الرئيسية / مقالات / دوافع الانسحاب الأمريكي من سوريا وتداعياته.. الصراع على ملء الفراغ

دوافع الانسحاب الأمريكي من سوريا وتداعياته.. الصراع على ملء الفراغ

حسام أبو حامددوافع الانسحاب الأمريكي من سوريا وتداعياته.. الصراع على ملء الفراغ

حسام أبو حامد

مقدمة

في 19 ديسمبر/ كانون الأول، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب البدء بتنفيذ انسحاب وصفه ب الكامل والسريع» لقواته من الأراضي السورية، مبررا ذلك بأن القوات الأمريكية نجحت في هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، ولم يعد من حاجة لبقائها في سوريا.

ترافق ذلك مع إعلان مسؤولين أمريكيين، في تصريح الوكالة رويترز، أن ترامب يعتزم سحب أكثر من 5000 من بين 14000 جندي أمريكي من أفغانستان، في مؤشر على أن صبره بدأ ينفد إزاء استمرار التدخلات العسكرية في الخارج بصفة عامة.

أثار القرار ردود أفعال عاصفة داخل الإدارة الأمريكية، واتهامات لها بالتخلي عن حلفائها، وقبولا حذرة من قبل خصومها. وبدأت مختلف أطراف الصراع السوري تتهيأ لملء الفراغ الناجم عن الانسحاب الأمريكي بما يخدم مصالحها، وينسجم مع أجنداتها الخاصة، فجميعها تدرك أن السيطرة الميدانية ستكون مفتاح التأثير على طاولة المفاوضات في خضم مسار حل سياسي تتسارع خطواته في المرحلة القادمة.

الاعتراضات، والمخاوف، وردود الأفعال، التي عبرت عن استيائها من القرار، لم تثن الرئيس الأمريكي عن المضي في التمسك بقراره، ليرد مغردا عبر تويتر بأن الخروج من سوريا لم يكن مفاجئا، فقد سبق أن عبر عن رغبته في سحب قواته من سوريا في أكثر من مناسبة بدءا من حملته الانتخابية، قبل أن يوافق على المكوث هناك فترة أطول. كما أشار، في معرض تبريره القرار، إلى أنه اتفق مع الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، على أن تتولى تركيا القضاء على بقايا تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، بينما تتولى السعودية تمويل إعادة إعمار سوريا، نيابة عن ردود أفعال دولية الولايات المتحدة.

ماهي الدوافع الحقيقية لقرار ترامب المفاجئ؟ وماهي تداعيات القرار على مصالح أمريكا وحلفائها في المنطقة، الأكراد وتركيا بشكل خاص، وعلى توازنات القوى، والاستقرار في المنطقة؟

اعتراضات ومخاوف

صدم القرار حلفاء واشنطن، ورأى فيه عسكريون وسياسيون أمريكيون فرصة مجانية للخصم الروسي کي يعزز مواقعه في سوريا، بعد تحقيقه نجاحات متتالية عسكرية وديبلوماسية، ناهيك عن أن القرار لا يخدم خطط احتواء إيران التي جعلت منه الإدارة الأمريكية أولوية قصوى لاستراتيجيتها في المنطقة، خصوصا بعد المكاسب التي حققها النظام السوري في الأشهر الأخيرة على الأرض، بدعم من إيران وميليشياتها، كما حذر مسؤولون أمريكيون، وحلفاء واشنطن في كل من لندن وباريس، من تداعيات القرار الذي يمنح فرصة الحياة مجددة لتنظيم «داعش»، طالما لم يتم القضاء عليه نهائيا.

اتخذ ترامب قراره من دون تنسيق مع مستشاريه للأمن القومي، وعارضه كل من وزير خارجيته مايك بومبيو، ومستشاره للأمن القومي جون بولتون، وقدم المبعوث الخاص للتحالف الدولي ضد تنظيم الدولة الإسلامية بريت ماكجورك استقالته، قبل موعد تقاعده المقرر في فبراير/ شباط الحالي، وقبلها بيوم واحد، برر وزير الدفاع الأمريكي جيمس ماتیس قراره بالاستقالة بأن ترامب قد أغفل معاملة الحلفاء باحترام، ولم يدرك قواعد الخطر والمنافسين الاستراتيجيين.

نفت موسكو أن يكون القرار الأمريكي جاء بعد محادثات مع روسيا وبلدان عربية. وبعد أن رحبت بالقرار عادت لتستغله فرصة مناسبة للهجوم على السياسة الأمريكية، بوصفه خطوة أمريكية “متخبطة” و “غير واضحة”، وأن القرارات الأمريكية المفاجئة طالما سببت حالة من التعقيد في العلاقات الدولية. كذلك فعلت إيران في أول رد فعل رسمي لها على القرار الأمريكي، على لسان المتحدث باسم الخارجية الإيراني بهران قاسمي، الذي اعتبر التواجد الأمريكي في المنطقة، منذ البداية، خطوة خاطئة، واصفا إياه ب “غير العقلاني” وأنه كان «عامة لإثارة التوتر».

قوات سوريا الديمقراطية «قسد» التي أدركت أن الانسحاب الأمريكي يعني المواجهة المباشرة مع تركيا، استنكرت قرار الانسحاب، ووصفته بأنه «طعنا في الظهر» يعطي الإرهاب وداعميه ومؤيديه زخما سياسيا وميدانيا وعسكريا للانتعاش مجدداً.

رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو أعلن أن إسرائيل ستدرس الجدول الزمني لهذا القرار وأسلوب تطبيقه وتداعياته على المصالح الإسرائيلية، مذكرة بحق إسرائيل في الدفاع عن نفسها، وصون أمنها انطلاقا من الساحة السورية، ليبقى رد الفعل الإسرائيلي منسجما مع المصالح الاستراتيجية الأساسية لإسرائيل، ولاسيما احتواء التهديد الذي تمثله إيران ووكلاؤها، والذين يرجح أن يزداد نفوذهم في حال تسبب الانسحاب الأمريكي بفراغ سياسي. لذلك تضغط إسرائيل من أجل تأجيل الانسحاب الأمريكي، بما يتيح لها كسب الوقت لوضع استراتيجية دفاعية، بغية الحفاظ على أمنها وهامش المناورة أمامها، لمهاجمة الأهداف الإيرانية في دمشق ومحيطها. وقد ظهرت علامات التأجيل جلية في الأيام الأخيرة، بعد حديث ترامب عن انسحاب بطيء ووضع إدارته شروطا لإتمام انسحابها من سوريا (منها تعهد تركيا بعدم التعرض للأكراد)، بينما استمرت اسرائيل بشن هجماتها الصاروخية التي طالت إيران والميليشيات المتحالفة معها على الأراضي السورية السعي التركي الملء الفراغ قد يشكل حاجزة في وجه إيران، مما يعني توافر فرص للتنسيق بين تركيا وإسرائيل، رغم الخلافات القائمة بينهما في ملفات أخرى.

دور تركي أم توريط أمريكي؟

بعد تهديد أنقرة بتنفيذ عملية عسكرية ضد المقاتلين الأكراد، المدعومين أمريكية في شمال شرق سوريا، أجرى ترامب اتصالا هاتفية مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في 14 ديسمبر/ كانون الأول 2018، رتب له بومبيو، الذي أسهم مع ماتيس وآخرون في إعداد ملاحظات لترامب يسترشد بها خلال الاتصال الهاتفي، الذي هدف إلى الوقوف في وجه العملية التركية، إلا أن ترامب قبل شكوى أردوغان من أن الولايات المتحدة تقوض الأمن التركي، بدعمها الأكراد، وبعد أن تلقى ترامب تأكيدات من أردوغان بأن بلاده ستتولى مهمة محاربة «داعش»، خاطبه قائلا: «هي لك إذا، لقد انتهينا» ليعلن لاحقا قراره بالانسحاب من سوريا متجاه ملاحظات مستشاريه.

توحي السياقات التي صدر عنها قرار الانسحاب بصفقة ما بين تركيا والولايات المتحدة، خصوصا أن الخارجية الأمريكية أعلنت في اليوم نفسه من صدور القرار موافقتها على بيع نظام باتريوت الصاروخي الأمريكي أنقرة بقيمة 3,5 مليارات دولار، من دون أن تربط ذلك بوقف صفقة شراء تركيا منظومة الصواريخ الروسية رأس -400»، كما كانت تشترط سابقا. لكن يبدو أن إتمام صفقة الأسلحة مرتبط بإخراج محكمة تركية في أكتوبر تشرين الأول الماضي عن القس الأمريكي أندرو برانسون، الذي سبب احتجازه أزمة ديبلوماسية بين البلدين، بعد أن شكل ضغطا داخليا على الرئيس الأمريكي، لاسيما من قبل ناخبيه المسيحيين الإنجيليين، أكثر من ارتباطه بالانسحاب الأمريكي وتفويض أمريكي لتركيا.

وبعد يومين من إعلان ترامب قرار الانسحاب، أعلن أردوغان أن تركيا ستتولى المعركة ضد تنظيم «داعش» في سوريا، مع سحب الولايات المتحدة قواتها، مؤكذا أنها ستستهدف، أيضاء وحدات حماية الشعب الكردية التي تدعمها واشنطن. لكنها استشعرت أيضا ضرورة التنسيق مع الجانب الأمريكي لضمان انسحاب دون صدام، يحافظ على مصالح الطرفين، فأعلنت عن استقبال بولتون خلال أيام، كما نشقت مع روسيا، وبدرجة أقل مع إيران، لتفادي الفوضى وتصادم المصالح، فأرسلت إلى موسكو وفدها الذي ضم وزيري الدفاع والخارجية ورئيس جهاز الاستخبارات.

للوهلة الأولى يبدو الانسحاب الأمريكي مكسبا حقيقيا التركيا، بوصفه ينهي دعما أمريكية للقوات الكردية، لكن تركيا تعي أن انسحابا کھذا لا يعني تقويضا تلقائيا للمشروع الكردي في الشمال السوري، فقد يستمر الدعم الأمريكي حتى بعد الانسحاب، لاسيما مع بقاء قوات التحالف الدولي، والسيناريوهات المحتملة حول عودة الأكراد للتحالف مع روسيا، وقد تقطع القوات الكردية الطريق على أنقرة باتفاق مع نظام الأسد أيضا، فقد يوافق الأخير على إبقاء سيطرتها على بعض المناطق، إن تعهدت بمقاومة التدخل التركي، كما يحتمل أن يفتح الأكراد بعض مناطقهم للنظام والميليشيات المتحالفة معه.

يترتب على قرار ترامب تحديات كبيرة وأعباء ضخمة يواجهها الأتراك، في ظل سباق عسكري محموم بين تركيا وإيران وروسيا لملء الفراغ الحاصل، فلا يمكن القول إن قرار ترامب بالانسحاب جاء تحقيقا لمصالح تركية، أو صدر نتيجة ضغط تركي، أو بمجرد التشاور مع أردوغان هاتفيا، وإلا فإنه من المفترض أن يتم تسليم مناطق النفوذ الأمريكي لتركيا قبل الانسحاب منها، بالتنسيق المسبق معها، لكن ذلك ما سعت إليه السلطات التركية بعد علمها بالانسحاب.

يمكن القول إن الانسحاب الأمريكي لا يقدم أي ضمانات للمصالح التركية، بل رأت فيه أوساط سياسية وإعلامية تركية توريطأ أردوغان، أكثر من منحة دورة يطلق يده في الشأن السوري. وإذا ما أصرت تركيا على ملء الفراغ عبر تدخل عسكري، فسيكون هناك امتحان لنوايا الآخرين، لا سيما روسيا وإيران. ولا يبدو أن الإسناد المهمة لما يسمى الجيش السوري الحر، أو غيره من التشكيلات السورية المسلحة المدعومة من تركيا فكرة مضمونة النتائج تبقي المسألة بين السوريين. والاحتمال الأسوأ بالنسبة للأنقرة هو أن يكون الدفع بقوة أكبر من أجل وضع شرق الفرات تحت المراقبة الدولية، وبذلك تتخذ المسألة منحى معقذا يصعب على تركيا التوصل إلى حل له.

وفي ظل عدم رغبة تركيا، وعدم قدرتها على التمدد على كامل مناطق شرق الفرات، وبالنظر لتفرد روسيا بالملف السوري، وحضور النظام وإيران أكثر من أي وقت مضى، تمشکت تركيا بسعيها لإقناع مختلف الأطراف بمنطقة آمنة بدعم مادي ولوجستي من التحالف الدولي. ويبدو أنها، حتى اللحظة، حظيت بموافقة ترامب، ورأت فيها قوات «قسد» فرصة أخيرة لدفع الخطر التركي، شرط أن تخضع المنطقة الإشراف دولي، بينما تسعى تركيا إلى ضمان سيطرتها فيها عسكريا واستخباراتيا.

خلاصة

مع نهاية العام ،2018 تفاقمت المشكلات والتحديات القانونية والسياسية التي يواجهها ترامب، إذ اقترب المحقق الخاص موللر من تقديم التقرير النهائي حول قضية التدخل الروسي في الانتخابات الأمريكية العام 2016، وتزايد احتمالات تورط أعضاء من فريق ترامب الانتخابي في هذه القضية، بعد أن اقتربت التحقيقات منه شخصيا ومن عائلته وأعماله، مع تزايد موجات الإقالات والاستقالات في إدارته، كما أن الفوز الكاسح للديمقراطيين بمجلس النواب يضع المعوقات أمام سياسته الداخلية وتمرير مشاريعه. الخروج من هذه الضغوط والحفاظ على قاعدة دعمه الشعبية، المسألة الأهم حاليا بالنسبة لترامب، اقتضت ظهوره بمظهر الوفي لوعوده الانتخابية، التي كان سحب القوات الأمريكية من سوريا أحدها، باعتبار أن معركته الكبرى وأولويته الرئيسية الآن هي الاستعداد للانتخابات الرئاسية القادمة.

لا يمتلك ترامب استراتيجية حقيقية في سوريا، وينسجم قراره بالانسحاب مع شعبويته، وسلوكه السياسي القائم على الحسابات الداخلية والانتخابية تركيزا على الاقتصاد في السياسة الداخلية، ورفضا في الخارجية منها لاستمرار أمريكا في حماية الآخرين، أو خدمة مصالحهم من دون مقابل، بوصفها «شرطي الشرق الأوسط»، وهو ما يلقى قبولا واسعا في الشارع الأمريكي، بقراره، يسعى ترامب للاستثمار مبكرا في السياسة الخارجية، قبل أن تتولى الأغلبية الديمقراطية رئاسة مجلس النواب لتنافسه في الهيمنة على الساحة السياسية الداخلية.

وإذا كان من الغباء» وضف ترامب بأنه «عميل روسي» كما صرح مؤخرة مستشار في الكرملين، بعد أنباء صحافية قالت إن مكتب التحقيقات الفدرالي الأمريكي فتح في 2017 تحقيقا لمعرفة إن كان الرئيس الأمريكي يعمل الحساب روسيا، فإن قرار ترامب على الأقل لا يخدم مصالح الولايات المتحدة، ولا مصالح حلفائها، بقدر ما يخدم خصومها، والحسابات الداخلية والانتخابية للرئيس الأمريكي، وهو في نهاية التحليل لا يصب في صالح الاستقرار في سوريا والمنطقة، طالما لم يأت ضمن إطار أشمل، يؤدي إلى خروج جميع القوات والميليشيات الأخرى من سوريا، وفي إطار تسوية سياسية تفضي إلى حل سياسي دائم، ما يعني خلطة للأوراق، ومزيدا من الفوضى غير الخلاقة.

مراجع

مايكل يونغ، مطالعة دورية لخبراء حول قضايا تتعلق بسياسات الشرق الأوسط وشمال إفريقيا و مسائل الأمن بعنوان: كيف ستتعامل إسرائيل مع انسحاب أمريكي محتمل من سوريا؟ مركز كارنيغي للشرق الأوسط، 10 كانون الثاني / يناير 2019

سعيد الحاج، تركيا وتحديات الانسحاب العسكري الأمريكي من سوريا. موقع «الجزيرة نت»، 1 كانون الثاني/ يناير 2019

قرار ترامب الانسحاب من سوريا، مبرراته وسياقاته وتداعياته، تقدير موقف صادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. صحيفة «العربي الجديد»، 31 كانون الأول/ ديسمبر 2018

المصدر: العدد الرابع من مجلة ملفات أسبار الشهرية التي يصدرها مركز أسبار للدراسات والبحوث بمدينة دوسلدورف الألمانية

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *