الرئيسية / مقالات / خارطة القوى الإيرانية في سوريا عددية وعسكرية

خارطة القوى الإيرانية في سوريا عددية وعسكرية

خارطة القوى الإيرانية في سوريا عددية وعسكريةخارطة القوى الإيرانية في سوريا عددية وعسكرية

معن الموسى

تمهيد

انتهزت إيران اندلاع الصراع السوري، لأنها مثلت لها فرصه لا تعوض لبسط نفوذها داخل العمق السوري، كونها بمعزل عن البحر الأبيض المتوسط، وبشكل مباشر وسريع، قامت طهران بنشر قواتها وتعميق نفوذها داخل سوريا، بحجة دفاعها عن الدولة السورية. هدف إيران من هذا الانتشار السريع ليس الدفاع عن النظام السوري فقط، فمن الواضح للعيان أنها تخطط البناء جسر بري يربط بينها وبين لبنان، وتحشد قواتها والقوات الموالية لها في الجنوب السوري على الحدود المتاخمة لإسرائيل.

في البداية تغاضت الولايات المتحدة وإسرائيل عن هذا التوغل الممنهج من قبل إيران، وازدياد نفوذ الميليشيات المدعومة من قبل الحرس الثوري الإيراني، فكان الهف من هذا الفتور من الجانب الأمريكي والإسرائيلي هو محاولة استنزاف إيران، لكن ما حدث فعليا هو العكس، فقد استطاعت إيران إحكام سيطرتها وبسط نفوذها داخل الأراضي السورية، وجعلت من نفسها لاعبا أساسية على مسرح الأحداث السورية.

خطة استراتيجية مهمة استعملتها إيران، تمثلت بإرسال مئات المستشارين العسكريين من الحرس الثوري، وجزء منهم عمل في مهام الإشراف والتدريب للقوات السورية، ورسم الخطط لها، وجزء آخر أشرف على المليشيات المتواجدة، والتابعة لإيران، أو ضمن إطار نفوذها الإقليمي.

حجم وطبيعة القوات الإيرانية

تزايدت أعداد القوات الإيرانية داخل سوريا خلال السنوات الماضية، وعلى دفعات تزيد عن 9000 مقاتل مقسمة كما يلي:

أولا -مستشارين ومدربين وقادة ميدانيين، ويبلغ عددهم حوالي 2000 عنصر

ثانياً- المقاتلين الشيعة الأجانب وهم قسمين:

• «شيعة فاطميون» من شيعة افغانستان.
• «شيعة زينبيون» من شيعة باكستان.

ثالثاً-مقاتلو حزب الله اللبناني، وعددهم حوالي 7000 مقاتل.

رابعا-آلاف المقاتلين من شيعة العراق، مثل «الحشد الشعبي» و «حزب الله العراقي».

خامسا-قوات مشاة ومدفعية ومظليين إيرانيين، غادر القسم الأكبر منهم الميدان السوري.

سادسا-تمتلك إيران قدره صاروخية مستعدة لمهاجمة مواقع إسرائيلية من الجنوب السوري، وأسلحة دفاع جوي هي منظومة «بافار 373»، التي توازي «300»، تم تطويرها في مصانع إيرانية.

سابعا: طائرات مقاتلة نوع «كوثر»، وهي تنتمي إلى الجيل الرابع من الطائرات الحربية النفاثة، جاهزة للإرسال بأية لحظة.

تتركز القوات الإيرانية، والقوات المدعومة من قبل إيران في سوريا، في مناطق استراتيجية، وهذه المناطق والمنافذ على سبيل الذكر لا الحصر هي كما يلي:

تحتل قوات مدعومة من قبل الحرس الثوري الإيراني مناطق الجنوب السوري « درعا والقنيطرة والسويداء»، وهذه مناطق مهمة تشكل ضغط استراتيجية على الولايات المتحدة وإسرائيل بالدرجة الأولى، لقربها من الحدود.

ومن هذه القوات «لواء تحرير الشام» وهي ميليشيا عراقية شيعية.

♦ الشرق السوري

المليشيات الإيرانية المنتشرة في الشرق السوري وجنوب شرق سوريا تتواجد بقوة وزخم، وتمثل هذه المنطقة معبرة برية استراتيجيا للقوات الإيرانية. فھي مسيطرة على الحدود العراقية – السورية، لضمان تدفق الإمدادات اللوجستية لقواتها، والقوات العاملة تحت مظلتها.

ومن هذه المعابر «معبر البوكمال» على الحدود العراقية، واليعربية في مدينة الحسكة. وهنالك معابر غير رسمية تم فتحها واختراق السواتر الترابية على الحدود، ويصعب تحديد موقعها، لأنها في حالة تغير مستمر.

هذه المعابر الشرقية ليست فقط للإمدادات العسكرية واللوجستية، بل هي تشكل أداة ضغط على الوجود الأمريكي في قاعدة «التنف» في الجنوب الشرقي.

لكن أهمية المنطقة الشرقية في سوريا تتجاوز الأبعاد التكتيكية إلى البعد الأكثر أهمية، وهو الجسر البري الإيراني الواصل ما بين طهران وبيروت عبر دمشق.

♦ الجسر الجوي

استغلت طهران المطارات المدنية والعسكرية في غرب سوريا كمواقع استراتيجية، ومواقع هبوط الطائرات النقل العسكرية الإيرانية.

كما أن المناطق المحيطة بالمطارات والقواعد الجوية السورية تضم مستودعات تخزين للأسلحة والمعدات والذخائر واللوازم العسكرية للقوات والميليشيات الإيرانية، ولمقاتلي «حزب الله» في سوريا ولبنان على حد سواء.

تعتبر الأجواء السورية بشكل عام خطيرة جدا على القوات والإمدادات اللوجستية الإيرانية، كون السيطرة الجوية المطلقة هي لمصلحة طيران الولايات المتحدة وإسرائيل، باستثناء قاعدتي حميميم وطرطوس الروسيتين.

تحاول إيران تجاوز الهيمنة الجوية الأمريكية والإسرائيلية على الأجواء السورية الواقعة شرقي خط حلب درعا، وذلك باستخدام طائرات مدنية، وتحمل هويات خطوط طيران وهمية، لإمداد قواتها وقوات النظام السوري بشكل متواصل، ناهيك عن التكلفة العالية لاستخدام الطريق الجوي كبديل عن الطرق البرية.

لكن سلاح الجو الإسرائيلي وحتى لا يقع في إشكالات تتعلق بإسقاط طائرات تابعة لخطوط إقليمية ودولية، يتبع سياسة تدمير مستودعات الأسلحة الإيرانية الموجودة في سوريا، بواسطة قنابل الأعماق، القادرة على اختراق الجدران الخرسانية الفولاذية، إذ كررت الطائرات الإسرائيلية المقاتلة مرارا وتكرارا هجماتها ضد تلك المنشآت الإيرانية والسورية، حتى تلك التي تقع في محيط مطار دمشق الدولي.

طهران لا ترسل قوات نظامية لتنفيذ مخططاتها، لأن الهدف من الوجود الإيراني هو الردع، وليس المشاركة في المعارك، لذا فهي ترسل مستشارين عسكريين من قوات «الباسدران» (الحرس الثوري).

تحتفظ إيران بوجودها العسكري عن طريق «فيلق القدس» التابع للحرس الثوري، وتتمركز مواقعه في محيط العاصمة دمشق ومطارها.

يستخدم هذا الفيلق آليات الهلال الأحمر الإيراني في نقل شحنات مساعدات وذخائر عسكرية، وذلك حسب تقرير أصدره الموساد الإسرائيلي.

تحدث التقرير عن وجود وحدات قوات خاصه إيرانية تسمى «الباسيج» في سوريا، تضم نحو 1500 عنصرا، وأهم ما تطرق له التقرير أن أكثر الخسائر التي تتعرض لها إيران هي في صفوف حزب الله» والميليشيات الشيعية.

وهناك تحليلات استخبارية تقول إن الهدف الإيراني الاستراتيجي هو إقامة ميناء عسكري على الساحل السوري، يضم مجموعه من السفن الحربية والغواصات الإيرانية.

اهم الميليشيات الإيرانية ونقاط تمركزها:

انتشرت في سوريا ميليشيات محلية وأجنبية تابعه الإيران، يقدر عددها بحوالي 50 فصية، ويصل عدد مقاتليها إلى حوالي 60 ألفة، يعملون تحت سيطرة المستشارين الإيرانيين.

• تتمركز قيادة العمليات الإيرانية في مركز قيادة وسيطرة في محيط مطار دمشق الدولي، والذي تتواجد فيه ميليشيات متعددة الجنسيات، تابعة لفيلق القدس، بقيادة الجنرال قاسم سليماني، وتتمثل الأهداف العسكرية للقيادة في السيطرة على الجنوب السوري، كما أن قوات فيلق القدس تستطيع الوصول إلى الأطراف، مثل الريف الجنوبي والشرقي للعاصمة السورية.

• في الدرجة الثانية من ناحية الأهمية، تأتي قوات حزب الله اللبناني، حيث تتواجد قواته في مدينة القصير في ريف حمص الغربي، وتسيطر قوات الحزب الله على مفترق الطرق نحو (حلب وحماة وإدلب ودير الزور والبادية الشمالية، حيث قام بتفريغ بعض القرى من سكانها، ومنعهم من العودة لها، ليحكم سيطرته على منطقة نفوذه.

• الميليشيات الأجنبية والعربية، وهي من مختلف الأطياف، مثل «الحشد الشعبي العراقي، والميليشيات الأفغانية والباكستانية، وعلى رأسها «كتائب الإمام علي»، وكتائب سيد الشهداء»، ولا يقل تعداد هذه الميليشيات عن 1500 عنصر لكل تنظيم.

• التنظيمات المحلية، معظمها من الساحل السوري، ويشرف عليها مستشارون إيرانيون، ويتراوح عددها بین 500 إلى 700 عنصر من المسيحيين والعلويين المتعاطفين مع النظام السوري.

وفي مدينة السويداء، أسست إيران ميليشيات من السكان، تضم نحو 2800 عنصر.

مستقبل الوجود العسكري الإيراني في سوريا

يمكن إلقاء الضوء على سيناريوهات تواجد إيران على الأرض السورية من خلال عدة اتجاهات:

• سيناريو لا تغيير على ما هو قائم

من المحتمل بأن تبقى الأمور على وضعها الحالي ويستمر انتشار الميليشيات الإيرانية بنفس الزخم والمواقع، وكما أسلفنا أنها تسيطر على مواقع استراتيجية في الشرق والجنوب السوري.

لكن هذا السيناريو ضعيف لعدة أسباب:

• سياسة الضغوط والتصعيد من قبل الولايات المتحدة، والحصار الاقتصادي ضد إيران، والذي سيحرمها من دعم الميليشيات التابعة لها، وأهمها حزب الله اللبناني، فتصبح هذه الميليشيات عرضة للتفكك والانهيار والعودة إلى منابعها.

• كما سبق ذكره، فان إيران تفتقد للقدرة والسيطرة الجوية فوق الأراضي السورية، وهذا ما يجعلها عرضة للاستنزاف، نتيجة الضربات الجوية الإسرائيلية الممنهجة لمواقع وقواعد إيرانية في سورية، تحتوي على كمية كبيرة من مستودعات الأسلحة والخدمات اللوجستية.

كما تبين أن الهجمات الجوية الإسرائيلية انتقائية الطابع وحسب أولويات الخطورة على إسرائيل. حيث تعتمد دقة تلك الهجمات على تقارير استخباراتية من مصادر بشرية متواجدة في نفس المناطق على الأرض السورية. وعلى معلومات استخباراتية إلكترونية عن
طريق الصور الجوية والأقمار الصناعية.

• موقف روسيا وطريقتها في إدارة الأزمة السورية، فيما يخدم مصالحها أولا، فهي تقدم الدعم لحلفائها داخل العمق السوري، واتفاقيات خفض التصعيد، وكل ذلك يتزامن مع سماحها لإسرائيل بمهاجمة مواقع حيوية تخص إيران وميليشياتها الأبعادها عن الحدود الإسرائيلية، من خلال عمليات وقائية إجهاضية استباقية.

• سيناريو تقليص الوجود العسكري الإيراني وإبعاده عن الحدود الإسرائيلية والأردنية. هذا السيناريو هو الأكثر احتمال في الوقت الراهن.

استخدمت موسكو في الأزمة السورية أحد الأساليب الأمريكية في إدارة الأزمات العسكرية والمسلحة على الأرض، وكان ذلك من خلال السيطرة على الجو، وتوجيه إيران وحلفائها للعمل على الأرض، بحسب ما تجده موسكو مناسبة، لكن موسكو إذا قررت الاستغناء عن طهران داخل سوريا، فإنها سوف تعزز البديل من خلال قوات روسية، وهذا احتمال مستبعد.

يوجد خطر مهم يترتب على خروج إيران من الأراضي السورية، وهو من المحتمل أن تعود قوی راديكالية للسيطرة على المناطق التي ستنسحب منها إيران، وستقوم بإعادة تشكيل نفسها من جديد.

طرد إيران من الساحة السورية نهائياً لا يصب في مصلحة روسيا، كونها ستخسر حليفة برية مهمة على الأرض في منطقة الشرق الأوسط.

لذا من المحتمل أن تتوصل موسكو إلى حل يرضي معظم الأطراف التي تلعب دورا أساسية على الساحة السورية.

هذا الدور يتلخص في إبعاد الميليشيات الإيرانية عن الجنوب السوري، كونها تقع على مسافة نحو 12 كلم عن الحدود الإسرائيلية، وقرب الحدود الأردنية، أما المرحلة التي تليها فهي إبعاد إيران عن معبر «البوکمال».

وفي حال انتهاء الأزمة السورية والبدء بعملية انتقال سياسي وإعمار، فإنه من المتوقع ألا يكون الإيران نصيب يذكر في عملية إعادة الإعمار، والمقدرة بحوالي أكثر من 400 مليار دولار، ولن تستطيع روسيا، ولا النظام السوري، تحمل هذه التكلفة، وهو ما يعني تدخل المجتمع الدولي، وعلى شركات الولايات المتحدة، ودول مجلس التعاون الخليجي، والشركات الأوروبية.

هذا الاجراء يصب في مصلحة الولايات المتحدة في إضعاف النفوذ الإيراني، وخروج القوات الإيرانية تدريجيا من سوريا.

• سيناريو انسحاب إيران من تلقاء نفسها.

هذا السيناريو مستبعد حالية إذ تضاءلت احتمالية حدوثه إلى الحد الأدنى مع عزم الولايات المتحدة على الانسحاب العسكري من سوريا.

الخاتمة

تمكنت إيران عبر تدخلها العسكري في سوريا أن تصبح لاعبا رئيسا في الملف السوري، وأيضا في عدد من الملفات الأخرى، خصوصا في ظل الاستقطابات الإقليمية والدولية، كما استثمرت في خبرتها داخل العراق، خصوصا في منح الميليشيات دورا مهما في العمليات القتالية، والتي يسهل ضبطها من خلال التمويل وطبيعة السلاح المقدم لها، وبالتالي ضمان عدم تحولها إلى قوى مستقلة.

لقد أولت إيران أهمية كبرى في تصميم تواجدها العسكري ليتناسب مع هدفها الاستراتيجي في الربط بين طهران والمتوسط، والتواجد قريبة من الحدود مع إسرائيل، وتشكيل أوراق تفاوضية مستقبلية.

إن بقاء القوات الإيرانية أو انسحابها، والبرنامج الزمني الانسحاب في حال حدوثه، سيكون رهنة بتوافقات سياسية بين باقي أطراف النفوذ في الملف السوري، ومن الواضح حتى الآن أن إسرائيل هي رأس الحربة في عمليات الضغط، من خلال هجماتها المتكررة ضد أهداف إيرانية في سوريا.

المصدر: العدد الرابع من مجلة ملفات أسبار الشهرية التي يصدرها مركز أسبار للدراسات والبحوث بمدينة دوسلدورف الألمانية