الرئيسية / مقالات / “منتدى غاز المتوسط”.. تعاونٌ اقتصاديٌّ في ظاهره، وتحالفٌ سياسيٌّ في باطنه احتياطي دول المنتدى من الغاز 122 تريليون قدم مكعب

“منتدى غاز المتوسط”.. تعاونٌ اقتصاديٌّ في ظاهره، وتحالفٌ سياسيٌّ في باطنه احتياطي دول المنتدى من الغاز 122 تريليون قدم مكعب

محمد مصطفى عيد“منتدى غاز المتوسط”.. تعاونٌ اقتصاديٌّ في ظاهره، وتحالفٌ سياسيٌّ في باطنه  احتياطي دول المنتدى من الغاز 122 تريليون قدم مكعب

محمّد مصطفى عيد

مقدمة

لم تتوقف في يوم من الأيام صراعات الدول الكبيرة على مصادر الطاقة رغم اختلاف حدّتها عبر مراحل تاريخية متنوعة، ولكن حدّة هذه الصراعات بلغت ذروتها في مطلع القرن العشرين، حيث كان نصيب الشرق الأوسط الحصة الأكبر، واتجهت إليه الأنظارركونه يمتلك مصادر متنوعة وكبيرة من الطاقة التقليدية، مثل النفط والغاز. وبما أنّ الغاز من مصادر الطاقة الأقلّ تلويثاً والأكثر كفاءة، وبسبب امتلاك العالم العربي لاحتياطٍ غازيّ كبير، فقد بدأت المشاريع التّنافسية الضخمة بين دول الشّرق الأوسط للاستثمار في الغاز في منطقتنا، والتي تقف خلفها شركات عالمية تُمثل مصالح دولٍ كبرى، مثل شركة إكسون موبيل الأمريكية، وغاز بروم الرّوسية، وغيرهما.

شرعت الدّول عربية في إبرام شراكات مع دول غربية وشركات أجنبية، حيث شكّل ذلك مفتاحَ كسبٍ اقتصاديّ كبير وسيطرة سياسية إلى حدّ ما لهذه الدول برعاية دولية، علاوةً على تعزيز قدراتها على كسب حقوق استخراج الغاز، وتصديره إلى أوروبا، حيث الطلب الأكبر عالمياً على هذه المادة، علماً أنّ روسيا تزوّد أوروبا بما معدله 27% من حاجتها للغاز، وتخطّط لرفع هذه النّسبة من خلال مدّ أنابيب تمر بدولٍ مثل سوريا وتركيا ولبنان، عبوراً إلى أوروبا. بينما تعمل دولٌ مثل إسرائيل ومصر على مدّ أنابيب الغاز من حقولها في البحر المتوسط وإيصاله إلى أوروبا أيضاً.

ولعلّ الصّراع لم يعد مخفياً بين الدّول الكبرى في سعيها إلى الحصول على امتيازات في مناطق مرور شبكات الغاز عبر أراضي الدّول التي تختلف ولاءات حكوماتها لهذا الحلف الدّولي أو ذاك. هذا الصّراع تظهر دلالاته، بشكلٍ خاص، بين أمريكا وروسيا ودول إقليمية في المنطقة، مثل إيران وتركيا، ورغبة القوى الدّولية والإقليمية في أن يكون لها تواجد في حقول الغاز ذات الاحتياطي الأكبر على سواحل البحر المتوسط. من هنا تتعاظم أهمية منطقة شرق البحر المتوسط باعتبارها من أهم المناطق التي تضمّ الاحتياطيات الهائلة من الغاز الطبيعي، والقادرة بدورها على سدّ احتياجات السّوق الأوروبية والعالمية، فأصبحت محطّ أنظار كبرى شركات النفط العالمية، بالإضافة إلى كونها محطّ أنظار كبار المستهلكين الأوروبيين للغاز.

إنشاء منتدى غاز شرق المتوسط EMGF

لا يخفى على أي متابعٍ للشّرق الأوسط في العقد الأخير حدوث توترات ونزاعات من أجل السّيطرة على مكامن حوامل الطاقة من غاز ونفط في المنطقة، سواء أوروبياً أو أمريكياً، ما يطرح تساؤلاً مقلقاً عن مدى حروب الطاقة، إلى أين تمضي؟

يحتوي حوض شرق البحر المتوسط كميات ضخمة من احتياطيات النفط والغاز العالمية، فقد قدَّرت هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية في 2010 مخزون الغاز في حوض شرق البحر المتوسط بحوالي 345 تريليون قدم مكعب. وهي كميات يمكن أن تتجاوز الاحتياطات الأمريكية المؤكّدة. وتشمل هذه الاحتياطيات 223 تريليون قدم مكعب من الغاز في حوض دلتا النيل، إضافةً إلى 5.9 مليار برميل من الغازات السّائلة، و1.7 مليار برميل من النفط. كما يحتوي الحوض الكبير على 122 تريليون قدم مكعب من الغاز في منطقة حوض المشرق، قبالة شواطئ قبرص ولبنان وسوريا. وعلى أكثر من 36 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي في مناطق بالقرب من إسرائيل، أما اليونان فتقدر المسوح الجيولوجية أنّ احتياطيات الغاز في بحر إيجة والبحر الأيوني وجنوب جزيرة كريت بـ 123.6 تريليون قدم مكعب.

هذه الأرقام الجيو-سياسية دفعت إلى الإعلان عن إنشاء منتدى غاز شرق المتوسط EMGF وذلك “بهدف تأسيس منظّمة دولية تحترم حقوق الأعضاء بشأن مواردها الطبيعية بما يتفق ومبادئ القانون الدّولي، وتدعم جهودهم في الاستفادة من احتياطياتهم، واستخدام البنية التّحتية، وبناء بنية جديدة بهدف تأمين احتياجاتهم من الطاقة لصالح رفاهية شعوبهم”. ويضم التّحالف الجديد، ومقره القاهرة، سبع دولٍ هي (مصر، إيطاليا، واليونان، وقبرص، والأردن، وإسرائيل، وفلسطين)، ولا يخفى على أحدٍ بالطبع أنّ هذا المنتدى بين ثناياه تحولات سياسية كبيرة تحت مظلّة القوّة الناعمة للاقتصاد في تلك المنطقة، وخاصة بعد مشاركة الاتحاد الأوروبي والبنك الدولي في فعالياته. وبما أنّ الاقتصاد هو الموجّه الرّئيس للسياسة، نجد أنّ الآراء اختلفت حول أهمية المنتدى، إلاّ أنّ الدّول المشاركة في المنتدى اتفقت على التعاون فيما بينها في مجال استخراج الغاز الطبيعي، كما اتفقت على التعاون في تصديره من خلال استغلال البنية التحتية المصرية ومصانع الإسالة، والتي ستساعد هذه الدول في تحويل الغاز الطبيعي إلى غاز مُسال، وتصديره إلى الدّول الأوروبية، إضافة إلى مدّ خطوط بين هذه الدّول، للاستفادة من إنتاج الغاز بينها.

ويرى الباحث في مركز الأهرام للدّراسات، عاطف السعداوي، أنّ خطوة تشكيل المنتدى الاقتصادي لدول منتجي الغاز يضع حدّاً للتّنافس بين جيران كنز الغاز الطبيعي الأكبر في العالم في منطقة شرقي البحر المتوسط، وإجهاضاً لأحلام تركيا التي خطّطت وسعت منذ سنوات إلى الهيمنة على سوق الطّاقة في هذه المنطقة، ومحاولة الاستيلاء على ثرواتها عبر عمليات تنقيب غير شرعية، بغية التّحول إلى مركز إقليمي لتجارة الغاز الطبيعي، واستمر الأمر سجالاً بين الدولتين إلى أن تمكنت مصر من قلب المعادلة بعد اكتشاف حقل “ظهر” العملاق، وبدء الإنتاج منه بشكل مبكّرعما كان مخطّطاً له.

ونظراً لصعوبة الموقف على الجانب التركي الذي أُرغم على الوقوف متفرجاً فقط على تأسيس المنتدى، فإن مناوشاته في قبرص وسوريا، والسّعي لتأجيج الصراعات في المنطقة قد يكونان السلاح الوحيد لمحاربة الكيان الجديد الذي يحمل قوة سياسية واقتصادية، وباتت أنقرة بين كفي رحى إسرائيل والاتحاد الأوروبي الذي يدعم التّواجد الإيطالي في المنتدى. وفي هذه النقطة اعتبر رمضان أبوالعلا خبير استراتيجيات الطاقة، أنّ الهدف من تأسيس المنتدى سياسي بالدرجة الأولى، حيث يضع إسرائيل في “جملة مفيدة” في المنطقة، متعجباً من إعلان القاهرة تأسيس هذا المنتدى قبل تنازل إسرائيل بشكل رسميّ عن قضايا الغاز المرفوعة ضدّ مصر، وواصفاً ذلك بالقول “إنّ الدّولة تهدر حقوقها بسهولة”.

ويرى أبو العلا أنّ “إسرائيل لم تقدّم شيئاً مفيداً، حتّى تضمّها مصر في منتدى إقليمي، فهناك علاقات دبلوماسية بين الدّولتين، لكنها لم تحترم تلك العلاقات برفعها دعاوى تحكيم دولي ضدّ مصر”.

ورغم أنّ مصادر مقربة كشفت أنّ تلك الخطوة تمهّد لتنازل نهائي من جانب إسرائيل عن دعاوى التّحكيم، إلاّ أنّ بعض الخبراء قالوا إنّ “إسرائيل تستخدم هذه الورقة للضغط فقط، لأنها في أمسّ الحاجة إلى القاهرة لتصريف وتجارة الغاز، حيث تعدّ بوابة مصر الأقلّ تكلفة بالنسبة لها، فضلاً عن البنية الأساسية التي تمتلكها مصر في هذا القطاع″.

أهداف المنتدى

لقد وضعت الدّول المشاركة في منتدى غاز شرق المتوسط في القاهرة مجموعة من الأهداف، التي تساهم في إنشاء كيان يساهم في تحقيق تبادل المصالح بين الدول الأعضاء، والتي ستنتسب إلى المنتدى مستقبلاً، حيث اتفق وزراء الطاقة خلال اجتماعهم في 15 يناير/ كانون الثاني الماضي في القاهرة على أن الأهداف الرئيسية لمنتدى غاز شرق المتوسط تتضمن ما يلي:

1. العمل على إنشاء سوق غاز إقليمي يخدم مصالح الأعضاء، من خلال تأمين العرض والطلب، وتنمية الموارد على الوجه الأمثل، وترشيد تكلفة البنية التحتية، وتقديم أسعار تنافسية، وتحسين العلاقات التجارية.
2. تعزيز التعاون من خلال خلق حوار منهجي منظّم، وصياغة سياسات إقليمية مشتركة بشأن الغاز الطبيعي، بما في ذلك سياسات الغاز الإقليمية.
3. تعميق الوعي بالاعتماد المتبادل، والفوائد التي يمكن أن تُجنى من التّعاون والحوار فيما بين الأعضاء، بما يتفق ومبادئ القانون الدولي.
4. دعم الأعضاء أصحاب الاحتياطات الغازية والمنتجين الحاليين في المنطقة في جهودهم الرامية إلى الاستفادة من احتياطاتهم الحالية والمستقبلية، من خلال تعزيز التعاون فيما بينهم ومع أطراف الاستهلاك والعبور في المنطقة، والاستفادة من البنية التحتية الحالية، وتطوير المزيد من خيارات البنية التحتية لاستيعاب الاكتشافات الحالية والمستقبلية.
5. مساعدة الدول المستهلكة في تأمين احتياجاتها وإتاحة مشاركتهم مع دول العبور في وضع سياسات الغاز في المنطقة، ما يتيح إقامة شراكة مستدامة بين الأطراف الفاعلة في كافة مراحل صناعة الغاز.
6. ضمان الاستدامة، ومراعاة الاعتبارات البيئية في اكتشافات الغاز وإنتاجه ونقله، وفي بناء البنية الأساسية، بالإضافة إلى الارتقاء بالتكامل في مجال الغاز، ومع مصادر الطاقة الأخرى، خصوصاً الطاقة المتجدّدة وشبكات الكهرباء.

لم يقتصر إنشاء المنتدى على الدّول الأعضاء فقط، بل أكدّ المشاركون فيه أنه يمكن لأي من دول شرق البحر المتوسط المنتجة أو المستهلكة للغاز أو ‏دول العبور ممن يتفقون مع المنتدى في المصالح والأهداف الانضمام لعضويته لاحقاً، بعد استيفاء ‏إجراءات العضوية اللازمة، التي يتم الاتفاق عليها بين الدّول المؤسسة، كما أنّ المنتدى ‏سيكون مفتوحاً لانضمام دول أخرى، أو منظمات إقليمية أو دولية بصفة مراقبين.

المنتدى وطموح مصر لاستعادة الثّقل الإقليمي من بوابة الغاز

منذ البداية تسعى مصر إلى الاستفادة من مشاركتها في” منتدى غاز شرق المتوسطEMFG“ للتحوّل إلى مركز إقليمي لتبادل الطاقة. وتعتبر مصر أنّ هذه الخطوة هي الأولى في طريق السّلام السّياسي والاقتصادي، بحيث تكون مصر المستفيد الأكبر من المنتدى، لما تملكه من بنية تحتية مناسبة، تؤهلها في أن تكون في الصدارة، لاسيما أن المنتدى الذي جرى الإعلان عنه يعدُّ فرصة للدّول المتوسطية لتكون منتجة، مع احتياطات غاز في هذا الإقليم، تقدر بنحو 122 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي.

وبحسب تصريح رسمي، قال نائب رئيس هيئة البترول الأسبق في مصر المهندس صلاح حافظ، إنّ اختيار مصر لاستضافة منتدى” غاز شرق الأوسط “هو خطوة مهمة للتعامل مع كافة الأنشطة من حيث التّجهيز، والتأثير، والموقع الاستراتيجي، والكشوفات الجديدة“، سيّما وأنّ مصر تمتلك بنية أساسية جاهزة وقوية كمحطات الإسالة التي ستستخدم في إسالة الغاز وتصديره، وسدّ فجوة الاستهلاك المحلي، فضلًا عن التنمية الصناعية، إلى جانب الشق السياسي المعني بمشكلات الشرق الأوسط.

وكما مثّل إعلان القاهرة خطوةً مهمة في إطار تأسيس مجمّع ضخم لتجارة الغاز في المناطق المحيطة بشواطئ البحر المتوسط، فإنّ المعنيون في هذه الدول يسعون إلى بلورة الصورة بشكل أوضح في الاجتماع المقرر انعقاده في أبريل/ نيسان المقبل، لرسم خارطة طريق لعمل المنتدى، وذلك من خلال تحديد أجهزته الرّئيسة، وآلية اتخاذ القرارات، بحيث يكون كياناً مستقلاً، قادراً على اتخاذ القرار، ليتحوّل إلى رقمٍ صعب أمام الدّول الإقليمية التي تمتلك سوق الطاقة في منطقة شرق المتوسط، مثل تركيا وروسيا وايران وقطر، في وقت أصبحت منابع الغاز وخطوطه تحدد خريطة التّحالفات على السّاحة الدّولية.

خلاصة

لا بدّ من الإشارة هنا إلى أنّ أركان الأزمة الإقليمية المحتدمة بين الدول التي تمتلك احتياطات من الغاز في شرقي المتوسط، تكمن في عدد من النقاط منها: النزاع بين إسرائيل ولبنان على جزء من حقل غاز يقع على حدود البلدين، ورفْض تركيا اتفاقية ترسيم الحدود الموقَّعة عام 2010 بين قبرص وإسرائيل، على اعتبار أنّ الجزيرة لا يحقّ لها البدء في أية عمليات تنقيب طالما ظلّت أزمة انقسامها قائمة، كما أنّ لبنان أبدى رفضه الاتفاقية الإسرائيلية-القبرصية، وقال إنّ الاتفاقية تعدَّت على ما يقارب 850 كم من المنطقة الاقتصادية الخالصة الخاصّة بها.

كما تتفرّع هذه الأزمة في جانب آخر بين مصر وتركيا، فالأخيرة أعلنت، العام الماضي، اعتزامها بدء التّنقيب عن النّفط والغاز شرقي البحر المتوسط في المستقبل القريب، ورفضها اتفاقية ترسيم خط الحدود البحرية بين القاهرة وقبرص الموقَّعة عام 2013، باعتبار أنّها تمسّ بحقوقها الاقتصادية بمنطقة شرقي المتوسط، كما يوجد هناك توتّرات متزايدة بين تركيا واليونان على خلفية النّزاعات في المياه الإقليمية في بحر إيجه والبحر المتوسط وحقوق الجانبين في موارد النفط والغاز.

بالمحصلة إن التنبؤ بالمفاعيل الإيجابية التي يمكن أن تنتج عن منتدى الغاز في شرق المتوسط هو سابق لأوانه، على اعتبار أنّ الصّورة لمْ تتضّح كثيراً، بحكم أنّ الإعلان عن المنتدى لم يتجاوز عمره الشهرين، ولم تُعلن حتّى الآن أيّ آليات مفصلة اتفق عليها في تنفيذ أهداف الدول الأعضاء في الاستثمار في حقول الغاز، بحيث يكون لهم كلمة مؤثرة في سوق الغاز العالمي في المستقبل القريب.

المصدر: العدد الخامس من مجلة ملفات أسبار الشهرية التي يصدرها مركز أسبار للدراسات والبحوث بمدينة دوسلدورف الألمانية

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *