الرئيسية / مقالات / الطبقة الوسطى: قلب المجتمع العراقي المغيًب

الطبقة الوسطى: قلب المجتمع العراقي المغيًب

عبد الناصر حسوالطبقة الوسطى: قلب المجتمع العراقي المغيًب

عبد الناصر حسو

مدخل

عانى المجتمع العراقي بكافة شرائحه ومكوناته وطبقاته الاجتماعية معاناة شديدة خلال ربع القرن الأخير من الحروب العبثية المتكررة، التي لم تنته إلا مع انتهاء نظام حزب البعث، ومن حالة الحصار الاقتصادي الدولي، ومن حالات عنف مستدامة، وليس انتهاءً بالاحتلال الأمريكي، وسقوط بغداد عام 2003، ولا تزال ل المعاناة مستمرة أكثر من ذي قبل، نتيجة الهوّة الشاسعة بين الطبقة المتحكمة وبين عموم الشعب من الفقراء والمعدمين. حيث طرأت تغيّرات بنيوية، هيمنت خلالها بعض القوى على مقدرات الدولة، ما أدى إلى اختلاط الطبقات الاجتماعية، وفقدان ما تبقى من ملامحها، في فضاء انعدام حالة التوازن، وضبابية المواقف السياسية.

بعد سقوط بغداد، حدث انهيار فظيع في بنية الطبقات الاجتماعية، ونشوء حالة فوضى عارمة، استغلتها قوى مركبة، تجمع بين طياتها معارضين سابقين، وقوى تقليدية، وبدأت مرحلة جديدة، بعناوين دينية ومذهبية وعشائرية، تمجّد السلاح والثأر والقوة، ووجدت الطبقة الوسطى نفسها، في ظل كل ذلك، خارج إطار الفعالية، في النظام الجديد.

الطبقة الوسطى

حّدد الفيلسوف الالماني ماكس فيبر الطبقة الوسطى بأنها “تأتي اقتصادياً واجتماعياً بين الطبقة العاملة والطبقة الغنية”، معتبراً أنها مختلفة عن الطبقة البرجوازية التي تحدّد بأن الثروة هي المقياس الوحيد للموقع الطبقي في مجتمع معين، في حين أن الفيلسوف فرنسيس فوكوياما، الأمريكي من أصل ياباني، حدّد وضع الطبقة الوسطى بشكل أفضل، من خلال عدة عوامل ومتغيّرات اقتصادية واجتماعية وثقافية وسياسية، منها المستوى التعليمي، ونوعية نمط الحياة الاجتماعية، ومستوى الدخل، والإنفاق، وعدد أفراد العائلة، وملكية الأصول وغيرها، وهي عوامل يعتبرها أكثر من موضوعية. ويجمع علماء الاجتماع السياسي على أن أهم سمات المجتمعات المتطورة القابلة للحياة، يكمن في وجود طبقة وسطى فاعلة، ومن دونها لا يمكن للمجتمع النهوض وفق هيكل اجتماعي متطور، وتالياً تعتبر هذه الطبقة بمثابة صمام أمان للمجتمع، ومحرًكة للاقتصاد الوطني، ولديها القدرة على ممارسة التوعية والتأثير في محيطها الاجتماعي.

لكن الكاتب سلمان رشيد الهلالي، يطلق مصطلح البرجوازية بدلاً من الطبقة الوسطى، معتمداً على خصوصية الوضع في العراق، حيث أن الطبقة الوسطى (متداخلة بين الفئات الوسيطة والتقمص البرجوازي للسلوكيات، والصعود السريع في المستوى الاقتصادي لبعض الفئات، بسبب التحولات السياسية المتسارعة، والحروب المزمنة، والحصار الاقتصادي، والفساد الاداري).

كان الأمل معقوداً على الطبقة الوسطى، لإعادة تأهيل المجتمع، بعد سقوط بغداد، لكن موجات كبيرة من الطبقة الفقيرة والمتريّفة اقتحمت مؤسسات الدولة ومعاملها ودوائرها والقصور الرئاسية، في موجات هائلة من السلب والنهب، واستمر الوضع هكذا شهوراً إلى أن نشأت طبقة ثرية مفاجئة.

وللمفارقة، أنه منذ عدة أشهر، أطلق أحد قادة الحشد الشعبي دعوة لضرورة تفعيل الطبقة الوسطى، وضرورة أن تقوم بدورها الفاعل في المجتمع، الدور السياسي والاقتصادي والثقافي والصحي والإعلامي، من أجل تحقيق التوازن المطلوب، ورأى أن حشداً من الكفاءات أدى دوره في دعم الحشد الشعبي، في المواجهة العسكرية، بكل ما يستطيع من دعم لوجستي ومعنوي وإعلامي، بل حتى بشري، بمشاركة البعض في جبهات القتال وتحقيق الانتصار العسكري، لكن هل يمكن أن تحقق ميليشيا “الحشد الشعبي” طموحات الطبقة الوسطى؟ ورغم ذلك، يتفاءل عالم النفس الاجتماعي ريتشارد هوجارت، إذ يعتبر أن التمييز بين الطبقات لا يختفي، لأنها تتعلّم طرقاً جديدة للتعبير عن نفسها.

بينما يرى الكاتب باقر النجار أن الطبقة الوسطى، وبفعل متغيّرات عديدة، باتت تمثل ثقل الجماعات الإسلامية، وأحد أهم القوى المشكلة لقاعدتها الارتكازية، وكان للعوامل الأثنية والدينية فعلها في حجب أو تلكؤ بروز الطبقة الوسطى الجديد، في إطارها الثقافي الجديد، وهو ما أعاق دورها في إرساء أسس ومبادئ الدولة العلمانية والتيار العلماني.

الطبقة الوسطى في العراق منقسمة حول نفسها أثنياً ودينياً وطائفياً، لأن الدولة لا تستطيع أن تولّد نسيجاً اجتماعياً متفاعلاً، بسبب كونها سوقاً مستهلكة، لا تولّد قوة اقتصادية فاعلة، ونموذج ديناميكي، لذا يتوجب إعادة بناء الطبقة الوسطى من جديد، خصوصاً أن الاقتصاد العراقي يعتمد بشكل أساسي على النفط، كمصدر رئيس، يتحكم فيه بعض المتنفذين قي الحكومة، قي حين أن المنشآت الاقتصادية والصناعات الوطنية التحويلية والزراعية، التي من المفترض أن تساهم في دعم الاقتصاد الوطني، في حالة غياب كامل فعلياً وعملياً على مستوى التنمية في المرحلة الراهنة، في الوقت الذي تعتمد فيه هذه الطبقة على الصناعة والزراعة والأمور الخدمية.

إذا كانت هذه الطبقة تشمل المهنيين والتقنيين والكفاءات العالية، الذين يتمتعون بمستوى تعليمياً عالياً ومكانة اجتماعية، وكانوا يعملون سابقاً في القطاع العام، فإن الرواتب التي يتقاضاها أبناء هذه الطبقة لم تعد فلم تعد تفي مستلزمات حياتهم، نتيجة تراجع العملة المحلية، وضعف القوة الشرائية، والحروب المدمرة، والحصار الاقتصادي، في تسعينيات القرن الماضي، فسارعت الحكومات المتعاقبة في بغداد، بعد الاحتلال الأمريكي، إلى زيادة الرواتب في القطاع العام عشرات المرات، وعينت العديد من الموظفين المقربين من الطبقة السياسية، لكن إذا كانت العملية إيجابية على المستوى العام، إلا أنها سلبية على مستوى الاقتصاد والدخل الوطني، كون معظم التعيينات هي تعيينات سياسية وحزبية، والهدف منها تحقيق الولاء، وتبرير الهيمنة للنظام الحكومي الجديد.

وعلى الرغم من محاولة احتواء فئات كثيرة ضمن وزارات الدولة ومرافقها، حيث أصبحت الكثير من الأسر تعتمد في معيشتها على مرتبات أفرادها الموظفين، والذين يمكن تصنيفهم ضمن الطبقة الوسطى، إلا أنهم، وبفعل الواقع العراقي، لا يؤدون عملاً إنتاجياً حقيقياً، ويمكن القول إنهم يشكلون حالة بطالة المقنّعة، حيث يغيب الإنتاج الحقيقي.

وخلال الأعوام التي تلت الاحتلال ألأمريكي، نشأت طبقة عسكرية بورجوازية، بالإضافة إلى أصحاب العقارات، وفئات صغيرة وسطيّة، تتطلّع إلى موقع لها في العملية السياسية، لكن لا موقع فعلياً لها، كونها تمارس حالة من التذبذب السياسي والاقتصادي، وهي غير متماسكة اجتماعياً وفكرياً، ففشلت في استقطاب المشاريع الإنمائية، وتعرضت لتبدلات في المواقع، من حيث علاقة الدولة بها، وكان لابد أن تهيمن المجتمعات الهامشية التي استقرت في المدن، إما هرباً من العنف، أو انضماماً إلى الميليشيا (الحشد الشعبي)، الخارجة عن سلطة الدولة.

إن فكرة الطبقة الوسطى، أو الطبقة البرجوازية في العراق، هي فكرة تضليلية، فالتكوين الفكري للطبقتين، لا يمكن أن يكون على فكر واحد، ولا في بنية تفاهمية واحدة، لكنه نسيج متقارب كما يبدو من ظاهره فقط، في حين يحمل في أحشائه تناقضاته الجوهرية، وأول ملاحظة منهجية هي أن هذه الطبقة لم تتشكّل في إطار دورة إنتاج حقيقية، وإنما في ظل النظام الريعي.

تبادل المواقع بين الاحتلال والحكومات المتعاقبة

لم يستطع الاحتلال، ولا الحكومات المتعاقبة في العراق، إصلاح ما أفسدته الحرب من تدمير للمجتمع، بل غذّت الجانب العشائري والمذهبي والديني، الذي أفرز مجموعات متنازعة متصارعة على النفوذ السياسي، والمكاسب المالية، لتحل مكان الطبقات الاجتماعية، وتحجم دورها الريادي، وتالياً فإن الكثير من الخبرات والكفاءات التي لم تغادر العراق، اضطرت إلى الانحياز مذهبياً وعشائرياً، في محاولة للحفاظ على وجودها، وليس على طبقتها الآيلة إلى السقوط، فهي عملياً تتنكر لطبقتها وأفكارها ومبادئها، وسط انتشار الميليشيات الطائفية والسلاح خارج سيطرة الحكومة، وبالتالي لا يمكن ظهور دولة ديمقراطية ترعى مصالح كافة الطبقات الاجتماعية، وعندما يجد الجد كما يقولون، يهرع الجميع (طبقات وأفراد) إلى الحضن الآمن، ويحتمي بالطائفة ورجل الدين، لذلك، فالولاء لرجل الدين والطائفة والعشيرة أقوى من الولاء للكفاءات العلمية وللوطن.

عندما حاولت الطبقة الوسطى البحث عن دور لها في مجتمع منغمس بالفساد والصراع الطائقي وانفلات السلاح خارج دائرة القانون، كانت الصدمة أقوى من المحاولة، فتراجعت، وتراجعت معها قيم التطور والحضارة والحداثة، وهي التي تمثل العمود الفقري في بناء المجتمع الحديث.

لازالت الطبقة الوسطى تفتقر إلى مقومات نهوضها على المستويين الاقتصادي والسياسي، الذي يصبّ في خانة التنمية البشرية، يقول صلاح حسن الموسوي: (إن توقعات نهوض الطبقة الوسطى في العراق تبقى أحلاماً بعيدة المنال، فلايمكن لها النهوض بدورها في إعادة الحياة إلى المجتمع العرافي الموحد، إلا بخلق نخبة مثقفة عضوية، متسامية على الانجدار الاجتماعي الجاري، بعيداً عن مرتكزات المواطنة والوحدة الوطنية، والتصدي للهيمنة الاجنبية على اختلاف مصادرها ولون شعاراتها التي تتخفى وراءها). النتيجة أن هذه الطبقة تحولت إلى فئة هامشية، بعد أن كانت مستقلة ومنتجة، فأصبحت تابعة ومستهلكة.

الحكومة الأضعف…الأكثر ثراءً وفساداً

إن شخصنة الحكم، وغياب الدوافع الحقيقية للتنمية الاجتماعية، نتج عنه ظهور طبقة طفيلية، صعدت السلم الاجتماعي بسرعة، على حساب الطبقة الوسطى، فتبخّرت أحلام العراقيين، وصادرتها الطبقة السياسية المنتفعة من بقائها، على حساب سلطة المال العام والنفوذ، والتي تتقاسم ثروات البلاد فيما بينها.

لقد أجبر الوضع الاقتصادي والأمني عدداً كبيراً من العوائل على إخراج أولادهم من المدارس، بحثاً غن عمل، لمساعدتهم وحفاظاً على حياتهم، فارتفعت نسبة الأمية في المجتمع، ووصلت إلى نصف البالغين، إذ تكاد تكون التنمية البشرية معدومة في العراق، فـ 18% من المواطنين لا يجيدون القراءة والكتابة، كما تشير بعض الإحصائيات إلى أن عدد التلاميذ المسجلين في الصف الأول الابتدائي عام 2005 في العراق بلغ مليون تلميذ، أما الذين وصل منهم إلى الصف السادس الإعدادي وشارك في الامتحانات، فبلغ عددهم 400 ألف طالب فقط. كما أن وزارة التربية العراقية تشير إلى أن الطلبة الذين شاركوا في امتحانات البكالوريا لعام 2017، لم ينجح منهم سوى 100 ألف فقط في الدور الأول، من مجموع مليون تلميذ، الذين تم تسجيلهم في المدارس عام 2005، وتشير اليونسكو إلى أن هناك مليوني طفل مهددون بترك دراستهم، وقد بلغ عدد الأميين 6 مليون مواطن.

لقد تركزت الأمية، بشكل كبير، في مناطق النزوح، والمحافظات المستعادة حديثاً من تنظيم “داعش”، وهذا لا يعني أن التنمية البشرية ونسبة الأمية لم تكن مرتفعة قبل سيطرة التنظيم على تلك المناطق، فقد أشارت المفوضية في وزارة التربية العراقية إلى أن ظاهرة تسرّب الطلاب من المدارس واضحة، وهي تتم بدواعي العمل، وتوفير لقمة العيش لمساعدة عوائلهم، ثم ظروف الحياة القاسية، وعدم توفّر حالة الأمن. فمثلاً في العاصمة بغداد، معظم المدارس غير مؤهلة للتدريس، على الرغم من المخصصات المالية الكبيرة لها، والتي تذهب إلى جيوب الفاسدين في وزارة التربية، كما أن الاعتداءات المتكررة على الكوادر التدريسية من قبل أشخاص ذويهم متنفذين في الحكومة، دفع للعديد من المدرسين الأكفاء للهروب، أو تقديم الاستقالة، خصوصاً في المحافظات الجنوبية، مثل البصرة وذي قار وديالى، في ظل الانفلات الأمني، وفرض الميليشيات الطائفية سيطرتها على المدن، وقد أشار تقرير اليونسكو إلى أن العراق يشهد تراجعاً حاداً في مستوى التعليم، بسبب ما تعرضت له البلاد من حروب وحصار وانعدام الأمن، حيث وصلت نسبة الأمية إلى مستويات غير مسبوقة في تاريخ التعليم الحديث، ضاربة عرض الحائط بما كان يتردد في سبعينات القرن الماضي (مصر تؤلف، لبنان تطبع، العراق يقرأ).

وفي ظل هذه الظروف، هاجرت العقول العراقية إلى الخارج، حيث تشير بعض الأرقام التقديرية إلى هجرة حوالي مائتي ألف من الكفاءات خارج العراق، في ظل استمرار حالة الإخفاق في بناء الدولة والمؤسسات، واستشراء حالة الفساد، ومراكمة السياسيين أموالاً طائلة في البنوك العالمية، ما يؤكد على عدم قناعتهم بالدولة العراقية ومستقبلها، حيث أصبحت السياسة مجالاً لمراكمة الثروة، وتشير بعض الأرقام إلى أن الدولة العراقية تدفع شهرياً حوالي 500 إلى 600 مليون دولار لجنود لا وجود لهم في الخدمة. وفي هذه الحالة تبدو الحكومة العراقية هي الأضعف، أمام قوى صاعدة تعتبر نفسها فوق القانون، مثل رجال الدين وشيوخ العشائر والمجموعات المسلحة، ولازال المجتمع يعاني من الاستبداد الطائفي، في ظل الحكومات المتعاقبة التي لم تحرك ساكناً

خلاصة

إن حالة التكسير المجتمعي في العراق قد وصلت إلى مرحلة حادّة، فمع تراجع سلطة الدولة، وغياب مجتمع الإنتاج، تقلّصت الطبقة الوسطى إلى درجة كبيرة، أمام توسّع طبقة الأثرياء وطبقة الفقراء على حدّ سواء، كما أن نمو قوى غير دولتية، تهيمن على المشهد العراقي، وتحوز فيه نفوذاً واسعاً، بل وترسم سياساته، أفرز منظومة قيم منسجمة معه، من ولاء وفساد وإفساد، وغياب للقيم الوطنية الجامعة، وعلى جثة الدولة العراقية القديمة، نمت وكبرت القوى العشارية والمذهبية قوة وحضوراً.

لا تبدو في الأفق المنظور أي ممكنات لأن يكون للطبقة الوسطى أي دور فاعل في المجتمع والسياسة، لجهة القيام بدور إيجابي في مواجهة الأوضاع الراهنة، وهي أمام خيارات محدودة، تتمثل بالهجرة نحو الخارج، بما يستنزف بقايا هذه الطبقة، وإما الاحتواء من قبل القوى السياسية والميليشيات المهيمنة وقوى الفساد، وإما الاعتراف بغياب الفاعلية والتهميش.

المصدر: العدد الخامس من مجلة ملفات أسبار الشهرية التي يصدرها مركز أسبار للدراسات والبحوث بمدينة دوسلدورف الألمانية

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *