرات وهو ما يجعله مستعدا لتقديم أى تنازل فى سبيل ذلك حتى لو تطلب الأمر الموافقة على عقد قمة ثنائية مع بشار الأسد.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *