الرئيسية / مقالات / لماذا خسر اردوغان؟

لماذا خسر اردوغان؟

لماذا خسر اردوغان؟
حسام ميرو

للمرة الأولى منذ عام 2002، يخسر حزب العدالة والتنمية، بلديتي إسطنبول الكبرى وأنقرة الكبرى، أي خسارة العاصمتين السياسية والاقتصادية في الوقت نفسه، وكان الحزب، على غير عادته في الانتخابات البلدية السابقة، لم يتهيأ لإقامة احتفالات، فقد كانت توقعات واستطلاعات الرأي، خلال الفترة التي سبقت الانتخابات، قد أشارت إلى تراجع تأييد الشارع التركي لسياسات «العدالة والتنمية» في الشأنين الاقتصادي والمعيشي، وارتفاع رصيد «حزب الشعب الجمهوري»، الذي طرح برنامجاً انتخابياً، أكثر التصاقاً بالهموم اليومية للمواطنين.
يتركّز الثقل السكّاني في إسطنبول وأنقرة، حيث يعيش في المدينتين نحو ربع سكان تركيا (حوالي 20 مليون نسمة)، كما أن الاقتصاد في المدينتين يشكّل حوالي 65% من مجمل الاقتصاد التركي، وهو ما يعني أن ردّة الفعل الانتخابية في هاتين المدينتين هي ردّة فعل اقتصادية بالدرجة الأولى، خصوصاً أن الاقتصاد التركي، شهد خلال العامين الأخيرين تراجعاً كبيراً في مؤشراته، مع هبوط قوي لقيمة العملة التركية، فقد فقدت حوالي ثلث قيمتها، منذ بداية العام الماضي.
لكن ردّة الفعل الانتخابية على سياسات «حزب العدالة والتنمية» الاقتصادية، هي مجرد صورة أولى عن أسباب خسارة الحزب، فقد عرفت السياسة التركية منذ عام 2011 تحوّلات كثيرة، تمثّلت في انخراطها المباشر في أحداث المنطقة، وخصوصاً في سوريا، وابتعادها عن سياسة «صفر مشاكل»، التي كانت عِماد السياسة الخارجية التركية، منذ مجيء «حزب العدالة والتنمية إلى السلطة» في عام 2002، وقامت هذه الاستراتيجية، بشكلٍ رئيسي، على إقامة علاقات حسن جوار، وعدم تدخل في شؤون الدول الإقليمية، وقد انتهت مفاعيلها مع عودة الطموح التركي إلى لعب دور إقليمي واسع، بعد أحداث ما يسمى «الربيع العربي»، والتنسيق مع قطر والإخوان المسلمين، على حساب علاقات تاريخية مع دول وازنة سياسياً واقتصادياً في المنطقة.
على الصعيد الخارجي، كانت استراتيجية «صفر مشاكل» قد نجحت في تقريب تركيا من العالم العربي، وزيادة التبادل التجاري والسياحي والثقافي بينها وبين معظم دول المنطقة، وداخلياً، انعكست في حوار بين الحكومة و«حزب العمال» الكردستاني، لكن هذا الحوار لم يفضِ فعلياً إلى أي نتائج مهمّة، من شأنها أن تحدث حالة انفراج بين الحكومة ومقاتلي الحزب، بل على العكس من ذلك، فقد تأزمت العلاقة بين الحكومة، التي يترأسها «حزب العدالة والتنمية» وبين الأكراد في داخل تركيا، وفي خارجها، خصوصاً بعد اعتقال صلاح دميرتاش، الرئيس المشترك ل «حزب الشعوب الديمقراطي»، في عام 2016، وخوض تركيا معركة «غصن الزيتون» في مدينة عفرين، والتي يقطنها أكراد سوريون، والقيام بتهجيرهم.
وفي سياق المشكلة التاريخية لتركيا، والمتمثلة بتأرجح هويتها، فقد مضى الرئيس أردوغان في تغليب الطابع الديني على الطابعين القومي والعلماني، مع محاولة استعادة خطاب يركّز على أمجاد «الخلافة العثمانية»، وهو ما يبدو بالنسبة لشرائح واسعة من النخب التركية، العسكرية، والاقتصادية، والسياسية، والثقافية، خارج التاريخ الراهن، بل انتكاسة في الوعي السياسي للتاريخ وضروراته، ومعاكس لمصالح تركيا ومستقبلها.
كما أحدث أردوغان تحوّلاً في النظام الحاكم، محولاً إياه من برلماني إلى رئاسي، مستفيداً من أرجحية كتلته البرلمانية، وقد وضع هذا التحوّل المزيد من السلطات في يده، لكن هذا الأمر، أحدث من الناحية الواقعية خوفاً لدى الخصوم السياسيين، من تضييق مساحة الديمقراطية، وتحويل تركيا إلى دولة استبدادية، بقيادة محافظة، وروح سلطانيّة.
بعد الانقلاب الفاشل في يوليو/ تموز 2016، حدث تحوّلان مهمّان في سياسة أردوغان، تمثل الأول بزج الآلاف من خصومه في السجون، بتهمة الانتماء إلى «جماعة الخدمة»، التي اتهمها أردوغان بالوقوف وراء الانقلاب، وفصل آلاف آخرين من أعمالهم في مؤسسات الدولة وجامعاتها، أما التحوّل الثاني فهو التقارب مع روسيا، والتنسيق معها، مع ارتفاع وتيرة التصعيد مع الولايات المتحدة.
إن الطبقة المدنية التركية، ومن ورائها طبقة رجال الأعمال والصناعيين العلمانيين، كانت الخاسر الأكبر من وراء تحوّلات السياسة التركية في السنوات الأخيرة، مع أخذ المجتمع التركي نحو ثقافة أكثر محافظة، وأقل انفتاحاً على الغرب والعالم، والاصطدام مع الولايات المتحدة وأوروبا، من دون حسبان النتائج المترتبة عن مثل هكذا الخيار، ومن الواضح بأن نتائج الانتخابات الحالية لم تكن مجرد تصويت على البلديات، أو على الاقتصاد، بل على مجمل سياسات «حزب العدالة والتنمية»، وأوضحت في المقابل إعادة تماسك قوى المعارضة في وجه سياسات الحزب الحاكم ورئيسه، وهو ما سيعني بطبيعة الحال وضع «العدالة والتنمية» أمام مفترق طرق تاريخي، سيحدد، بلا شك، مصيره، في بلد عرف تاريخياً أفول عدد من الأحزاب القويّة، خصوصاً الإسلامية منها.

المصدر: صحيفة الخليج

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *