الرئيسية / مقالات / صراع الكيانات السياسية في تركيا وصعود الأوراسيين

صراع الكيانات السياسية في تركيا وصعود الأوراسيين

صراع الكيانات السياسية في تركيا وصعود الأوراسيينصراع الكيانات السياسية في تركيا وصعود الأوراسيين

عبد الناصر حسّو

مقدمة

الصراعات الاقتصادية تقود إلى وجود نوع من الصراعات السياسية، كما أن وجود الصراعات السياسية يقود إلى وجود الصراعات الثقافية وهكذا، لذلك فالمجتمع وحدة متكاملة، وما يؤثر في أحد موازين القوى فيه يؤثر في القوى الأخرى.

في منتصف عام 2018 فرضت الحكومة الأمريكية على الواردات التركية لأمريكا رسوما مضاعفة، وقبل فترة وجيزة هدد الرئيس ترامب بابتدمير تركيا اقتصادية إذا شنت هجوما ضد الأكراد» بعد انسحاب القوات الأمريكية من سوريا.

بطبيعة الحال إن أهمية وخطورة تصريحات وتهديدات ترامب لتركيا تأتي من الوضع التركي نفسه، حيث يعاني الاقتصاد التركي من مشكلات داخلية، وصراعات سياسية، بسبب السياسات الاقتصادية الفاشلة التي وضعتها حكومة حزب العدالة التنمية، وبالتالي فإن ما يجري ليس حربة ضد تركيا تقودها قوى عظمى، وإنما هي، وفقا لبعض التحليلات التركية، نتيجة لما اتبعته الإدارة التركية من توجهات على المستويين السياسي والاقتصادي في السنوات الأخيرة ، المبنية على الفساد، وعدم الاستقرار السياسي الداخلي، ما أدى إلى انهيار الاقتصاد، لذلك يكون الحديث هنا في أسباب تدهور الاقتصاد التركي انطلاقا من سياساتها الداخلية وطريقة هيكلة الاقتصاد، حيث يعاني من ارتفاع كبير في الدين الخارجي للقطاع الخاص.

شهدت الساحة التركية خلال السنوات الأخيرة تحولات بنيوية كبيرة على مستوى الاقتصاد والثقافة والهويات الإثنية والسياسة الداخلية، تلك التحولات التي انعكست على الساحة الإقليمية في ظل التجاذبات الدولية.

على صعيد السياسة، حاولت حكومة العدالة والتنمية ترسيخ أسس الإسلام السياسي ضمن شعار (صفر مشاكل) على حد زعم الرئيس أردوغان، في محاولة الاستمالة المؤسسة العسكرية والتيار العلماني والتحالف مع تيار فتح الله غولن أثناء الانتخابات البرلمانية 2002، منفتحة على الدول العربية الإسلامية الاستجاب الرأسمال الإسلامي في معادلة الربح والخسارة، وفتح مشاريع اقتصادية في تركيا، وعدم التخلي عن محاولة الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، من دون أن يحدث قطيعة مع دول الجوار، في إطار بناء ما يسمى بالعثمانية الجديدة»، ما انعكس على سياسة السلطة الداخلية، وظهور أطراف معارضة، متحالفة فيما بینها، داخل المؤسستين العسكرية والأمنية.

الجيش في قلب الصراع

وقد تمثلت أطراف الصراع داخل الجغرافية التركية بين أربع قوى فاعلة: الغولانيون (تيار الخدمة)، الكماليون (العلمانيون)، الأوراسيون (التيار القومي الحديث) الذي ينادي بالقطيعة مع الغرب، وأخيرا حزب العدالة والتنمية الذي تشكل من عدة تيارات، منها الإسلامي والقومي والليبرالي وغيرهم.

لم تتوقف الصراعات الداخلية بين هذه الأطراف خلال السنوات العشرين الأخيرة، على الرغم من بعض فترات التوافق، ويشير المحلل السياسي جراهام فوللر إلى أن الصراع السياسي الداخلي في تركيا بين المؤسسة العسكرية وحزب العدالة والتنمية، قد أسهم في تعقيد عملية صنع قرار السياسة الخارجية التركية منذ العقد الأول من الألفية الثالثة، حيث انتفت الرغبة لدى المؤسسة العسكرية في إنجاح سياسات حزب العدالة والتنمية في العراق أثناء الغزو الأمريكي، بل سعت المؤسسة العسكرية في كثير من الأحيان إلى ارباكه حيث تعتبر حزب العدالة والتنمية حزبا إسلاميا، كما أنها لم تكن مقتنعة في الإصلاح الداخلي. لذلك فالصراع يدور حول هذه المؤسسة وفيها، وهذه المؤسسة تحدد نظام السلطة السياسية التركية.

ترتبط المؤسسة العسكرية التركية بحلف الأطلسي بعلاقات تاريخية تعود إلى لحظة انضمام تركيا إلى الحلف في عام 1951، والتي تمثل علمانية الحكومة التركية، فقد تخرج جنرالاتها من الأكاديميات العسكرية الغربية، ولم تتوان هذه المؤسسة، خلال مسيرتها الطويلة، عن التدخل في أمور البلاد، وما أن تصل سلطة مدنية إلى الحكم وتهدد الأسس العلمانية التي قامت عليها الجمهورية التركية حتى تقوم مؤسسة الجيش بالانقلاب عليها، وعلى هذا الأساس كانت سلسلة الانقلابات المتعددة، واختلفت الأمور بعد فوز حزب العدالة والتنمية في انتخابات 2002، لتبدأ المؤسسة العسكرية في فقد زمام السلطة تدريجيا، وابعادها عن العمل السياسي، والعودة إلى ثكناتھا، كما تقول الكاتبة منة الله جلال، لكن المؤسسة ذاتها أفشلت انقلاب 15 يوليو 2016، بعد تراجع دور الضباط الأتراك الأطلسيين تدريجيا منذ أن تبوأ حزب العدالة والتنمية سدة الحكم، وخضعت لسيطرة الرئيس أردوغان شخصيا.

اشتدت حدة الصراع بين أردوغان وفتح الله غولن، المتهم بضلوعه في محاولة الانقلاب الفاشلة في يوليو/ تموز 2016، إلى جانب الإدارة الأمريكية، على الرغم من أن غولن تحالف مع أردوغان على أساس تطهير الدولة من الكمالية، أي من المؤسسة العلمانية والبيروقراطية وقدمت الحركة الخدمة، إسنادة كبيرة لحزب العدالة والتنمية في الانتخابات المتعاقبة، ضد مؤسستي القضاء والجيش، حتى ظهر الخلاف عام 2010 بين الطرفين، ما دفع حزب العدالة والتنمية إلى تشكيل تحالف مع الأوراسيين، الذين ظهروا داخل حزب العدالة والتنمية، وانضم إلى هذا التحالف حزب الحركة القومية، والذين يناصب العداء الغولن، والنخب الموالية للغرب (الأطلسيون، وعمل التحالف على إنهاء وجود «تيار الخدمة» داخل مؤسسات الدولة، والحفاظ على العلاقة بين حزب العدالة والتنمية وقاعدته الشعبية.

الأوراسیون والتوجه شرقا تحالف أردوغان مع الأوراسيين، والذين يتحركون بحرية على الساحة الداخلية والدولية، ويدعون بأن ثمة مؤامرة غربية تستهدف إقامة دولة كردية على حساب الأراضي التركية، وساهموا في تصعيد دور تركيا العسكري في الساحات المجاورة، مثل سوريا والعراق وجزيرة قبرص والقرم، كما أنهم يعتمدون على تقديرات هيئة أركان الجيش، بعد أن أقيل العديد من جنرالاته وضباطه منذ سنوات، لتعزيز سلطة أردوغان المطلقة.

شهدت تركيا تطورات متلاحقة في العلاقات مع موسكو بعد الانقلاب الفاشل، بفعل سياسية الأوراسيين، الذين صاغوا موقف تركيا بسحب المعارضة السورية من مدينة حلب، والتلويح بالعمل العسكري لمنع انفصال کردستان العراق، والتحرك الميداني حيال العديد من مدن سورية، منها منبج ومنطقة شرق الفرات، ويمارس الأوراسيون ضغطا كبيرا على قرار السلطة السياسية وخياراتها الخارجية والداخلية، في اتجاه قطع العلاقة مع الغرب، وبناء سياسة تواصل استراتيجية مع الشرق، لاسيما إيران وروسيا والصين.

وجدت تركيا نفسها فجأة محاصرة عن بعد عسكرية بمنظومة الصواريخ الروسية، ويمكن أن تقع تحت مرمى صواريخها، حيث اشترت المنظومة بعض الدول المجاورة لتركيا، مثل إيران، وأرمينيا، وقبرص، وسوريا، إضافة إلى الأسطول البحري الروسي الذي لا زال يتعزز في ضفاف البحر المتوسط قبالة السواحل التركية فأصبحت تركيا في مركز هذه الحلقة النارية محاصرة داخل حدودها عسكريا، بحرية وبرية وجوية، في الوقت ذاته أوقفت أمريكا منظومة الباتريوت، وأبقت واشنطن على خيوط رفيعة مع أنقرة.

هنا برز دور الأوراسيين في إيجاد حل سريع مع موسكو، والتطرق إلى صفقة منظومة الصواريخ S400 ، من دون تسليط الضوء على ظاهرة الأوراسيين الأتراك المقتنعين بالمشروع الأوراسي الذي تقدم به الرئيس بوتين أثناء حملته الانتخابية، ويرى الأوراسيون أن مكان تركيا الطبيعي بين الآسيويين، ويمثلون قوة لا يستهان بها في المنظومة التركية، ولهم علاقة جيدة مع صناع القرار في موسكو، والذي ذهب الكثير من المحللين الغربين أنه كان لهم الفضل الكبير في التقارب الروسي التركي الأخير، واحتواء أزمة إسقاط الطائرة الروسية، وصولا إلى إتمام صفقة الصواريخ، حيث أسهم هذا التيار بعد سقوط الطائرة الروسية في فك العزلة التي فرضتها الدول الغربية وأمريكا على تركيا، عبر اتفاقيات مع موسكو، حيث تم الاتفاق على إنشاء مفاعلات نووية في تركيا، وإقامة خط أنابيب “تركستريم»، وعقد صفقة منظومة الدفاع الروسي 400s.

وعلى خلاف الشائع حول الصراع بين العلمانية التركية وبين حزب العدالة والتنمية الإسلامي، توجد العديد من التحليلات التي تقول بأن هذا الخلاف اليوم هو مجرد مفارقة براغماتية، وبأنه يجب دحض الأسطورة القائلة بأن سبب الانقسام الرئيس في المجتمع التركي هو الاختلاف بين الإسلاميين والعلمانيين، وبأنه إذا كان هذا الاختلاف قد وجد على مدار عقود من الزمن، إلا أنه اليوم أمر قليل الشأن في الصراع الداخلي.

الاستناد إلى القومية

النقطة الحاسمة هي أن جدلية العلمانية/ الإسلام، فيها مبالغة بمسألة علمانية الدولة على حساب قوميتها، فالقومية التركية هي الأساس في رسم السياسة التركية منذ تأسيس الجمهورية التركية الحديثة كانت العلمانية في تركيا قضية هامشية استنادا إلى قضايا نمط الحياة، ولم تكن العلمانية ثورة سياسية حقيقية تهدف إلى خلق وضع محايد تجاه الطوائف الدينية المختلفة، ولا تزال جمهورية تركيا العلمانية بلد مسلم وسكانها مسلمون.

البنية الفكرية لجمهور واسع من الاتراك لا تستند إلى العلمانية، بل تقوم على بناء القومية التركية ضمن ثلاثة محاور تاريخية، وهي: تنقية الأناضول من عناصر الهيلينية، وإنكار الإبادة الجماعية للأرمن، وقضية الهوية الكردية، حيث تبقى القوة الحقيقية التي تجمع بين غالبية الشعب التركي هي القومية التركية المحافظة، كما يوجد تجاهل لموضوع الإسلام مقابل العلمانية عند التحدث عن الصراعات داخل تركيا.

مقولة الإسلام ضد العلمانية مقولة تضليلية، تشوه صورة الصراع بين حزب العدالة والتنمية وبين الحركة الدينية لفتح الله غولن كمثال، فهو صراع من أجل السلطة، ومن أجل أي نظام سلطة محافظة دينية ستحكم تركيا.

خلقت محاولة الانقلاب العسكري تراجعا وخسارة كبيرة للعلمانية الكمالية لأول مرة في تاريخ تركيا، في الوقت ذاته شكلت عودة إلى الوراء للعدالة والتنمية مع جماهيره وحشوده الإسلاميين، مع واقع جديد تنتعش فيه الفضاءات القومية المحافظة والعثمانية الجديدة. ويذهب بعض المحللين إلى أنه لا يمكن فصل التصعيد التركي الأخير ضد سوريا والعراق عن جملة التطورات الداخلية والإقليمية، فعلى الصعيد الداخلي كان لابد من تحويل أنظار الرأي العام التركي عن قضايا الداخل المتفجرة، من خلال الضرب على وتر الأخطار الخارجية، | لإعادة التماسك الداخلي، وخصوصا من خلال قضية الأكراد وحزب العمال الكردستاني، أما على الصعيد الإقليمي فإن تركيا تتطلع نحو القيام بدور فعال ومؤثر في عملية التشكل الجديد لخريطة الشرق الأوسط، حيث أدت السياسات التركية حيال الأوضاع الجديدة التي فرضتها ثورات الربيع العربي إلى حالة من عدم الاستقرار السياسي والأمني في تركيا.

إن التحولات التي حدثت في سوريا في السنوات الماضية، ودخول تركيا كلاعب رئيس، دفع الصراع التركي الكردي من جديد إلى الواجهة، وقد تبنى الرئيس أردوغان خطابا شعبوية قومية تجاه الأكراد، فهو لم يصعد لهجته فقط تجاه أوروبا وأمريكا، بل أيضا ضد الأكراد، لاستثمار العنصر القومي في سياساته الداخلية والخارجية، وللتغطية على انحدار الاقتصاد التركي، وبالتالي على السياسات التنموية التي تشهد انحدارة في خطوطها البيانية.

من جهة أخرى، توجد علاقة طردية بين رفض الاتحاد الأوروبي انضمام تركيا إلى عضوية الاتحاد وتعزيز الدور الاقليمي لتركيا في منطقة الشرق الأوسط، فكلما ازداد رفض الاتحاد الأوروبي لانضمام تركيا كلما زادت مساعي تركيا لتعزيز دورها الإقليمي، في حين أن تركيا محاصرة من دول الجوار بعد ثورات الربيع العربي، وهناك قطيعة مع دول الخليج، وتوتر مع مصر، وهو ما يفسر إلى حد بعيد صعود الأوراسيين، الذين يدفعون باتجاه تقوية العلاقات مع الشرق.

كل المعطيات تشير إلى أن التوتر بين تركيا وحلف الناتو وصل إلى مستوى غير مسبوق، حيث تهدد تركيا بالانسحاب من حلف الناتو، وإغلاق قاعدة إنجرليك الجوية، في محاولة لابتزاز شركائه الأطلسيين، لكن الابتزاز فقد قيمته كما يؤكد المحللون، فالولايات المتحدة من جهتها تلوح أيضا بإغلاق القاعدة، وبأنها تمتلك بدائل، فقد أشار بعض الجنرالات الأمريكان إلى أن تركيا أصبحت أقل استقرارا وأقل ودية مع الولايات المتحدة، وبالتالي فإن أفضل طريقة للتعامل مع الموقف هي الاستعداد للاستغناء عن القاعدة الجوية كثيرا ما استخدمت أميركا مطارات في شرقي الفرات، مطار الطبقة مثالا، كما اقترحت بعض دول حلف الناتو استخدام الأراضي الاردنية كبديل، لكن نقل القاعدة سيكون خسارة لتركيا على صعيد البرامج العسكرية اقتصاديا وعسكريا وسياسية، وابتعادها عن أمريكا وحلف الناتو، كما سيؤدي مثل هذا الانقطاع إلى مراجعة الجميع شؤون أمنها القومي، إضافة إلى ما يترتب على ذلك من أزمات اقتصادية نتيجة سياسة القمع.

خلاصة

من الواضح أن الصراعات التركية الداخلية قد أخذت مسارة مؤثرة بشدة على المجتمع والدولة في تركيا، وأن تبدل علاقات تركيا الإقليمية والدولية يعكس مشکلات داخلية عميقة، حيث أثرت المواجهة، خلال السنوات الأخيرة، بين «حزب العدالة والتنمية» و«حركة الخدمة»، بشدة على الجيش التركي، وأيضا على مؤسسات الدولة والمجتمع، وهو ما يجعل من الاستقرار الداخلي في حالة خطر، خصوصا أن المواجهة مع «حركة الخدمة» اتخذت طابعاً ثأرياً، بالتزامن مع زيادة حدة المشكلات الاقتصادية، وأزمة القطاع الخاص، والتصنيف الائتماني الدولي للبنوك التركية.

في ظل هذا الوضع، هل سيكفي تصريف الأزمات الداخلية من خلال الخارج من أجل تجاوز الأزمات الداخلية المتفاقمة؟ وما السيناريوهات المحتملة من قبل واشنطن والأطلسي فيما لو مضى أردوغان مع الأوراسيين نحو تحالف لا عودة عنه مع موسكو والصين وإيران؟.

المراجع

1- حسين معلوم، أزمة الاقتصاد التركي.. مؤامرة خارجية أم مشكلة داخلية؟. صحيفة الحياة، 24/ 08/ 2018
2- منة الله جلال، كيف استطاعت تركيا ترويض المؤسسة العسكرية، موقع ساسة بوست 30/ 0/ 2014
3- عمر تاسیبار، تحالف اردوغان مع الكماليين، مركز البيان للدراسات والتخطيط، 11 / 1 / 2016
4-محمدنورالدين، تغييرات بنيوية في النظام السياسي التركي، بوابة الشرق الإلكترونية، 2014 / 07 / 05

المصدر: العدد الرابع من مجلة ملفات أسبار الشهرية التي يصدرها مركز أسبار للدراسات والبحوث بمدينة دوسلدورف الألمانية

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *