الرئيسية / مقالات / خلوة البحر الميت …على طريق ناتو العرب الجديد… إلى أين؟

خلوة البحر الميت …على طريق ناتو العرب الجديد… إلى أين؟

خلوة البحر الميت ...على طريق ناتو العرب الجديد... إلى أين؟خلوة البحر الميت …على طريق ناتو العرب الجديد… إلى أين؟

معن الموسى

تمهيد:

طرحت فكرة التحالف العربي أو ” الناتو العربي” منذ خمسينيات القرن العشرين، بحيث يكون مؤلفاً من دول عربية، ومدعوماً من قوى عظمى، وأعادت مصر طرح الفكرة في عام 2015، بتعداد يصل إلى 40 ألف مقاتل، من مصر والاردن والسعودية والإمارات والمغرب والسودان، لكن بعض الخلافات العربية حالت دون اكتمال المشروع المصري.

طرحت الولايات المتحدة، ممثلة بإدارة الرئيس دونالد ترامب من جديد، فكرة “الناتو العربي” ، من خلال تحالف أمني عسكري، مكون من ست دول خليجية، اضافة إلى الأردن ومصر، وتمّ التعريف عن هذا التحالف، بشكل غير رسمي، من خلال عدة أسماء، مثل: “الناتو العربي”، و “ميسا”، و “تحالف الشرق الأوسط الاستراتيجي”.

وفي نهاية العام الماضي، صرح نائب مساعد وزير الخارجية الأميركية لشؤون الخليج العربي “تيم لاندركينغ” أن التحالف الجديد سيكون في مطلع العام 2019، وفي شهر يناير/ كانون الثاني سيُعقد اجتماع قمة لتدشين الحلف العربي الجديد، وفي تصريح آخر له، ذكر الدول العربية المشاركة في الحلف، بالإضافة إلى الولايات المتحدة.

وبالفعل انعقد اجتماع قرب العاصمة الأردنية، في منطقة البحر الميت، في 30/1/2019، ضمّ ستة وزراء خارجية عرب، من دون مساعدين، ولا مرافقين، وكان في استقبالهم العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني، ومن المفترض أن يكون الاجتماع قد بحث ملفات عدة، منها الملف الإيراني، والعلاقة مع تركيا، وصفقة القرن الأمريكية، كما طرحت فكرة الدفاع العربي المشترك، لكن كون الاجتماع جرى من دون مساعدين للوزراء، فقد أطلق عليه اسم “خلوة البحر الميت”.

أمريكا والناتو العربي

تزداد يوماً بعد يوم فكرة إنشاء “الناتو العربي” في أروقة البيت الابيض والكونغرس، وذلك بعد قيام الولايات المتحدة بالانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني، حيث تعتبر واشنطن عدداً من الدول في حلفٍ معادٍ لها، وهي روسيا، والصين، وكوبا، وفنزويلا، وإيران، وسوريا.

وثمة اعتقاد أصبح راسخاً في دوائر أمريكية عديدة، بأن الانتصار على إيران، أو تحجيمها، هو أمر غير ممكن من دون تحالف شرق أوسطي، خصوصاً مع ابتعاد واشنطن عن فكرة زج وحداتها المقاتلة البريّة في مواجهات، كما حدث سابقاً في أفغانستان والعراق.

هناك مسألة أخرى، لا تقل وزناً، وهي أن ثقة واشنطن بحلف شمال الأطلسي (الناتو) لم تعد كالسابق، بل يمكن وصفها بالمهتزّة، حيث أن الدول الكبرى الفاعلة في حلف الأطلسي، خصوصاً ألمانيا وفرنسا، غير راضية عن توجهات الإدارة الأمريكية، في ظل ولاية الرئيس ترامب.

في ضوء العاملين السابقين، يمكن فهم البوصلة الأمريكية، والتي تشير إلى دعم إنشاء حلف عربي استراتيجي أمني وعسكري وسياسي، كما أن نجاح هذه الفكرة، من وجهة نظر الرئيس ترامب، تعني نجاح توجهاته السياسية.

أمثلة على مشروعات التحالفات لأمن الدول العربية بعد الربيع العربي

  • عام 2014، الناتو الخليجي، يضم دول مجلس التعاون الخليجي الست، إضافة إلى الأردن والمغرب.

سبب الانهيار: التردد في حسم دعوة ضم كلٍ من الأردن والمغرب كأنظمة ملكية وراثية إلى مجلس التعاون الخليجي المشابه لهما من حيث النظام السياسي.

  • أبريل/ نيسان 2015، القوة العربية المشتركة، تضم دول الجامعة العربية، باستثناء العراق ولبنان وسوريا، مع تحفظ الجزائر.

سبب الانهيار: الخلافات على مفهوم القيادة العسكرية والسياسية بين مصر والسعودية.

  • ديسمبر/ كانون الأول 2015، التحالف العسكري الإسلامي لمكافحة الإرهاب، يضم 41 دولة عربية وإسلامية في إفريقيا وآسيا، باستثناء إيران والعراق والجزائر ولبنان وسوريا.

سبب الانهيار: هناك خلافات كثيرة على الغرض الرئيس منه.

  • 2017 الناتو العربي، يضم دول الخليج العربي (مجلس التعاون) والأردن.

سبب الانهيار: تأثير الخلافات الخليجية بين السعودية والإمارات من جهة وبين قطر من جهة أخرى.

  • ديسمبر/ كانون الأول 2018، تحالف البحر الأحمر، يضم ست دول مطلّة على البحر الأحمر.

سبب الانهيار: عدم تجانس الرؤى السياسية والقدرات البحرية للدول الست الأعضاء فيه.

  • 2019، التحالف الاستراتيجي للشرق الأوسط، يضم دول الخليج العربي، إضافة إلى الأردن ومصر.

أهداف تحالف الشرق الأوسط الاستراتيجي

تحدث وزير الخارجية الامريكية “مايك بومبيو” خلال جولته الاخيرة في الشرق الاوسط التي كانت تشمل كلاً من مصر والاردن والعراق، ودول مجلس التعاون الخليجي، بصورة اكثر وضوحاً عن التحالف الجديد.

في هذا الإطار قال بومبيو، “إن إدارة الرئيس ترامب تريد تأسيس حلف استراتيجي شرق أوسطي، لمجابهة أكبر خطر في المنطقة، وتعزيز التعاون في شتى المجالات، بين أعضاء الحلف”، ومن الواضح أن الغاية من هذا الحلف هو مواجهة إيران وتحجيمها، وذلك من خلال معاهدة للدفاع المشترك، تتضمن الآتي:

  • قيادة عسكرية متكاملة.
  • تحرك عسكري مشترك للدفاع والهجوم، في حال تعرّض أي عضو من أعضاء التحالف للخطر، من قبل إيران أو أذرعها في المنطقة.
  • توفير الأمن لأعضائه، من خلال قوة الردع العسكرية الأمريكية، البحرية والجوية المحيطة بإيران.
  • توثيق التعاون الديبلوماسي، مع تعزيز التنسيق في مجالي الطاقة والاقتصاد.
  • تأمين دعم استخباراتي وقوة صاروخية وجوية من قبل الولايات المتحدة.
  • إبراز توازن عسكري مشترك في المنطقة، بحيث يكون نداً لإيران.
  • إضعاف واحتواء القلاقل التي تحركها وتشجعها وتغذيها إيران، في نطاق دائرة دول التحالف.
  • رفع مستوى تدريب جيوش التحالف بعقيدة قتالية عسكرية جديدة ضد إيران كعدو مباشر، وليس كعدو محتمل، كما كان عليه الأمر سابقاً، بدعم عسكري واستخباري ولوجستي أمريكي.
  • ضمان تحقيق الأهداف الاستراتيجية الأمريكية بعد قرار الانسحاب العسكري من سوريا.

قدرات حلف الناتو العربي

أنفقت إيران في عام 2017، ما يقارب من ستة مليارات دولار أمريكي على الدفاع، إذْ يتألف قوام جيشها من 500 ألف مقاتل نظامي، وعدد الاحتياط قريب من هذا الرقم أيضاً.

بينما أنفقت السعودية لوحدها، في العام نفسه، ما يقدر بنحو 50 مليار دولار على الدفاع. وتمتلك دول الخليج العربي منظومة أسلحة متطورة، وتعتمد على تكنولوجيا عسكرية غربية، على العكس من الأسلحة الإيرانية التي ما زال جزءاً منها منذ عصر الشاه.

المأمول أن تقوم مصر بتعزيز تعداد القوى البشرية المقاتلة لحلف الناتو العربي، ما يقلص الفجوة بين جيوش دول الحلف والقوات الإيرانية المسلحة، لا سيما وأن تعداد الجيش المصري النظامي يصل إلى حوالي 400 ألف جندي.

وفي حال ظهر حلف “الناتو العربي” إلى الوجود، فإن ميزة التفوّق العددي للجيش الإيراني ستكون ملغية، مضافاً إلى ذلك تطور وحداثة الأسلحة الجوية والبحرية لدول التحالف، وهي نقطة تفوّق مهمة له، سواءً في عملية الردع، أو في حال المواجهة.

ثمة نقطة قوة أخرى تضاف إلى الحلف العربي من منطلق كونها دول تحمل الهوية نفسها، ما يجنبها الصدام والدخول في نزاعات داخلية فيما بينها. حيث يُتوقع أن ينص ميثاق الحلف على أن تعرّض أي عضو في الحلف العربي يعني هجوماً على جميع الأعضاء، وهذا البند موجود في اتفاقية حلف شمال الأطلسي.

الصعوبات التي تواجه حلف الناتو العربي

هناك تحديات كثيرة تواجهها عملية إنشاء الحلف، كما أن إنشاء الحلف نفسه قد يوجد العديد من التحديّات لأعضائه، خصوصاً أن التحالف العربي في اليمن، وبعد سنوات من التدخل، لم ينجز كامل المهام التي أنيطت بقواته، وهذا الرأي اليوم يأخذ حيزاً من النقاش بين دوائر صنع القرار في الدول المعنية بالتحالف الجديد.

ومن بين جملة التحديّات التي تواجهها عملية إنشاء الحلف، نذكر أبرزها:

  1. التباينات في السياسة الخارجية لدول الخليج، خصوصاً العلاقات المقطوعة مع قطر.
  2. إن بعض دول الخليج لها مواقف أكثر مرونة من السعودية والإمارات، كما في حالتي سلطنة عمان والكويت.
  3. أن تعرقل قيام الحلف المشكلات القديمة نفسها التي عرقلت قيام التحالفات السابقة، خصوصاً لجهة الاتفاق على قيادة الحلف، وآليات اتخاذ القرار فيه.
  4. إن إنشاء حلف بهذا المستوى يحتاج إلى ميزانيات إنفاق طويلة ومستدامة، لا تعتمد فقط على الريع النفطي، خصوصاً أن أسعار النفط تشهد موجات من التقلب في أسعارها، كما أن تأثير الإنفاق الدفاعي على الاقتصادات الداخلية يثير مخاوف كبرى.
  5. ثمة سؤال جوهري أيضاً، وهو إلى أي مدى ستكون مصر مستعدة فعلاً لتطوير عقيدة عسكرية بريّة لمواجهة إيران، خصوصاً أنها لا تمتلك أي حدود معها؟
  6. إن مشاركة الأردن في الحلف تبدو أنها مشاركة سياسية رمزية أكثر منها ذات فعالية عسكرية كبيرة.
  7. هل يمكن لإسرائيل أن تنضم إلى الحلف، خصوصاً أنه يخدم مصلحتها في مواجهة إيران؟ وهل دخولها ممكن في ظل “صفقة القرن” الأمريكية؟
  8. إن التوافق على آليات محددة في العمل العسكري، ورسم الأهداف، وبناء عمليات تكامل عسكري، سيكون بحد ذاته مسألة شائكة.

خارطة القيادة والتسليح للحلف

هناك سعي أمريكي-سعودي إلى أن تستلم السعودية قيادة الحلف السياسية، بموافقة باقي الأعضاء، بحيث تتحمّل النسبة الأكبر من الإنفاق، بحيث لا تتحمل الولايات المتحدة عبء الإنفاق، كما هو حاصل في حلف ألأطلسي، كما أنه من المتوقع أن يتم تجيير صفقات السلاح التي أبرمتها السعودية مع واشنطن، والتي وصلت قيمتها إلى 350 بليون دولار، على مدار عشرة سنوات، لمصلحة الحلف، لتكون قوته الضاربة العسكرية.

من المتوقع أن تشكّل القوى الجوية السعودية العصب الجوي للحلف، حيث يعدّ سلاح الجو السعودي من الأقوى في المنطقة، بامتلاكه أسلحة حديثة ومتطورة، كما من المتوقع أن تشكل الفرق البريّة المصرية العصب القتالي المباشر للحلف، مع الاتفاق على آليات قيادة وسيطرة، تشمل قيادات من كل دول التحالف.

من جهتها، ستشارك واشنطن في الحلف من خلال قواتها المنتشرة في أماكن عديدة في الشرق الأوسط، خصوصاً من خلال الميّزات العسكرية المتطورة للسلاح الأمريكي، بالإضافة إلى التنسيق ألأمني والعسكري، من خلال غرف العمليات.

أما المعلومات الأولية المتوفرة، فهي تشير إلى أن مسرح عمليات الحلف ستشمل مناطق الخليج العربي وبحر العرب والبحرين المتوسط والأحمر، كما ستكون القوة البحرية للحلف العربي الجديد هي المسؤولة عن حركة الملاحة في المضائق البحرية المهمة في الشرق الأوسط، ومنع إيران من نقل الأسلحة إلى حلفائها، كما يجري حالياً مع الحوثيين في اليمن.

الخلاصة

أوجدت المتغيّرات التي طرأت في السنوات الماضية احتياجات جديدة في شؤون الأمن والدفاع، فقد انهارت منظومة الأمن والاستقرار القديمة في الشرق الأوسط، كما عمّت الفوضى عدداً من الدول العربية، وأحدثت الحرب السورية تسابقاً على تمدد النفوذ، حيث توسّع النفوذ الإيراني وأصبح مهدداً بشكل مباشر للأمن الاستراتيجي للخليج، وخصوصاً السعودية.

إن إعادة بناء منظومة أمن جديدة في المنطقة، تستدعي إقامة نوع من الردع والتوازن بين الدول العربية بشكلٍ عام، والخليجية لشكلٍ خاص، وبين إيران، وهو ما يستلزم فعلياً إقامة تحالفات أمنية وعسكرية جديدة، ولذلك فإن إطلاق مشاريع للتحالفات أمر يبدو منطقياً، من الناحيتين السياسية والعسكرية، وليست فكرة إنشاء “حلف ناتو عربي” شاذة عن هذا المنطق.

الدعم الأمريكي لهذا المشروع يوفر له فرص نجاح، لكونه يتقاطع مع المصالح الأمريكية، من عدة جوانب، فأمريكا لم تعد راغبة في إنزال قوات على الأرض، لكنها تحتاج فعلياً لتطويق النفوذين الإيراني والروسي في المنطقة، وأيضاً النفوذ التركي، كما أن التكلفة المالية ستقع على عاتق دول الحلف، على عكس حلف ألأطلسي، الذي تتحمل فيه الولايات المتحدة عبء الإنفاق الأكبر، وسيوفر الحلف الجديد سوقاً كبيرة للأسلحة، خصوصاً أن منظومات الدفاع الخليجية في مجملها هي منظومات أمريكية وغربية.

في البعد الدولي، هناك ما يؤشر إلى توجه أمريكا لتعزيز محاصرة النفوذين الإيراني والروسي في منطقة الشرق الأوسط على المدى البعيد، وهو ما ظهر من خلال إصرار واشنطن على عقد مؤتمر الشرق الأوسط في العاصمة البولندية وارسو، حيث جمع هذا المؤتمر مسؤولين أوروبيين وعرب وإسرائيليين.

إقليمياً تبقى المعضلة ماثلة في عقائد أعضاء الحلف وطموحاتهم وأهدافهم المختلفة من هذا الحلف، بالإضافة إلى المخاوف الموجودة أصلاً بين أعضاء الحلف أنفسهم، ولهذا فإن الطريق نحو بناء مثل هذا الحلف ستكون طويلة، وحافلة بالتحديّات، كما أن فشل التحالفات السابقة يجعل نجاح هذا الحلف مرهوناً بخطوات عملية واضحة، وهو ما ستظهره الأيام المقبلة، كما ستظهر النوايا الأمريكية الحقيقية، تجاه حلفائها في الخليج والمنطقة.

المصدر: العدد الخامس من مجلة ملفات أسبار الشهرية التي يصدرها مركز أسبار للدراسات والبحوث بمدينة دوسلدورف الألمانية

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *