الرئيسية / مقالات / الدولة .. تطابق السلطة والإرادة الاجتماعية

الدولة .. تطابق السلطة والإرادة الاجتماعية

حسام أبو حامدالدولة .. تطابق السلطة والإرادة الاجتماعية

حسام أبو حامد

رأى افلاطون أن الدولة مصطنعة، نشأت نتيجة تفاعل أمرين “عدم اكتفاء أي شخص بنفسه” و “اختلاف قدرات الأفراد”، فقامت الجمهورية الأفلاطونية على ركنيّ الاقتصاد والنفس. والدولة عند أرسطو كائن حي ينمو بنمو الأسرة والقرية، ولا توجد لمجرد الحاجات الاقتصادية، بل تحقيقاً لكمال الفرد المعنوي. أما ابن خلدون فرأى أن أساس قيام الدولة هو التعاون على تحصيل الضروري من العيش ثم الحاجي والكمالي، ولأن مصالح الافراد متناقضة كان استمرار المجتمع رهن بمن يوفق بين هذه الخاصيات المتعارضة. ورفض هيغل قيام الدولة على عقد اجتماعي باعتبار أنها عضوية وليست مصطنعة، وحقيقة مقدسة في حدّ ذاتها، تضع القانون لتتحقق فيها حريات الأفراد، عبر مشاركتهم في الروح الجماعية التي تمثلها الدولة.   

حسن سير حياة المواطنين الأوائل، الذين تأسست منهم المدينة، بما يكفل إرضاء الحاجات الضرورية، استلزم وجود الإدارة الحكومية. شرقاً، اقتضى المناخ الجاف، الذي اخترقت جغرافيته أنهاراً كبرى، إقامة مشاريع الري والصرف لتوفير أراض خصبة، واحتاجت أعمال الإشراف والإدارة والحماية المتعاظمة إلى حكومة مركزية، خضعت لسلطتها الشؤون العامة. تمركز ملكية الأرض ووسائل الإنتاج في يد حاكم فرد مستبد كان شرطاً لاستمرار نمط الإنتاج الآسيوي، أما خضوع قوى الإنتاج لعوامل طبيعية ومناخية، واضطرار الفرد للاندماج في جماعة، فكانت عوامل حالت دون الصراع الطبقي.

تحرّر الغرب من الخضوع لسيطرة مركزية بفضل زراعةٍ اعتمدت على الأمطار. انهيار نظام القرابة القبلي في اليونان وروما وجرمانيا جزّء الأرض إلى أوطان. الاستقرار، والتساكن المستمر، والملكية الفردية، احتاجت أعمال الخفر والحراسة، ما استلزم الجباية عبر جهاز من بيروقراطيةٍ عسكريةٍ ومدنيةٍ وجماعات ربطٍ واتصال، خضعت جميعها للسلطان. بعد فتوحات الإسكندر المقدوني، اختفى نظام المدينة اليونانية، وانقلب الحكم القنصلي في روما إلى نظام إمبراطوري، متأثراً بجهاز الدولة الآسيوي.

غابت شخصية القائد في المجتمعات البدائية، نتيجة التوافق حول غايةٍ جماعيةٍ هي حفظ البقاء، بينما احتاج مستوى أعلى من التطوّر البحث عن أساليب جديدةٍ لتوفير القوت، وخطط عسكرية لكسب المعركة، ومواهب شخصية، وأيضاً تمتّع القائد بممارسة السلطة وملكيتها. مع نمط الإنتاج الآسيوي، وفي أوروبا الإقطاعية، ساد حكم الرجال لا حكم الكيانات.

قبل القرن السادس عشر لم يكن ممكناً الحديث عن “الدولة” إلا مجازاً، فالتمايز بين حكام ومحكومين يكشف عن وجود السلطة لا الدولة، فإذا كانت كل دولة سلطةً، فليست كل سلطةٍ دولة. السلطة قوة يخلقها الوعي الجمعي، جوهرها الفكرة التي تمثل الغائية الاجتماعية، وليس “الأمر”. أما الدولة فنمط وجود للسلطة، كمؤسسة، تبدأ حين تكفّ السلطة عن التجسد في شخص، لتصبح تجريداً لا يتأثر بتبدل رجالاتها. عند ذلك المستوى من التجريد، يرفض الوعي الجمعي أن تستمدّ الشرعية من التطابق بين أعمال الرئيس وحاجات الشعب، ويعي خطورة الاستسلام لمخاطر السلطة الفردية، وعدم استقرارها مع تغير الشخصيات في كل انتقال للسلطة.

أدى تداعي “العالمية الكاثوليكية”، بعد سقوط الإمبراطورية الرومانية الجرمانية المقدسة، إلى ولادة الدولة القومية، التي اكتسبت طابعها القانوني عقب اتفاق ويستفاليا (1648)، الذي أقرّ مبدأ سيادة الدولة على إقليمها، وفقدت معه السلطة طابعها المقدّس، وتعارضت الإمكانات الشخصية للرئيس مع متطلبات فكرة الحق. عبّرت سلطة الملكية عن فكرة الحق الوطني، وأصبح التاج، لا الملك، صاحب السلطة، ولم تعد الولاية تستند إلى الولاء الشخصي، بل إلى الفكرة التي يمثلها القائد.

في القرن السابع عشر ارتبط مفهوم الدولة بالسوق والتجارة، ووضع آدم سميث كتابه “ثروة الأمم” أواخر القرن الثامن عشر، معتبرا السوق أفضل أداة لتحقيق النمو والرفاهية. ومع بعض الاستثناءات لتدخل الدولة في السوق كتحديد سعر الفائدة، اقتصرت وظائفها على توفير السلع والخدمات العامة، مثل الدفاع والأمن والتعليم والالتزام بتنفيذ العقود، وظائف لا غنى عنها لازدهار السوق. مضت الليبرالية في إرساء الدولة جاعلةً من السلطة اختصاصاً وظيفياً، توجهها الغائية الاجتماعية، في ظل مؤسساتٍ ثابتةٍ مستقرةٍ يسودها القانون، لا ملكاً شخصياً. ومع تداول سلمي للسلطة، تعلّق النضال السياسي بالفعالية السياسية، لا بالشرعية السياسية.

أكدت الماركسية على تدخّل الدولة، وكان تحقيق التطابق التام بين الإرادة الاجتماعية والسلطة، مرهوناً بزوال الطبقات الذي معه يصبح جهاز الدولة من دون جدوى. لكن، في المرحلة الأولى، كان على هذا الجهاز أن يكون أداة لدكتاتورية البروليتاريا، فكان النظام السياسي تسلطياً في مواجهة الفروق الاجتماعية، وكانت لحظة انهياره أسرع بكثير من تحقيق التطابق بين السلطة والإرادة الاجتماعية.

وفي مواجهة النظرية الشيوعية، تطورت الليبرالية الكلاسيكية إلى ليبرالية العدالة الاجتماعية ودولة الرفاه، ونظرت إلى التمايز بين أثرياء وفقراء، معطى اجتماعياً ليس له من الناحية السياسية أي معنى، ما حافظ على استقلالية المجتمع بالنسبة للدولة، عبر الفصل بين الجسم السياسي، بوصفه جماعةً من المواطنين، يعملون وفق مقتضيات المصلحة العامة من جهة، وحقيقته السوسيولوجية (الجماعة كمعطى أساسي تحرّكه غالباً مصالح متناقضة) من جهة أخرى. التعددية والديمقراطية، والحركة الاجتماعية في مجتمعٍ مفتوح، حالت دون سلطةٍ سياسيةٍ طبقية، لتعيد ممارسة السلطة باستمرار إنتاج الحقيقة السوسيولوجية، باتجاه تحقيق التطابق بين السلطة والإرادة الاجتماعية.

خرجت هذه الدولة من صلب المجتمعات الأوروبية، ومتّسقةً مع ظروفها، ومستوى تطورها الاجتماعي، السياسي والاقتصادي والثقافي، ولم تفرض عليها من الخارج، بينما اصطدمت سياسة الإصلاح العثمانية (التنظيمات)، بسقف الروح المحافظة، القائمة على الريع العقاري وفائض الإنتاج الزراعي. واستمر الشعور القومي الذي أثارته الدول الاستعمارية لدى العرب ضد السلطنة العثمانية، إلى جانب العاطفة الدينية، محركاً للنضال من أجل استقلال لم يتعدَ حدود “سايكس بيكو”، فجاءت الولادة مشوّهة عبر مخاض غير طبيعي، إذ لم يرسم وعي الجماعة وما لديها من إرثٍ مشتركٍ حدودها القومية، وبدل أن تستدعي الأمّة الدولة عبر الحسّ الوطني الذي استقرّ في النفوس، وتجسّد في مؤسساتٍ موحّدة، كان على الدولة أن تستدعي الأمّة، حين أعلنت الماضوية الانتماء لدولةٍ لم تكن موجودة يوماً، فتاريخ ما يعرف بـ “الدولة العربية الإسلامية” هو، في آخر تحليل، منذ الأمويين وحتى العثمانيين، ليس تاريخ الدولة، بل تاريخ الجماعات السياسية التي استأثرت بالسلطة والثروة، حيث عمل التناقض بين معيارية الشريعة وواقعية السياسة على الحيلولة دون نظريةٍ في الدولة. أما استعادة الخصائص القومية من أنماطٍ أنجزها الآخرون في سياق تاريخي مغاير فلم تكن كافية لبناء الدولة-الأمّة.

غياب الشرعية أدى إلى عطالة سياسية، تحوّلت معها كيانات “سايكس بيكو” إلى كياناتٍ وظيفية، خدمت مصالح الخارج على حساب الداخل. لم يتعلق الأمر بكينونة الدولة، وكان الإصرار على إعادة إنتاج نمط السلطة الفردية مغامرةً مكلّفة اجتماعياً وغير محسوبة سياسياً، أدّت إلى تَغيّب الدولة، وانهيار النظام السياسي، في ظل استمرار التناقض الصارخ بين السلطة والارادة الاجتماعية، والتنافر المستمر بين نخب سلطوية هجينة والمجتمع الذي تدّعي أنها تمثله.

نهوض المشرق العربي اليوم بات رهنا بمشروع سياسي عنوانه “الدولة” لا الصراع على السلطة، وإلا بقيت الهوّيات الفرعية تسدّ شغور الفكرة الوطنية، وتضفي جماعات لا دولتية على الفضاء الاجتماعي والسياسي، تتزايد اليوم على حساب الدولة، مزيداً من مخاطر التسلط وعدم الاستقرار.

المصدر: العدد الخامس من مجلة ملفات أسبار الشهرية التي يصدرها مركز أسبار للدراسات والبحوث بمدينة دوسلدورف الألمانية

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *