الرئيسية / مقالات / «وثيقة الأخوة الإنسانية» وعقلنة الخطاب الديني

«وثيقة الأخوة الإنسانية» وعقلنة الخطاب الديني

حسام ميرو«وثيقة الأخوة الإنسانية» وعقلنة الخطاب الديني

حسام ميرو

تشكّل زيارة بابا الفاتيكان فرنسيس لدولة الإمارات، حدثاً تستعاد معه، في كلّ مرة، نقاشات فكريّة وراهنة عن علاقات الدين، بوصفه خطاباً، أو مؤسسة، مع مناحي الحياة كافة، ويضاف إليها مسألة العلاقة بين الأديان، والتي لاتزال تحتلّ حيّزاً مهماً في النقاش العالمي حول التعددية، ومسألة العلاقة بين الذات والآخر، وهي علاقة باتت أكثر إشكالية في وقتنا الحالي، لجهة التداخل الحاصل بين الدين والسياسة في مناطق عديدة من العالم.

من هذا الباب، فإن زيارة البابا إلى الإمارات، ومشاركته في «ملتقى الحوار العالمي بين الأديان حول الأخوة الإنسانية»، ولقاءه شيخ الجامع الأزهر، وتوقيعهما «وثيقة الأخوة الإنسانية» تشكل فرصة لنقاش قضايا عديدة، راهنة ومستقبلية في الوقت نفسه، حول تعدد الهويّات، وهنا نتحدث عن الهويّة الدينية، وضرورة ألا تكون هذه الهويّة مرجعية للصراع بين الشعوب، وألا تستغل، بما فيها من اختلافات، سياسياً، من قبل أفراد أو جماعات أو دول، لوضع الذات في تناقض مع الآخر، وهو الأمر الذي لايزال يعيق تطوّر مجتمعات بأكملها، أو يشعل حروباً في غير مكان.

إن التاريخ الأوروبي، الحافل بالصراعات الدينية، حدثت فيه تحوّلات وقفزات كبيرة، بفضل التنوير، ومن ثمّ بفضل الحداثة، وقد أصبحت الحروب الدينية في أوروبا جزءاً من الذاكرة البعيدة لشعوبها، وهو ما أسهم في ترسيخ قيم جديدة، ومشتركات جديدة بين المواطنين. فمع انتهاء حرب الثلاثين عاماً (1618-1648)، تكرّس في معاهدة «وستفاليا» مبدأ سيادة الدول، وقد كان هذا المبدأ نقطة انطلاق نحو تاريخ جديد لأوروبا، وهو التاريخ الذي اتضحت معالمه أكثر مع القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، واللذين عرفا نهضة صناعية وعلمية وفكرية هائلة. فقد راحت ترتسم الخطوط بين المؤسسة الدينية وبين المجتمع والدولة، وهو ما سيسمح للقوى والفئات الاجتماعية والاقتصادية أن تبلور مساراً تاريخياً مختلفاً عن كل ما عرفته أوروبا في تاريخها القروسطي، خصوصاً فيما يتعلق بموضوعات، من مثل الدولة، والمواطنية، والديمقراطية، والكونية، والعقلانية.

تأسست أوروبا الحديثة، وعبر مسار قرون، على ثلاث ركائز كبرى، وهي العقلانية، والحداثة، والكونية، وقد بات بالإمكان النظر إلى الظاهرتين الطبيعية والاجتماعية من خلال العلوم، وأصبح بإمكان العقل أن ينظر في كلّ الظواهر، وأن يقوم بتفسيرها، من دون قيود، إلا قيود محدودية المعرفة نفسها، ومحدودية الأدوات، وكلما تطورت المعرفة وتطورت أدواتها أصبح بالإمكان سبر الظواهر الطبيعية والاجتماعية بشكل أفضل.

أما الحداثة، فقد أحدثت حالة تصالح مع الإرث الإنساني، ووضعته هو الآخر تحت المجهر، من دون وضع الماضي كحد أمام التطور، أو تحويله إلى مقدّس. أما الكونية، فكان من شأنها أن تخلّص المعرفة من أي عنصريّة، فالمعرفة ليست شرقية أو غربية، وإنما هي ابنة الإنسانية، ويمكن أن تخدم الإنسان في كل مكان، كما أن المنتج الإنساني يمكن تعميمه، من الفكر حتى الآلة، مع ترك حريّة الاختيار للبشر أنفسهم في تحديد أولوياتهم.

لم يلغِ التطوّر الفكري والعلمي والتكنولوجي في أوروبا الحاجة إلى الدين، بوصفه علاقة روحانية، كما أن الدولة، بدساتيرها وقوانينها، أصبحت فضاءً مشتركاً لجميع المواطنين، بغضّ النظر عن انتماءاتهم الفكرية والعقائدية والأيديولوجية، وتتيح بشكلٍ متساوٍ للجميع ممارسة تلك الأفكار والعقائد والأيديولوجيات، ضمن أطر واضحة ومنظمة.

لقد عاش العرب، خلال المئة عام الماضية صراعات مجتمعية، تمّ فيها تسخير العقائد في السياسة، كما شهدت بعض البلدان حروباً أهلية بين طوائفها، بشكلٍ مباشر، أو غير مباشر، وشهدنا صعود قوى راديكالية عمياء، لا تقبل الآخر، بل تذهب إلى حد تكفيره، وفي أحيان كثيرة استباحة دمه، وقد دفع ملايين البشر في منطقتنا ثمناً باهظاً لهذه الصراعات، مع تراجع وفشل المشاريع الكبرى، سياسياً وحضارياً.

إن صعود الخطاب الراديكالي الديني له أسباب عديدة، ويجب العمل على تفكيكها، فهو ظاهرة تاريخية اجتماعية اقتصادية سياسية، ومن بين سبل مواجهة هذا الخطاب بناء خطاب مغاير، يضع معايير الأخوّة الإنسانية في مقدمة اهتماماته، وأن يصغي للمشكلات الحقيقية للبشر، بدلاً من التركيز على مسائل خلافية، لا تساعد في تنمية العلاقات الإنسانية، ولا تساعد في بناء المشتركات، بل إنها تذهب نحو تقويضها، وتسعير الصراعات والحروب.

وبعد ما شاهدناه من كوارث حقيقية في الأعوام الماضية، ومن بينها الصراعات الدينية والمذهبية، فإن عقلنة الخطاب الديني بشكل عام، تصبح ضرورة راهنة، وهي مهمّة مشتركة لجهات عديدة، من بينها المؤسسة الدينية نفسها، عبر التركيز على العوامل المشتركة بين البشر وقيم التسامح والتنوع، وهي الرسالة التي حملها «ملتقى الحوار العالمي بين الأديان حول الأخوة الإنسانية»، و«وثيقة الأخوة الإنسانية» التي وقعها شيخ الأزهر وبابا الفاتيكان في أبوظبي.

المصدر: الخليج

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *