الرئيسية / مقالات / الأوضاع المعيشية لسكان الشمال والشمال الشرقي في سوريا

الأوضاع المعيشية لسكان الشمال والشمال الشرقي في سوريا

محمد مصطفى عيدالأوضاع المعيشية لسكان الشمال والشمال الشرقي في سوريا

محمد مصطفى عيد

مقدمة

تحتل جغرافية شمال سوريا مكانة هامة في الحسابات الاقتصادية في سوريا، نظرا لتميز هذه الجغرافية بخصائص تكاد تكون معدومة في المناطق السورية الأخرى، وتجعل منها أهم مصدر للثروات الباطنية والسطحية، ما منح القوى التي سيطرت عليها مكانة تفاوضية هامة لتأمين حقوق مكوناتها ولرسم ملامح الخارطة المستقبلية لسوريا ، فظروف الحرب المأساوية عكست مؤشرات كارثية على المستوى المعيشي وظروف الحياة الاجتماعية في معظم المناطق السورية، الأمر الذي نتج عنه مؤشرا سلبية على مصدر كسب العيش، وتفاقمت معدلات خط الفقر إلى مستويات قياسية، وصلت نحو 80% من إجمالي عدد السكان، الذين فقدوا مصادر رزقهم وتآكلت قدرتهم الشرائية نتيجة التضخم الكبير في الأسعار.

وتشير بعض الدراسات غير الرسمية إلى أنه منذ اندلاع الحرب في سوريا حتى الآن خسر 13 مليون شخص وظائفهم وأعمالهم التي تشكل دخلهم الرئيس، فيما ارتفعت نسبة البطالة من 8,5% عام 2010 إلى 70 % عام 2017، كما أن القوة الشرائية للفرد انخفضت بنسبة %85، وباتت الطبقة المتوسطة القادرة على تأمين احتياجاتها نسبتها 10% بعدما كانت 60% قبل عام 2011.

وبحسب مذكرة صادرة عن المرصد العمالي للدراسات والبحوث إلى رئاسة الحكومة السورية العام الماضي في توصيف الوضع المعاشي للأسرة السورية، فقد أشارت المذكرة إلى أن تكاليف المعيشة الأسرة سورية مكونة من خمسة أشخاص في الربع الأول من عام 2017 بلغت أكثر من 230 ألف ليرة شهرية، أي حوالي 7 أضعاف متوسط دخل الفرد الواحد البالغ 33 ألف ليرة، وإذا اعتبرنا وجود معيلين في الأسرة الواحدة فإن تكاليف معيشة الأسرة تعادل أربعة أو خمسة أضعاف متوسط دخل الأسرة، ما أدى إلى تفاقم المشكلات الاجتماعية، وتدهور الوضع الاقتصادي ، كما أن الأزمة أدت إلى انزياح سكاني واقتصادي في الخارطة السورية.

حد الفقر السوري

بينما بين مؤشر قاسيون الاقتصادي لتكاليف معيشة الأسر في سوريا، والمكونة من 5 أشخاص للعام الماضي ووفق مفهوم الفقر المرتبط بقدرة الأسرة على تأمين 5 حاجات أساسية للأفرادها: الغذاء والمسكن والملبس والصحة والتعليم، فإن حد الفقر السوري قد وصل في يونيو/ حزيران 2018 إلى 234 ألف ليرة سورية، كحل شهري ضروري للأسرة لتغطي هذه الحاجات الخمس الأساسية فقط، وهو ما يعادل اليوم 540 دولار تقريبا، ودخل 17,9 دولار يوميا للأسرة، وحوالي 3,6 دولار تقريبا للفرد في اليوم، وهو أعلى من حد الفقر الحاد المعتمد عالميا، والبالغ 1,9 دولار يوميا للفرد. . ما يعني أن الفرد في أي مكان في العالم يستطيع أن يعيش على حد الفقر عالمية إذا حصل على دخل شهري 285 دولار، بينما في سوريا فلكي يعيش يجب أن يكون دخله 540 دولار شهريا !! وهذا الرقم بعيد جدا عن دخل الأسرة السورية، والذي لا يتجاوز 150 دولار شهريا.

مناطق الشمال السوري

وعند التركيز على منطقة ما في سوريا حول الوضع الاقتصادي ، فهذا لا يعني أن مناطق أخرى هي أفضل حظا في وضع معاشي مستقر، بل أن ظروف ومسببات الأزمة الاقتصادية تتشابه مع بعضها باستثناء بعض الفروقات الطفيفة ، والتي قد تكون إيجابية لصالح المناطق في الشمال السوري رغم أن سكانها يعيشون أوضاعا معيشية صعبة، إلا أنها تبقى أفضل حالا من باقي المناطق في سوريا، حيث تتوفر فيها فرص عمل لدى المنظمات والمدارس والمجالس المحلية والتي تطلب باستمرار موظفين، نظرا لأن المنطقة تعيش حالة استقرار، بعد الاتفاقيات الدولية التي حدثت، بالإضافة الإمكانية الانتساب للفصائل العسكرية، والتي تقدم منحة مالية تتراوح بين 70 إلى 125 دولارا. ووفق مؤشرات اقتصادية محلية، فإن العاملين في مناطق الشمال السوري لدى المؤسسات ومنظمات المجتمع المدني، بعد النظر إلى رواتبهم، والاطلاع على أوضاعهم، تبين أنهم يتقاضون مبلغا يتراوح بين 125 إلى 700 دولار و1500 دولار للأطباء.

بالمقابل تنفق العائلة الفقيرة المكونة من 5 أشخاص مبلغا يصل إلى 45 حتى 90 ألف ليرة سورية (100 -190 دولارا) من أجل تأمين الطعام والشراب، ويضاف إليها مبلغ 20 حتى 35 ألفا لاستئجار منزل، أما العائلة متوسطة الدخل فتنفق بين 120 ألفا إلى 160 ألف ليرة سورية (255 – 340 دولارا) شهريا لتأمين الطعام والشراب ويضاف إليها (100 – 150 دولارا) لاستئجار منزل.

وقد خلصت بعض الدراسات إلى أن تجربة المجالس المحلية في المناطق غير الخاضعة لسيطرة النظام قد شهدت تحولات على صعيد بنيتها وآليات تشكيلها ووظائفها، إذ استقرت هياكلها التنظيمية واعتمدت بشكل متنام على الانتخابات في تشكيلها، كما تمكنت من ترسيخ دورها الخدمي مقارنة بدورها في ملف الأمن المحلي وكذلك السياسي، كما شكل الملف المالي أحد أبرز تحديات المجالس المحلية، إذ تواجه عجزا مالية متناميا يفسر بطبيعة الإيرادات والنفقات، كذلك بافتقادها إلى نظام مالي وتشريعات قانونية ناظمة الموازناتها المحلية. (1)

منطقة الإدارة الذاتية

ونجد أن المناطق الواقعة تحت سيطرة الإدارة الكردية المركزية، والتي تتألف من منطقتين، تسيطر عليهما قوات سورية الديمقراطية، هما في محافظات الحسكة ودير الزور والرقة، إضافة إلى قسم صغير من شمال شرق محافظة حلب، فإن الوضع الاقتصادي فيهما يعد أحسن حالا، مقارنة مع مناطق الداخل السوري، من حيث توفر المواد الغذائية والمشتقات النفطية، علاوة على تأمين الرعاية الصحية وتوفير المؤسسات التعليمية وغيرها من المتطلبات المعيشية، ولكن هذا لا يعني أن أهالي هذه المناطق في الشمال السوري يعيشون في ظروف معاشية صحيحة، بل يمكن اعتبارها أفضل الموجد بالمقارنة مع الداخل.

وفي هذا السياق استعرض المستشار السياسي في الإدارة الذاتية الديمقراطية بدران جيا كرد الأوضاع المعيشية في المناطق التي تخضع للإدارة الذاتية والمقدر عدد سكانها حوالي 4 مليون نسمة، وأوضح المجلة «أسبار» أن بعض محطات مياه الشرب قيد التشغيل والصيانة، بحيث توفر المياه للأهالي، بينما في القطاع الصحي، فإن المراكز الصحية والمشافي الخاصة متوفرة في العديد من المناطق الخاضعة للإدارة الذاتية ، إضافة إلى وجود بعض المراكز التابعة للمنظمات الدولية ، ولكن مازال القطاع الصحي غير كاف لتلبية احتياجات المواطنين، من حيث المراكز الصحية التخصصية (الأمراض القلبية السرطانات الفشل الكلوي…) ، في حين يتم استيراد الأدوية وحليب الاطفال من دول الجوار أو من مناطق النظام .

وأشار بدران جيا كرد إلى وجود بعض الصعوبات في القطاع الزراعي، من حيث تأمين الأسمدة الزراعية للفلاحيين، ومواد تعقيم المياه، بينما الإدارة الذاتية والأرز وأنواع الزيوت الغذائية من دول الجوار.

وحول أبرز الصعوبات والتحديات الاقتصادية التي تواجه الإدارة الذاتية الديمقراطية في تأمين مستوى دخل افضل للقاطنين في مناطقهم، أرجعها المستشار السياسي إلى ضعف القدرة على تفعيل عملية الاستثمار في البنية الاقتصادية التحتية في المناطق الخاضعة لها، وعدم وجود اقتصاد محلي متطور ودائم، وذلك بسبب ظروف الحرب، والتهديد التركي المستمر ، إذ مازالت المنطقة تفتقد إلى المشاريع الاقتصادية الإنتاجية الاستراتيجية ومع ذلك يمكننا القول إننا في الإدارة الذاتية استطعنا توفير الأساسيات الضرورية للمواطن، وربما بما يضاهي مناطق النظام، وبعض دول الحوار.

وأضاف بدران جيا كرد: بالرغم من الحرب الدائرة والتقلبات السياسية، واعتبار أن المناطق الشمالية والشرقية من سوريا كانت مهملة اقتصادية، وتفتقد إلى مشاريع البنية التحتية الاقتصادية إلا أن الإدارة الذاتية استطاعت، وإلى درجة مقبولة، تحقيق نوع من التوازن بين مستوى متوسط الدخل وبين القدرة الشرائية، وذلك بما يتعلق بالمواد الغذائية الأساسية ومشتقات النفط. ويتابع: يمكننا القول إن متوسط دخل العائلة يتراوح بين 200و300 دولار أمريكي، إذ عملت الإدارة الذاتية على توفير فرص عمل لا بأس بها، من خلال رفع دخل موظفيها، حيث يصل الحد الأدنى للراتب إلى 140 دولار. وفتح المجال أمام القطاع الخاص وصغار الكسبة والقطاع التجاري من خلال قانون ضرائب مرن. ويمكن تحديد مستوى الإنفاق للعائلة المتوسطة بحوالي 250 إلى 300 دولار، وذلك بما يخص الأمور الضرورية، مثل المأكل والمشرب والسكن وبعض الخدمات الصحية. إضافة الى ان التعليم مجاني، كما تعمل الإدارة الذاتية على توفير مشتقات البترول لمواطنيها ومزارعيها بأسعار منخفضة، من خلال توجيه عملية تكرير النفط وتوزيعه، والحفاظ على سعر موحد وثابت في مجمل المناطق الخاضعة لها، بينما تبقى المناطق الشرقية من دير الزور غير مستقرة، بما يخص الأسعار، نتيجة الصراع مع «داعش»، وعدم ترسيخ الإدارة وتنظيمها بشكل كامل نتيجة الأوضاع هناك.

ويعتبر الخبز مادة غذائية رئيسية وبمستطاع كافة المواطنين في مناطق الإدارة الذاتية في اقتنائه بأسعار ثابتة ومقبولة، كذلك الخضراوات ومشتقات الحليب، مثل الجبن والزبدة محلية الصنع.

كما تعمل الإدارة الذاتية على توفير مياه الشرب كمهمة رئيسية، لتصل إلى متناول غالبية المواطنين، من خلال إعادة تشغيل وتفعيل محطة الشرب، التي كانت قد دمرت في الحرب.

المرتكزات الطبيعية لاقتصاد الإدارة الذاتية

1-الأراضي الزراعية: بلغت مساحة المناطق الواقعة تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية 44 ألف كيلو مترا مربعا في شهر سبتمبر/ أيلول من العام 2017، وذلك في المحافظات الشرقية الثلاث (الحسكة، دير الزور، الرقة)، وهي بغالبيتها أراض صالحة للزراعة، إذ تتميز محافظة الحسكة باستحواذها على أكبر مساحة الأراضي الزراعية بين المحافظات السورية، وتبلغ نسبة الأراضي القابلة للزراعة والخاضعة لقوات سوريا الديمقراطية من إجمالي المساحات القابلة للزراعة في سوريا (36,5 %)، وتشتهر هذه المساحات بكونها مصدرا هاما لإنتاج الحبوب والقطن.

2-تنوع مصادر المياه: تعد مناطق الشمال السوري من أغنى المناطق بالمياه في سوريا، فهي من ناحية، تتراوح ما بين مناطق الاستقرار الأولى والثانية والثالثة، ومن ناحية أخرى تمر فيها ثمانية أنهار، أهمها نهري الفرات ودجلة، تم إقامة مجموعة من السدود على تلك الأنهار.

3-الثروات النفطية والغاز الطبيعي: تستحوذ مناطق الإدارة الذاتية على أكثر من 70% من الاحتياطي النفطي المكتشف في سوريا، فهي تسيطر على الحقول النفطية في محافظة الحسكة، وبدأت توسع دائرة سيطرتها على الحقول والآبار الواقعة إلى الشمال والشرق من نهر الفرات في محافظة دير الزور.

وفي هذا السياق كانت الإدارة الذاتية قد أصدرت بعد سيطرتها على منطقة الرميلان اعام 2013 قرارا يمنع عمل الحراقات التقليدية، وقامت باستيراد أكثر من 20 مصفاة تعمل على الكهرباء، بدلا من آلية الحرق بالفيول، وتوطينها في مناطق بعيدة عن المناطق الآهلة بالسكان، وبذلك استطاعت أن تسد حاجة السوق المحلية نسبية لما يعرف ب “مقاطعة الجزيرة التابعة للإدارة الذاتية”، بدعة من العام 2014 وأمنت هذه المصافي حاجة سكان المنطقة من مادتي البنزين والمازوت، إضافة إلى الغاز المنزلي، والتي تصل لحدود 850 ألف لتر يوميا من المازوت في أوقات ارتفاع الطلب، وخصوصا في الشتاء ومع بداية المواسم الزراعية، وبلغ سعر ليتر المازوت في محطات الوقود التابعة لهذه المناطق 40 ليرة في عام 2017 بحسب دراسة اقتصادية للدكتور شوقي محمد، وهي بعنوان «حقول رميلان النفطية.. بين سيطرة الإدارة الذاتية ونفوذ دمشقة، التي أوضحت أن مادة البنزين التي يتصاعد سعرها بحسب جودتها فتبلغ حاجة الاستهلاك المحلي منها حوالي 100 ألف لتر يومية، بحسب رئيس هيئة الطاقة التابعة للإدارة الذاتية الذي صرح أن المصافي التابعة للهيئة تنتج أكثر من 80% من احتياجات المنطقة من المحروقات بأنواعها، لتؤمن الحراقات الأهلية النسبة الباقية، والتي كانت تتصرف بها بطريقتها، قبل أن تعلن الإدارة أن جميع عمليات إنتاج وتوزيع وبيع المحروقات يجب أن تكون عبر شركة توزيع محروقات الجزيرة، إضافة إلى ذلك يؤمن معمل الغاز تعبئة 5000 أسطوانة غاز يومية، والذي يعتمد على الغاز المرافق بالدرجة الأولى، ويسد حاجة المنطقة تماما من هذه المادة، حيث لم تشهد السوق المحلية منذ أكثر من سنتين أية اختناقات قوية في الطلب على الغاز المنزلي، والذي تباع الأسطوانة منه بسعر 2100 ليرة سورية للمواطنين.

خلاصة

بدا واضحا أن توفير أبسط مستلزمات الحياة الأساسية في الداخل السوري ما تزال في قمة أولويات الأسرة السورية ، بعد ارتفاع مؤشر تكاليف الحياة بأكثر من تسعة أضعاف، حيث باتت الأسرة السورية المكونة من 5 أشخاص بحاجة ل 200 ألف ليرة سورية شهرية لسد حاجاتها الأساسية من المواد الاستهلاكية في حال توفرها ، بالمقابل نجد أن الوضع المعاشي في الشمال السوري، وخصوصا المناطق الخاضعة لسيطرت الإدارة الذاتية، هي أقل سوعة مقارنة مع الداخل، وذلك نتيجة توفر المواد الاستهلاكية، والمشتقات النفطية، نتيجة الموارد الطبيعية الموجودة، إضافة إلى سهولة وحركة التجارة مع تركيا والعراق، علاوة على أن الشمال السوري يعد خزان سوريا الغذائي، نتيجة المساحات الزراعية القابلة للزراعة في الحسكة وشمال الرقة ودير الزور وشمال حلب، مما يوفر الحبوب والخضروات لسكان تلك المناطق.

المراجع:

مجموعة باحثين، 2018، دراسة: المركزية واللامركزية في سورية بين النظرية والتطبيق مركز عمران للدراسات الاستراتيجية

يوسف أحمد، 2017، دراسة: جذور الأزمة السورية والمرتكزات الاقتصادية الفيدرالية شمال سوريا.

محمد شوقي، 2017، دراسة: حقول رميلان النفطية .. . بين سيطرة الإدارة الذاتية ونفوذ دمشق، موقع الحل السوري.

المصدر: العدد الرابع من مجلة ملفات أسبار الشهرية التي يصدرها مركز أسبار للدراسات والبحوث بمدينة دوسلدورف الألمانية

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *