الرئيسية / مقالات / الأزمة الليبية: انقسامات داخلية وصراع إقليمي ودولي على النفوذ

الأزمة الليبية: انقسامات داخلية وصراع إقليمي ودولي على النفوذ

عبد الناصر حسوالأزمة الليبية: انقسامات داخلية وصراع إقليمي ودولي على النفوذ

عبد الناصر حسو

مقدمة

تشكل الأزمة الليبية أحد أبرز الأزمات التي تشهدها منطقة شمال أفريقيا في العصر الراهن، فليبيا تتمتع بالعديد من المزايا الطبيعية والاستراتيجية والجيوسياسية، وبسبب الانحيازات المختلفة داخل المجتمع الليبي على الأصعدة السياسية والقبلية والجهوية والنخبوية والدينية والتدخلات الإقليمية والدولية، فهي معرّضة للتعقيدات والتبدلات، حتى على مستوى القبيلة نفسها، وهو ما أسهم خلال السنوات الماضية، من زيادة حدّة الصراع على ليبيا، وداخل المكونات الليبية نفسها.

ومن ناحية الثروة النفطية تحتلّ ليبيا المركز الخامس عالمياً من احتياطات النفط الصخري، بعد أن ارتفعت احتياطاتها من 48 مليار برميل إلى 74 مليار برميل، حسب تقديرات عام 2014، كما أنها تحتلّ المركز العاشر عالمياً من احتياطي النفط الخام، وعلى الرغم من ذلك فقد تدهور مدخولها النفطي بشكل لافت، وانخفض الاحتياطي المالي إلى أدنى مستوياته. أما من ناحية موقعها الاستراتيجي في قارة أفريقيا فهي بوابة المهاجرين غير الشرعيين من وإلى ليبيا، نحو أوروبا، نظراً لمساحتها الشاسعة، وانعدام السيطرة على الحدود الطويلة، وتفشي الجريمة، وتهريب السلاح، ووجود الميليشيات المتشددة.

صراع الأطراف المحليّة وتضارب المواقف

بعد أكثر من ثماني سنوات على سقوط نظام معمر القذافي، الذي أغرق البلاد بالسلاح، أثناء الثورة، لازالت ليبيا تعيش تحت وطأة الفصائل المسلحة، مع التوجّه نحو حرب مفتوحة، لا يمكن تحديد نهايتها. فلم يتمكّن المجلس الوطني الانتقالي من السيطرة على مفاصل الحياة، كونه (لا يمثل القوى على الأرض كما كان من المفترض أن يكون، على الرغم من أنه وسَع نطاق عضويته ليشمل تمثيلاً من خارج قاعدته الأساسية في بنغازي)1.

تكمن جذور المشكلة في عدم التوافق بين المؤسسات السياسية وبين الفصائل المسلّحة في البلاد، رغم اتفاق الصخيرات في 2015، برعاية المبعوث الخاص للأم المتحدة، والذي لم يُفعَل حتى الآن. ونتيجة التنافس على السلطة، سيكون من الصعب إجراء مصالحة سياسية وطنية شاملة وبناء هيكل سياسي موحد، ويمكن نعت الدولة الليبية في وضعها الراهن بالدولة الفاشلة، كما يحدّدها قاموس بنغوين للعلاقات الدولية: (الدولة التي تعاني صراعاً وعنفاً طائفياً وعرقياً نظراً لانهيار النظام والقانون والخدمات الأساسية).

أفرزت الانتخابات النيابية، التي تلت سقوط نظام معمر القذافي، غلبة التيار الإسلامي، خلال فترة ولاية المؤتمر الوطني العام، وتحيّز المؤتمر الشديد لهذا التيّار ومن يناصرونه من تيارات سياسية أخرى، كما ظهرت تنظيمات مسلحة، فرضت سطوتها بقوة السلاح، على رقعٍ جغرافية واسعة في البلاد

إن انتشار الفوضى والميليشيات المسلحة في البلاد، دفع الشعب الليبي للتظاهر ضد نفوذ المؤتمر الوطني، كونه غير قادر على تلبية احتياجات الجماهير، وتزايدت المطالبات بإجراء انتخابات نيابية جديدة، تضع المؤتمر العام أمام الاختبار، وقد (عقد التحالف الوطني مؤتمراً صحفياً من أجل وضع خارطة الطريق لمرحلة انتقالية جديدة بالتوافق بين الأطراف السياسية، ورأى أن قرارات تمديد فترة المؤتمر حتى نهاية ديسمبر 2014 تحتاج إلى استفتاء شعبي، لكنه خلص إلى عدَ المؤتمر منعدماً بعد 7 فبراير 2014، وعدم اعترافه بخريطة الطريق الصادرة عنه على الرغم من حصولها على 146 صوتاً)3.

أجريت الانتخابات في عام 2014، وكانت نتيجتها الإطاحة بالمؤتمر الوطني، وفوز تحالف القوى الوطنية (الليبراليون)، ولم ينل الإخوان المسلمون سوى 30% من الأصوات، وهنا بدأت مرحلة جديدة، اختلط فيها استخدام السلاح وتدخّل القوى الإقليمية والدولية، ونتج عن ذلك حالة من الانقسام السياسي بين شرق البلاد وغربها. فالغرب الليبي لم يعترف بنتائج الانتخابات التي أقصت أعضاء المؤتمر السابقين عن المشهد، وهدّدت الميليشيات الموالية للإسلاميين بالهجوم على المحكمة العليا في طرابلس، لإلغاء نتيجة الانتخابات النيابية، وإعادة المؤتمر للسلطة. (إن الانفلات الأمني وتصاعد لغة التهديد بالسلاح وانتشاره، أفرز صراعات جادة بين القبائل، ما أدى إلى تعاظم الانقسامات بين القوى السياسية الرئيسية، المتمثلة في التيارين الليبرالي والإسلامي، من أجل التموقع في السلطة، وللتنبيه أن كل كيان سياسي له فصائله المسلحة، إضافة إلى ذلك، الدعم الخارجي، وهذا ما أعاق المرحلة الانتقالية في تجسيد المؤسسات السياسية والأمنية، وعدم الوصول إلى اتفاق سياسي واضح بين الأطراف والتيارات الرئيسية)4

إن الانقسام السياسي وصراع الشرعيات، بعد الانتخابات النيابية، دفع بالصراع العسكري إلى مركز صدارة المشهد، فلم تعد التنظيمات السياسية قادرة على فرض سيطرتها، وبات هناك صراع سياسي وعسكري بين شرق البلاد وغربها، واشتدّ الصراع بينهما، بل خلق سياقاً جديداً في المشهد الليبي، كلّ حكومة تدَعي بأنها تملك الشرعية، ولها برلمانها وجيشها ورئيس وزرائها، ومدعومة من قوى إقليمية ودولية.

سياسياً، في الشرق هناك مجلس النواب في طبرق، وعسكرياً، هناك أذرع اتخذتها المؤسسات السياسية حليفاً لها ومنحتها الشرعية، مثل (عملية الكرامة) والتي تحوّلت إلى الجيش الوطني الليبي بقيادة اللواء خليفة حفتر، كانت (عملية الكرامة ردة فعل على العنف المتصاعد والاغتيالات في بنغازي وغيرها، وقد بدأ في الوقت نفسه حملة على مختلف الجماعات ذات الميل الإسلامي)5. في المقابل هناك تحالف ميليشيات “فجر ليبيا” في الغرب، والتي تبناها المؤتمر الوطني العام، وتحوّل بعضها إلى تحالف “قوات البنيان المرصوص”. ومنذ صيف 2014، يتنافس برلمانان وحكومتان على الشرعية، حيث يعدّ كل طرف نفسه ممثلاً للسلطة في ليبيا.  

بالرغم من تأسيس المجلس الوطني الانتقالي المعارض في ظل الأزمة كحكومة مؤقتة، فلم يتمكن من جمع الشعب الليبي تحت راية سلطة مركزية واحدة، ولم ينجح في تحقيق تلاحم مختلف القبائل والتيارات الدينية والأقليات الإثنية، الأمر الذي أعاق مسيرة المشروع أيضاً.

أُتهم أعضاء المؤتمر الوطني بعدم معرفة التركيبة القبلية للبلاد، نظراً لنقص الخبرة والكفاءة المطلوبة، أما “حزب العدالة والبناء”، الذي يمثل جماعة الإخوان المسلمين، والذي فشل في الانتخابات النيابية، فقام بتشكيل جماعة مسلحة تابعة له، في مناطق مختلفة، تهدف إلى إسقاط الحكومة، فأُغرق البلاد في دوامة الدماء. خلق هذا الوضع حالة من الفراغ، وبيئة حاضنة لنشاط العديد من الجماعات المتطرفة، نتيجة انتشار السلاح والانفلات الأمني.

الصراع الإقليمي والدولي

تقود تركيا وقطر تحالفاً مشتركاَ لدعم الإسلام الراديكالي في ليبيا، في حين أن مصر ودولة الإمارات تقومان بدعم المشروع النقيض لمشروع الإسلاميين، وداعميه الإقليميين، لقد لعبت قطر منذ البدايات الأولى للثورة دوراً في دعم المجموعات الإسلامية المسلحة، كما ساهمت إعلامياً في دعمها والترويج لها، وأغرت فيما بعد بعض الشخصيات الليبية مالياً، بينما كان الحضور التركي من خلال دعم بعض الفصائل الإسلامية، ومؤخراً اكتشفت البحرية اليونانية سفينة تركية محمّلة بالأسلحة، تتوجه إلى الشواطئ الليبية، لدعم المسلحين الإسلاميين ولتأجيج الصراع.

تأزّم الوضع في ليبيا مع دخول اﻷطراف الدولية الفاعلة في صلب هذا المشهد، مثل فرنسا وإيطاليا، المتنافستين أيضاً حول ملفات أخرى في الاتحاد الأوروبي. وبات التنافس بينهما شديد الوضوح على استقرار الوضع، حيث تدعم كل دولة فريقاً سياسياً وعسكرياً وفق مصالحها، ولكل منهما رأياً مختلفاً حول مستقبل ليبيا، ففرنسا ترغب في إجراء الانتخابات بسرعة، وتبحث عن الاستحواذ الأكبر من النفط، وإيطاليا تسعى لتأجيل الانتخابات، كونها تستثمر النفط، وتعتبر ليبيا الحديقة الخلفية لنفوذها الاستعماري القديم، وتدعم الإسلاميين الذين خسروا في الانتخابات 2014.

تبدو إيطاليا شديدة الوضوح، بل وشديدة التخوّف من التأثير الفرنسي، فقد خرجت عن إطار الدبلوماسية عندما أعلنت على لسان سفيرها في طرابلس بأن (روما لن تسمح بإجراء انتخابات في ليبيا خلال العام الجاري)، مما أثار ردود فعل في المجتمع الدولي قبل الليبي، واعتبر التصريح تدخلاً سافراً في شؤون ليبيا. إذ كان التصريح رسالة موجهة إلى فرنسا التي طرحت مبادرة لإجراء انتخابات في الوقت المحدد، خلال اجتماع عقده الرئيس الفرنسي مع أطراف الصراع. بررت روما تخوفها من الانتخابات بأن صراعاً جديداً سيحدث بين الحكومتين في شرق البلاد وغربها، في حال إقصاء الإسلاميين عن المشهد السياسي.

يمكن للمتتبع أن يكشف دون صعوبة المصالح الاستراتيجية لكل دولة منهما، وتحديداَ في مجال الثروة النفطية، وطالما أن الدولتين تقدمان حلولاً متباينة وفق مصالحهما، وليس وفق المصلحة الليبية المشتركة، فالصراع يصبح أكثر تعقيداً، وفرص الوصول إلى تسوية سياسية تبدو بعيدة في الأفق المنظور.

تصدّرت أزمة المهاجرين الأفارقة غير الشرعيين إلى ليبيا ومنها إلى أوروبا خلافات بين فرنسا وإيطاليا، ومنذ وصول اليمين المتطرف إلى سدة الحكم في إيطاليا، ترابط بوارج حربية إيطالية في البحر المتوسط، تحت مزاعم محاربة الهجرة غير الشرعية، وبالتالي منعت إيطاليا وصول مهاجرين إلى سواحلها، وفضَلت إيواء المهاجرين في مخيمات في ليبيا، وتدير الداخلية الليبية 34 مركزاً لاحتجاز للمهاجرين بتمويل من إيطاليا، وقوات اللواء خليفة حفتر تهدّد الحكومة الإيطالية بأن 52 ألف لاجئ محتجز لديها، ويمكن السماح لهم بالعبور نحو شواطئ إيطاليا. في حين أن فرنسا انتقدت تصرفات الحكومة الإيطالية، مبررة أن من حق المهاجرين الوصول إلى أوروبا.

في عمق الخلاف الفرنسي الإيطالي حول ليبيا، لا تلعب العوامل الأيديولوجية عاملاً حاسماً، لكن أيضاً لا يمكن استبعادها، خصوصاً أن الحكومة المصريّة تجد أن دعم الإسلاميين في ليبيا تهديداً لأمنها القومي، كما أن فرنسا تجد أن التعاون والتعامل مع حكومة غير إسلامية في شواطئ المتوسط أفضل لمصالحها، لكن أزمة التدخلات الخارجية في ليبيا أصبحت أكثر حدّة مع دخول واشنطن على خطّ الأزمة، وانحيازها إلى جانب روما، في الوقت الذي تتقارب فيه حكومة الشرق مع موسكو، ما يعني فعلياً تعقيداً أكبر في الصراع الليبي.

السيناريوهات المحتملة للأزمة الليبية

الأزمة الليبية مفتوحة على احتمالات عدة، بعد ثماني سنوات من الثورة، وفقدان الدولة لمؤسساتها، واستمرار حالة العنف والفوضى، وعدم الوصول إلى توافق بين الأطراف المتنازعة، في ظل انكشاف الهويّة الوطنية على عوامل ما قبل الدولة الوطنية، وبروز الهويّات الفرعية كهويّات فاعلة.

قدم اللواء خليفة حفتر مقترحاً تحت عنوان “أولويات المرحلة القادمة”، وتضمّن: خطة طوارئ لإنقاذ الوضع الأمني في ليبيا، وتقوم الفرضية على عدم صلاحية المؤتمر الوطني لإدارة المرحلة الانتقالية، ولهذا المقترح محورين، يتمثل الأول بتعطيل المؤتمر، وعدَه مجلساً تأسيسياً، تكون مهمته في إصدار التشريعات الانتقالية، وتشكيل حكومة من 12 وزيراً، وذلك إلى جانب تكوين الجيش ومنحه صلاحيات واسعة لفرض الأمن وحالة الطوارئ، وإدماج الثوار في الجيش بتكوينه الجديد، وتكون السياسة الأمنية تحت رقابة المؤتمر الوطني، المحور الثاني، البدء في التمهيد لمرحلة انتقالية ثالثة، يجري التأسيس لها عبر حوار وطني، يشمل كلاً من الأحزاب والقبائل وقادة فصائل الثوار، وبمشاركة المؤتمر الوطني والحكومة. تكون نتائج هذا الحوار ملزمة لكل الأطراف السياسية، وتقوم قاعدة الحوار الوطني على التوافق على كل المكونات الليبية الاجتماعية والسياسية، ويجري استكمال الحوار الوطني، والإعداد لوضع الرؤية الاستراتيجية من خلال صيغة المؤتمر الوطني الجامع، والذي ينعقد غبر ثلاث مراحل في طرابلس وسبها وبنغازي، للمساعدة في وضع أسس تحديث الدولة 6.

1ـ المصلحة الوطنية: تقتضي المصلحة الوطنية أن تحدث حالة التوافق على طاولة الحوار، من دون إقصاء طرف سياسي أو عسكري، لتمكين مأسسة الدولة المستقبلية، وتالياً استتباب الأمن.

2ـ التدخل العسكري: إن كان هذا خياراً فهو بالتأكيد ليس لمصلحة الوحدة الليبية، بل سيؤدي إلى تقسيم البلاد، ما يزيد حالة العنف، وجذب الميليشيات المتطرفة، والعودة إلى البدايات.

3ـ الحسم: قد يحسم أحد الأطراف الصراع لمصلحته، وهنا فإن اللواء خليفة حفتر الذي يشكّل الرقم الصعب في المعادلة، حيث يمكن لنجاح مهمّته أن تتوّج بتشكيل حكومة وطنية، تعيد تأسيس العقد الاجتماعي الليبي.

 4ـ أن يستمر الحال كما هو عليه، وتزداد الهوّة بين الأطراف، وبالتالي استنزاف القدرات البشرية والاقتصادية على المدى البعيد.

المراجع

كريستوفر شيفيس، وجيفري مارتيني، ليبيا بعد القذافي “عبر وتداعيات المستقبل”، مؤسسة راند، 2014، ص 33.

  1. زياد عقل، 8 سنوات على الثورة الليبية: مراحل متعددة وركود سياسي، مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، 24-02-2019.
  2. خيري عمر، الأزمة الدستورية في ليبيا، مجلة سياسات عربية، العدد 13، مارس 2015، ص33.
  3. جفال عبد اللطيف، انعكاسات الأزمة الليبية على الأمن المغاربي، رسالة ماستر، وزارة التعليم والبحث العلمي في الجزائر، 2016، ص73.
  4. فرجيني كولومبيه، الانتخابات والصراع المسلح والنفط في خضم التنافس، مجلة سياسات عربية، العدد 18، يناير 2016، ص101.
  5. بين اللواء خليفة حفتر، أولويات المرحلة القادمة، 30-06-2013.

المصدر: العدد السادس من مجلة ملفات أسبار الشهرية التي يصدرها مركز أسبار للدراسات والبحوث بمدينة دوسلدورف الألمانية

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *