الرئيسية / مقالات / السعودية: تعزيز التحالفات الآسيوية لبناء منظومة ردع جديدة

السعودية: تعزيز التحالفات الآسيوية لبناء منظومة ردع جديدة

حسام ميروالسعودية: تعزيز التحالفات الآسيوية لبناء منظومة ردع جديدة

حسام ميرو

مقدمة:

تعاني منظومة الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط من خللاً كبيراً في العلاقات البينية، فقد أودت أحداث الربيع العربي بالمنظومة القديمة، وفتحت شهيّة أطراف عديدة على توسيع رقعة نفوذها، خصوصاً إيران، وتركيا، كما تعدّدت ساحات المواجهة، وليس من الواضح بعد كيف سيتّم ترتيب هذه المنظومة، وما هي التكاليف التي ستترّتب على إعادة بنائها، فكل طرف من الأطراف لديه رهاناته وحساباته الخارجية، بالإضافة إلى مشكلاته وأزماته الداخلية، يضاف إلى ذلك حالة عدم الوضوح التي تنتاب النظام الدولي نفسه، وبشكل خاص مع تصعيد الإدارة الأمريكية لهجتها، في عهد الرئيس دونالد ترامب، تجاه بعض الحلفاء التقليديين، وفي مقدمتهم أوروبا.

أظهرت الولايات المتحدة، خلال العقد الأخير، أنها مستعدّة للتخلّي عن حلفائها، فقد أسّس الرئيس الأسبق باراك أوباما لهذا الاتجاه، في علاقاته مع دول الخليج، في توقيعه على الاتفاق النووي مع إيران، على حساب العلاقات التاريخية والثابتة مع المملكة العربية السعودية، كما أن الرئيس ترامب، وعلى الرغم من ترميمه الشرخ الذي أحدثه سلفه، إلا أنه يسلك سياسياً اتجاهاً غير مضمون، مع تذكيره الدائم بالثمن الذي يتوجّب على الحلفاء دفعه، مقابل علاقات وثيقة مع واشنطن.

في قلب هذا المشهد المضطرب، يجد المحور السعودي-الإماراتي أنه بحاجة إلى تقليل الاعتماد المباشر على واشنطن، في اتجاهٍ قام بالتأسيس له منذ سقوط نظام حسني مبارك في مصر، حيث تحدّى بشكل مباشر الرغبة الأمريكية، ومعها المحور التركي-القطري، في بقاء الإخوان المسلمين في سدّة الحكم في مصر، خصوصاً مع سعي الرئيس الأسبق محمد مرسي إلى توثيق العلاقات مع إيران، (مشاركة مرسي في قمّة عدم الانحياز في طهران في أغسطس/ آب 2012، وزيارة الرئيس أحمدي نجاد إلى مصر في فبراير/ شباط 2013).

ومنذ سنوات، ثمة سعي سعودي-إماراتي نحو تنويع سلّة التحالفات، وتمتين ما هو قائم منها، وتوظيفه لمصلحة التوازن والردع مع إيران، وهو ما تندرج تحته خطوات عديدة، من بينها الزيارة الأخيرة التي قام بها ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، إلى باكستان والهند والصين، وسنحاول هنا قراءة الأبعاد الاستراتيجية لهذه الجولة، ومدى انسجامها مع توجهات المحور السعودي-الإماراتي في ترتيب لوحة التحالفات، وهل يمكن لهذا التوجّه أن يساعد في إعادة ترتيب منظومة الأمن والاستقرار؟

أهمية باكستان للمحور السعودي-الإماراتي

بداية، لا يمكن وضع باكستان والهند والصين في سلّة واحدة من حيث العلاقات التاريخية بالنسبة للسعودية، أو حتى بالنسبة للإمارات، لكن كل واحدة من هذه الدول يمكن توظيف العلاقات معها لمصلحة استراتيجية مشتركة، ومن نواحٍ عديدة، تمتلك باكستان أهمية خاصة في أجندة المحور السعودي-الإماراتي، كما أن استثمار العلاقة مع باكستان يسهم في تعزيز علاقات هذا المحور بعدد من الدول الآسيوية، نظراً للمشكلات القائمة بين الدول، كما في العلاقة المضطربة بين باكستان والهند.

تمتلك السعودية والإمارات علاقات جيّدة مع باكستان، ابتداءً من الوقائع الجغرافية، وصولاً إلى المصالح المباشرة، فالمنفذ البحري الوحيد لباكستان هو خليج عُمان (يربط خليج عُمان بحر العرب بمضيق هرمز والخليج العربي)، الذي يشكّل الحدود الجنوبية لباكستان، وهذا الممر المائي للطاقة هو المنفذ الرئيس للبترول السعودي والإماراتي، وتلعب باكستان دوراً مهماً في الأمن البحري لهذا المنفذ.

وتعدُّ العمالة الباكستانية في السعودية والإمارات جزءاً لا يتجزأ من اقتصاد البلدين، بالإضافة إلى الشركات الباكستانية، حيث يوجد حوالي 2.7 مليون باكستاني في السعودية، وحوالي 1.5 مليون في الإمارات، كما تعدُّ الإمارات أكبر مستثمر في باكستان، وتشمل استثماراتها مجالات رئيسة في الاقتصاد الباكستاني (الاتصالات، الطيران، الأعمال المصرفيّة، العقارات، قطاع النفط والغاز)، كما توجد حوالي 7 آلاف شركة باكستانية مسجلة في الإمارات، وقد وقّع البلدان فيما بينهما على 28 اتفاقية.

الجانب الاقتصادي في العلاقة بين المحور السعودي-الباكستاني وبين باكستان هي ركن أساسي، لكنها ليست هي كلّ العلاقة، ولا يمكن اختزال هذه العلاقة فقط في هذا الجانب، لكن المحور السعودي-الإماراتي، منذ بدايات الربيع العربي، يولي التكامل الاقتصادي-السياسي في العلاقات الخارجية أهمية كبرى، ولنتذكر أنه وقف مع مصر، بشكل وازن، ماليّاً وسياسيّاً، من أجل منح نظام الرئيس عبد الفتاح السيسي دفعة شعبية داخلية، وتمكينه من إدارة البلاد.

المثال الباكستاني، قطعاً، هو مختلف عن المثال المصري، لكن عمليّة تنويع سلّة التحالفات تقتضي إرساء علاقات متشابكة بين الأطراف، وهو ما يسعى إليه المحور السعودي-الإماراتي في علاقاته مع باكستان، فزيارة ولي العهد، الأمير محمد بن سلمان، إلى باكستان، تضمّنت توقيع الطرفين على 7 اتفاقيات مشتركة، بقيمة 20 مليار دولار، وبشكلٍ رئيس في قطاعات النفط والطاقة والتنمية، بالإضافة إلى توقيع اتفاقية لتقليل العوائق أمام انتقال الأفراد بين البلدين.

وتركّز السعودية على الاستثمار في ميناء “جوادر”، حيث رصدت حوالي 10 مليار دولار للاستثمار فيه، ويقع الميناء جنوب غرب باكستان، ويطلّ على مضيق هرمز، الذي يمرّ منه ثلث نفط العالم، كما أن المسعى السعودي يلتقي مع مشروع “الحزام والطريق الصيني”، والذي تعمل الصين من خلاله على ربط اقتصادها بآسيا وأماكن مختلفة من العالم.

من جانبها، أقرّت باكستان، وعبر كبار مسؤوليها في قطاعات النفط والطاقة، بأن الاستثمار السعودي في مجال تطوير قطاعي النفط والطاقة من شأنه أن يموضع باكستان كحلقة رئيسة في هذين القطاعين الحيويين لكل العالم، كما أن أهمية النفط الذي تستورده الصين عبر مضيق هرمز من شأنه أن يعزز العلاقات الباكستانية الصينية في مواجهة الهند وإيران، حيث توجد توترّات تاريخية ومستمرة بين باكستان وبين الهند وإيران.

أما العلاقات العسكرية بين باكستان والسعوديّة فهي تعود لحوالي أربعة عقود، فقد وقّع البلدان في عام 1982 بروتوكول التعاون العسكري المشترك، والذي مهّد الطريق لنشر حوالي 15000 جندي باكستاني في المملكة. وقد تطورت العلاقات العسكريّة بين البلدين بشكل لافت خلال عقد الثمانينات من القرن الماضي، إلى أن توّجت بتوقيع اتفاقية الدفاع المشترك في عام 1991، بعد سقوط جدار برلين، وانهيار الاتحاد السوفيتي، ودخول العالم في مرحلة جديدة، خصوصاً مع حرب الخليج الثانية.

ويمكن رصد ثلاث محطات رئيسة في العلاقات العسكريّة بين البلدين خلال العقد الأخير، وهي:

  1. أجرى البلدان مناورات بحريّة ضخمة مشتركة في عام 2008.
  2. شاركت القوات الجوية الباكستانية، بشكلٍ فعال، في مناورات “الصقور” في عام 2010.
  3. إجراء شراكة بين البلدين في عملية تصنيع المقاتلات في عام 2014.  

 كما أن مجمل التحالفات العسكرية المطروحة على الطاولة بالنسبة للمحور السعودي-الإماراتي، فإن باكستان تشكّل فيها ركناً أساسياً، نظراً لعدد من الاعتبارات، ومنها اعتبارات ثقافية ودينية وعسكرية، بالإضافة إلى القدرات النوويّة الباكستانية، ما يجعل منها قوّة ردع في أي تحالف تتواجد فيه، وتشترك باكستان مع المحور السعودي-الإماراتي في اعتبار إيران مصدر تهديد جدّي، الأمر الذي يستوجب التنسيق المشترك من أجل احتوائه ومواجهته.

الهند والصين في المقاربة السعودية -الإمارتية الجديدة

خلال السنوات الماضية، تبادلت السعودية والإمارات الأدوار في تمتين العلاقات مع الهند والصين، خصوصاً من خلال ورشات العمل الثنائية، ومنها ورشات العمل البحثية، والتي ناقشت قضايا استراتيجية، مرتبطة بقضايا الطاقة، والنظام الدولي، والأمن، والإرهاب، ويمكن تصنيف هذا الاتجاه بأنه استثمار في العلاقات التاريخية، خصوصاً بين دول الخليج والهند، حيث شكّلت العمالة الهندية، ومنذ عقود طويلة، أحد أعمدة الاقتصاد في الخليج، خصوصاً في مجال العمران.

لكن الاتجاه الجديد، المتعلق بتعميق العلاقات، قد أتى فعلياً بعد الخطوات العديدة التي اتخذتها إدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما، والتي مثّلت حالة انكفاء واضحة عن أمن الخليج، في الوقت الذي أخذت فيه الصين تتوسّع في أماكن عديدة في العالم، وتبحث بالفعل عن شراكات متعددة، من أجل التوازن مع الولايات المتحدة.

تشكّل السعودية مورّداً أساسياً للنفط إلى الصين والهند، وتتنافس السعودية وروسيا على موقع الصدارة في تصدير النفط إلى الصين التي تعدّ أكبر مستورد للخام في العالم، كما أن السعودية أصبحت خلال السنوات الأخيرة ثاني أكبر مورّد للنفط إلى الهند، وهو ما يجعل من السعودية في حسابات الصين والهند دولة محورية في اقتصاديهما، وقد  أظهرت بيانات الإدارة العامة للجمارك في الصين، في أواخر شهر نوفمبر/ تشرين الثاني، من العام الماضي، أن السعودية تقدّمت على روسيا، لتتصدر قائمة مورّدي الخام إلى الصين، وبحسب البيانات، بلغت صادرات السعودية من الخام إلى الصين 6.56 مليون طن، أو 1.596 مليون برميل يومياً، بزيادة 50 بالمئة عنها قبل عام.

وفي نهاية العام الماضي، طلبت وزارة النفط الهندية من السعودية مساعدتها لسدّ النقص من حاجتها للنفط، بعد عودة العقوبات الأمريكية على المتعاملين مع إيران، والتي كانت أكبر مورّد للنفط إلى الهند، وقد تعهدت السعودية بزيادة صادراتها النفطية للهند، في خطوة لزيادة إطباق الحصار على إيران، ولزيادة مساحة النفوذ السعودي في آسيا، من خلال تزويد المستوردين الكبار من حاجاتهم النفطية، وتحديداً الصين والهند.

التوافق السعوي-الإماراتي على تمتين العلاقات مع الصين، لا يعتمد فقط على الجانب الاقتصادي، بل أنه يذهب، خلال السنوات الأخيرة، وبخطوات واضحة، إلى الاستثمار في القوّة الناعمة، فقد فتحت الإمارات، منذ نهاية عام 2016، أبوابها أمام الصينيين، من خلال منحهم تأشيرة الدخول عند الوصول، وقد بلغ عدد الزوار الصينيين إلى الإمارات، في العام الماضي، حوالي 764 ألفاً، بزيادة تقدّر بنحو 209% عن عام 2013، وفي السعودية، وبالتزامن مع زيارة الأمير محمد بن سلمان، بدأت السعودية وضع خطة لإدراج اللغة الصينية كمقرر دراسي في جميع المراحل التعليمية.

إعادة تعريف العلاقات الخارجية

خلال العقد الأخير، أظهرت واشنطن تحوّلات عديدة في تحالفاتها الاستراتيجية، كما غيّرت من عقيدتها العسكريّة بما يخص التدخل المباشر لحماية المصالح، وأصبحت أقل استعداداً لزجّ جنودها في الميدان، كما أصبحت تولي شرق آسيا الاهتمام الرئيس في منظورها الاستراتيجي، حيث تحتّل الصين المكانة الأولى في التهديد العالمي بالنسبة لواشنطن في القرن الواحد والعشرين، وعلى الرغم من اعتبار التوجّهات الأمريكية الجديدة عنصراً سلبياً بالنسبة لدول الخليج، لجهة اعتمادها التاريخي على واشنطن في استقرار منطقة الخليج، ومعادلات التوازن والردع، إلا أن هذا العامل الأساسي راح يتحوّل إلى عامل محفّز، لبناء مقاربات جديدة، من أجل ضمان الأمن القومي، وما يتضمّنه من مصالح استراتيجية.

كلّ ذلك، دفع بالمحور السعودي-الإماراتي إلى إعادة تعريف العلاقات الخارجية، وإعادة تعريف مستويات الشراكة، بل وتنويع أسس الشراكة نفسها، ويبدو هذا الاتجاه، من وجهة نظر واقعية، أمراً ضرورياً، بل لا مفرّ منه، ويمكن القول إن التوجه الجديد يحمّل سمات محددة، وهي:

  1. تقليل الاعتماد على الولايات المتحدة كقوّة وحيدة ضامنة للتوازن والردع في أمن الخليج.
  2. تنويع سلّة التحالفات واعتماد عدد من السيناريوهات في استجابة الحلفاء.
  3. منح آسيا اهتماماً أكبر، من خلال الشراكات والاستثمارات، وخصوصاً في مجالات الطاقة، وعدم الاعتماد فقط على التصدير، بل والاستثمار في البنى التحتيّة لمشاريع الطاقة (كما في باكستان).
  4. تمتين العلاقات مع الصين، وترسيخ السعودية نفسها كمورد رقم واحد للنفط إلى الصين.
  5. توسيع مساحة الشراكة مع باكستان، بحيث تصبح العلاقات معها علاقات عضوية، وتطوير التعاون العسكري.
  6. زيادة الاستثمار في القوّة الناعمة، وهو الاستثمار الذي مضت فيه إيران بقوّة خلال العقدين الماضيين.  

خلاصة:

إن نقاط القوّة في التوجه السعودي-الإماراتي نحو آسيا، وتنويع سلّة التحالفات، يكمن في عدد من النقاط، وهي:

  1. العودة إلى إعطاء العامل الجيوسياسي أهميته التي يستحقّها، في ظل التحولات في السياسة الأمريكية.
  2. تطوير التعاون النفطي، من مجرد عمليات تصدير، إلى حالة استثمار في البنى التحتية لصناعة الخام.
  3. الاستفادة من التناقضات الموجودة بين اللاعبين الآسيويين، خصوصاً فيما يتعلق بإيران.
  4. الاستثمار في الطموحات الصينية، المتمثلة بمشروع “الحزام والطريق”.

أما نقاط الضعف في هذا التوجّه، فتكمن في التالي:

  1. أن يكون السعي نحو الشراكات القويّة مع الخارج على حساب الاهتمام بالداخل، خصوصاً أن السعودية تعيش مرحلة حاسمة في مسألة الحكم، والتي تتمثّل بنقل الحكم إلى الجيل الثالث.
  2. تعاني باكستان من علاقات مضطربة مع إيران والهند، وهو ما قد يرفع مستوى التنسيق بين إيران والهند، ليس فقط في وجه باكستان، وأيضاً في وجه المحور السعودي-الإماراتي.
  3. على الرغم من الطموحات الصينية في آسيا، وعلى الرغم من كون الصين عضواً دائماً في مجلس الأمن، لكن قد يكون التعويل عليها كسند في القضايا الإقليمية أمراً ليس في محلّه، نظراً للاستراتيجية الصينية في مجال الأمن والدفاع، والمتمثلة بعدم الانخراط المباشر.
  4. يعاني مشروع “الحزام والطريق” الصيني من ممانعة مزدوجة، أمريكية وأوروبية، وبالتالي فإن تعويل السعودية والإمارات على لعب دور في هذا المشروع، قد يضعهما في مواجهة مع أمريكا والغرب.

من الواضح تماماً أن المحور السعودي-الإماراتي يلجأ إلى توسيع دائرة النفوذ في آسيا، أملاً بجعل التناقض والصراع مع إيران مسألة اهتمام مشترك من قبل عدد أوسع من اللاعبين، ما يدفع نحو تعقيد الحسابات الإيرانية تجاه أمن الخليج، خصوصاً في ظل زيادة الحصار على صادرات إيران النفطيّة.

المراجع

  1. Notezai, Mohammed Akbar, New trends In Pakistan-Saudi Arabia Ties, The Diplomat, February 27, 2019.
  2. Karim, Umer, New Economic Ties Deepen the Saudi-Pakistani Strategic Partnership, The Washington Institute, February 27, 2019.

  3. Aman, Fatimah, Is Saudi Arabia Pulling Pakistan Into War With Iran?, Atlantic council, February 26, 2019.

المصدر: العدد السادس من مجلة ملفات أسبار الشهرية التي يصدرها مركز أسبار للدراسات والبحوث بمدينة دوسلدورف الألمانية

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *