الرئيسية / مقالات / ما قاله لي الشاذلي عن بوتفليقة…

ما قاله لي الشاذلي عن بوتفليقة…

عبد العزيز بوباكيرما قاله لي الشاذلي عن بوتفليقة…

د. عبد العزيز بوباكير

لم أفهم إلى اليوم الجامع بين اِختيارات بومدين الاشتراكية وبين الميول الليبرالية لوزير خارجيته عبد العزيز بوتفليقة. ربّما يفسّر ذلك بالفترة التي قضياها معا في وجدة بكلّ ما يشوبها من ظلال غامضة. كان بوتفليقة هو الطفل المدلّل لبومدين الذي كان يعطف عليه ويستشيره في أدقّ التفاصيل. وكان لا يغضب منه، حتى بعد أن كان يغادر الجزائر شهورا إلى الخارج، فيضطرّ الرئيس إلى إسناد دراسة ملّفات متعلّقة بالسياسة الخارجيّة إلى وزراء آخرين مثل العياشي ياكر وبن يحي وإسماعيل حمداني. لقد سعى بوتفليقة إلى اِستحداث منصب نائب رئيس الجمهوريّة، أملا في توّليه، لكن بومدين، كما يروي أحمد طالب الإبراهيميّ في الجزء الثاني من مذكراته “هاجس البناء”، قال له، وهو يعالج في موسكو: “في الحقيقة عبد العزيز بوتفليقة كان فتى يفتقد إلى التّجربة. وكان في حاجة إلى من يرشده. وقد أدّيت هذا الدور. إنّه، بلا شكّ، يحقد عليّ لأنّني لم أعيّنه “وليّا للعهد”، كما كانت رغبته. وبالفعل، لمّا كلّفت محمد بجاوي بتحضير مشروع دستور 1976، جاءني هذا الأخير ليخبرني بطلب بوتفليقة إدراج مادة متعلّقة باستحداث منصب نائب رئيس الجمهوريّة، ينتخب في الوقت نفسه مع الرّئيس، بنفس البطاقة على الطريقة الأمريكيّة. أجبت بجاوي، الذي كان يريد أن يعرف هل أنا موافق على هذا الاِقتراح أم لا، “أنت كرجل قانون تستطيع أن تقترح شيئا آخر، إلاّ إدراج هذه المادة”.

وواصل الشاذلي: “ذات يوم اِستقبلت بوتفليقة بطلب منه، وبدا منزعجا لوجود أحمد طالب الإبراهيمي في مكتبي. أخرج مرتبكا من جيبه صكّا وسلّمه لي. ولمّا سألته عن الأمر أجاب : “إنّها بقايا reliquats رصيد لميزانيات السفارات الجزائرية وضعت بموافقة بومدين (الآن يمكن لأيّ كان مسح الموسى في بومدين بعد رحيله) في حساب بنكيّ سويسريّ. سألته: “ولماذا جنيف، وليس في الخزينة العموميّة؟ أجاب أنّ الرصيد كان مخصّصا لبناء مقرّ جديد لوزارة الخارجيّة”. رفضت، بالطبع، اِستلام الصكّ، وطلبت منه أن يسلّمه إلى وزير المالية م. ص. بن يحي، وإرفاقه بكشف مفصّل، وربّما هذا هو سبب حقده على بن يحي. كما أمرت مفتشيّة المالية بإجراء تحقيق. ولم يتوقّف عمار بن عودة، رئيس لجنة الاِنضباط في الحزب، من جهته عن تحريض المناضلين عليه، والدعوة إلى طرده من الحزب وسجنه، لكني دعوته إلى تهدئة الأمور.

وتمضي الأيام ويقف بن عودة باكيا، في مشهد مسرحيّ مأساوي هزليّ، أمام بوتفليقة، وكأنه يستجدي العفو منه. لم يُعِد بوتفليقة من أصل ستّة ملايير إلاّ 10٪ . لقد حميت كلّ المسؤولين السابقين من المتابعة القضائيّة والسّجن، من منطلق عفا الله عمّا سلف، وحرصا مني على السلم الاجتماعي. وكان بوتفليقة يسعى عند عائلتي لأجنبه السّجن. إنّ تقاليد الدولة تدعونا إلى اِحترام المسؤوليات التي تحمّلها هؤلاء الأشخاص في ظروف صعبة، وجعلهم في مأمن من الحاجة، والحفاظ على كرامتهم لمّا يغادرون مناصب مسؤولياتهم، وأمرت في ما بعد بمنحهم أعلى معاش في صندوق تقاعد الإطارات السامية.

وعادت حليمة إلى عادتها القديمة. فكما كان يفعل مع بومدين أصبح بوتفليقة يطيل إقاماته في الخارج بلا مبرّر.

وكنتُ – يواصل الشاذلي- أوفدته مرّة في مهمّة وساطة بين اليمنيتين، ولمّا سأله الرّئيس اليمنيّ عنّي أجابه: “اِسمه يدلّ عليه: بن جديد، جديد علينا وجديد عليكم”. وقد أحسست بالحرج، وأنا أستمع إلى الرّئيس اليمني يقول: “لا يليق بوزير أن يتحدّث عن رئيسه بمثل هذه العبارات”. ونظرا لغياباته الطويلة والمتكرّرة عن اِجتماعات المكتب السّياسيّ وإخفاقه في أداء مهامه، كوزير مستشار لدى رئيس الجمهوريّة، قمت بعزله. وبدأت في حياته مرحلة “التيه أو عبور الصحراء”، كما يقال عندنا. أي عبور للصحراء؟!. لقد قال لي الشيخ زايد إنّه “يفضّل أن يُقيم بوتفليقة عنده على أن يذهب إلى القذافي أو صدام أو إلى فرنسا، مضيفا أنّه يتكفّل بإقامته في الإمارات، وهو في بحبوحة من العيشّ”. كنت دائما أتعجّب لحال المسؤولين الجزائريين، لمّا تُنهى مهام أحدهم لا يتوقّف عن ترديد عبارة أنّه “يعبر الصحراء”، حتى لو كان في أرذل العمر.

وتدول الأيام، ويُحقّق بوتفليقة حُلمه في تبوء منصب الرئاسة، ويشرع في تصفية حساباته مع من سبقه من رؤساء. ولم يسلم منه إلاّ أحمد بن بلة، وأصبح يخاطبه بـ “سيّدي الرئيس”، بالرّغم من أنّه كان السبب المباشر في الإطاحة به. غير أنّه لم يجرؤ على المساس ببومدين لأنّه وليّ نعمته، وخوفا من ردّ فعل الشارع، الذي كان لا يزال يذكر أفضاله. وشرع في الداخل والخارج في حملة هيستيريّة من الذمّ والقدح في رؤساء بلده واصفا زروال، الذي سلّم له مفتاح الرئاسة على طبق من ذهب، وبشكل حضاري قلّ نظيره في دول العالم الثالث، بـ “الرّئيس المتمرّن”. أمّا أنا فوصفني بكلّ النعوت، وقال عن فترة حكمي بأنّها حقبة الردّة. رفضت في العديد من المرّات دعواته لحضور اِحتفالات الأوّل من نوفمبر والخامس من جويليّة، إلاّ أنّ مجاهدين أقنعوني أنّ 1 نوفمبر و5 جويلية هما عيدا كلّ الجزائريين، وليسا عيدي شخص. وطلب مني أيضا أن أقنع اليامين زروال بالعدول عن موقفه الرافض للقائه، غير أنّني رفضت وقلت له: “زروال رئيس مثلك، وهو مسؤول عن أفعاله”. كما سعى عن طريق أشخاص مقرّبين منه لإقناعي بالانضمام إلى لجنة مساندته لعهدة ثالثة، فقلت لهم “لقد أخطأتم العنوان”.

المصدر: صحيفة الوطن الجزائرية

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *