الرئيسية / مقالات / في العلمانية/ العلمانوية: إشكالية المبنى أم المعنى؟

في العلمانية/ العلمانوية: إشكالية المبنى أم المعنى؟

حسام الدين درويشفي العلمانية/ العلمانوية: إشكالية المبنى أم المعنى؟

حسام الدين درويش

تحظى مفردة “العلمانية”، بوصفها مصطلحًا أو مفهومًا، بسمعةٍ سيئةٍ، لدى عددٍ كبيرٍ من المسلمين/ العرب، كما تتعرض العلمانية إلى هجومٍ شديد اللهجة من المشايخ، ورجال الفكر والسلطة الدينية، (ومعظم) المتبنين للأيديولوجيا الدينية “التقليدية”. الطريف، في هذا الخصوص، أن عددًا من أهم المفكرين العرب المعاصرين، المتبنين للعلمانية، قد قالوا بوجوب أو بأفضلية تجنُّب الحديث عن العلمانية، والتركيز على مسائل أو مفاهيم أخرى. وسأحاول، فيما يلي، الإشارة إلى آراء بعض المفكرين – الإسلاميين والعلمانيين – المضادة للعلمانية، أو التي تدعو إلى تجنب الحديث عنها، أو إلى تقبل هذا التجنب.

يربط أو يخلط كثيرون بين العلمانية من جهةٍ، والكفر والإلحاد ومعاداة الدين وانحلال الأخلاق، من جهةٍ أخرى. ولا ينبغي مواجهة هذا الربط الإشكالي بإنكار إمكانية وجود أنظمةٍ أو تنظيمات سياسيةٍ أو دول علمانيةٍ معادية للدين، لدرجةٍ أو لأخرى، كما يفعل بعض العلمانويين؛ فالتاريخ العملي والنظري للعلمانية يشهد على وجود هذه الإمكانية. لكن الإقرار بوجود هذه الإمكانية لا يعني نفي وجود إمكانيةٍ مضادةٍ تتمثل في وجود أنماط أخرى للعلمانية لا تتضمَّن أي عداءٍ، كامنٍ أو قائمٍ فعليًّا، تجاه الدين. ومن هنا ضرورة التشديد على أن العلمانية علمانيات، وليس هناك نمطٌ أو نوعٌ وحيدٌ ينبغي لنا أن نتبناه أو نرفضه بالضرورة. فمن حيث المبدأ، هناك دائمًا إمكانياتٌ أو انماطٌ متعددةٌ، يمكن للأطراف المعنية أن تتفاوض و/ أو تتصارع للاتفاق على الصيغة المناسبة من منظورها.

ولتفسير السمعة السيئة الملتصقة غالبًا بمفهوم العلمانية، في الثقافة العربية الإسلامية، ينبغي لنا أن نعلم أن نحت مصطلح العلمانوية “secularism”، في “الثقافة الغربية”، عام 1851، جاء على يد أحد متبنيها، جورج هوليوك، نتيجةً للرغبة في تبني مصطلحٍ مختلفٍ عن مصطلح الإلحاد ومغايرٍ له؛ في حين أن الصياغة النظرية الأولى للعلمانوية، في العالم الإسلامي، جاءت على يد أحد أعدائها، جمال الدين الأفغاني، الذي أطلق عليها حينئذٍ اسم الدهرية، وطابق بينها وبين الإلحاد أو الكفر، في كتابه “الرد على الدهريين” عام 1881، ولم يرَ فيها إلا السلبيات والمساوئ. ومازال مفهوم الأفغاني السلبي عن العلمانية/ العلمانوية هو السائد لدى المفكرين الإسلامويين، أو حتى كثيرٍ من المفكرين الإسلاميين. ويبدو ذلك واضحًا في مفهوم “العلمانية الشاملة”، عند عبد الوهاب المسيري، ومفهوم “الدهرانية”، عند طه عبد الرحمن. ويذهب بعض الإسلاميين/ الإسلامويين في معاداتهم للعلمانية ومحاولة زيادة تشويه صورتها المشوهة غالبًا، إلى درجة الزعم أن العلماني “لا يرى بأسًا في الزنا حتى لو كان مع جارته أو زوجة صديقه أو حتى أخته أو أمه …”، كما يقول سالم البهنساوي، في كتاب “الإسلام لا العلمانية ..”!

وفي مناظرته مع البهنساوي، يقرُّ فؤاد زكريا، صاحب نص “العلمانية ضرورة حضارية”، بأن العلمانية قد أصبحت “سيئة السمعة الآن”، ويصفها بأنها “كلمةٌ تعيسة الحظ تطلق على أناس تعساء الحظ”؛ وفي صيغةٍ دفاعيةٍ اعتذاريةٍ، يزعم زكريا أن العلمانيين لم يختاروا هذا اللقب، وأن خصومهم هم من اختاروه لهم. وهذه السمعة السيئة لمصطلح العلمانية، هي التي دفعت “العلماني القح” صادق جلال العظم، في “الإسلام والنزعة الإنسانية العلمانية” وفي سياقاتٍ أخرى، إلى القبول المبدئي باحتمال الاستغناء عن مصطلح العلمانية، لكنه شدد على ضرورة ألا يؤثر تغيير المبنى في تغيير المعاني التي يتضمنها المفهوم، وقال: “لكم ان تختاروا أية تسميةٍ أخرى مما تشاؤون، شريطة أن تتذكروا أن شذى الوردة يظل جميلًا أيًّا كان اسمها”.

وفي كتاب “وجهة نظر ..”، ذهب محمد عابد الجابري، في نقده لاستخدام شعار/ مفردة “العلمانية”، إلى أبعد من ذلك، ورأى في العلمانية “مسألةً مزيفةً” و”شعارًا ملتبسًا”، ودعا إلى استبعاد هذا الشعار من قاموس الفكر القومي العربي وتعويضه بشعاري “الديمقراطية” و”العقلانية”. وفي تسويغه لضرورة هذا الاستبعاد، أشار الجابري إلى أن العلمانية تقتضي الفصل بين الدولة والكنيسة، بوصفها تتولى السلطة الروحية في المجتمع؛ وبما أنه لا وجود لمؤسسة دينيةٍ مماثلة للكنيسة في الإسلام، فإن طرح هذا الشعار “في مجتمعٍ يدين أهله بالإسلام هو طرحٌ غير مبررٍ، غير مشروعٍ، ولا معنى له”. ونحن نعتقد أن السبب الرئيس الذي دعا الجابري إلى استبعاد مفردة العلمانية يكمن في السمعة السيئة التي اكتسبتها في الثقافة العربية عمومًا، وناتجٌ ارتباطها، المزعوم و/ أو الفعلي، باللائكية والعداء للدين خصوصًا. وعلى هذا الأساس فقط أو خصوصًا، يمكننا أن نفهم تشديد الجابري على ضرورة ووجوب “فصل الدين عن السياسة” – وهو أحد أهم تعاريف العلمانية – في السياق نفسه الذي يدعو فيه إلى تجنب استخدام هذا “الشعار”.

وعلى الرغم من تأليفه لثلاث مجلداتٍ ضخمةٍ عن “الدين والعلمانية …”، يتفق عزمي بشارة مع الجابري على ضرورة التركيز على الحديث عن الديمقراطية، بدلًا من الحديث عن العلمانية. وإضافةً إلى الأسباب التي أوردها الجابري، يشير بشارة إلى سببٍّ مهمٍّ آخر يتمثَّل في أن تبلور الثنائية القطبية “علماني/ ديني” يمكن أن يفضي، في سياق الانتقال الديمقراطي، إلى “الاحتراب الأهلي”، بين أنصار طرفين يتماهى كل منهما مع موقفه، إلى درجة تحويله إلى هويةٍ له. والصراع بين الهويات ليس صراعًا ديمقراطيًّا ولا يساعد على الانتقال الديمقراطي. وعلى غرار الجابري الذي يرى أنه “ما من شعار في الفكر القومي العربي كان – وما يزال – مدعاة للبس وسوء التفاهم كشعار العلمانية”، يرى بشارة أن كلمة “العلمانية” أصبحت تستخدم لطمس الفوارق بين المواقف، وللتغطية على بعض المواقف السلبية كالتحالف مع الاستبداد أو الاستعمار ..إلخ.

لتجنب أشكال اللبس وسوء الفهم والتعمية والاستقطاب الهوياتي، التي أشار إليها هؤلاء المفكِّرون وغيرهم، طرح كثيرون فكرة التخلي عن استخدام كلمة “العلمانية” وإحلال مفردة “المدنية” محلها. وتبدو المفردة المقترحة ذات حمولةٍ قيميةٍ إيجابيةٍ عمومًا من ناحيةً، وذات مضمونٍ وصفيٍّ مائعٍ وشديد الغموض، من ناحيةٍ أخرى. ففي اللغة العربية تتقابل أو تتعارض المدنية مع العسكرية، ونحن نعلم أن “العسكر” هم من ألد أعداء الديمقراطية، في عددٍ من البلاد العربية/ الإسلامية. كما أن الحديث عن “دولةٍ مدنيةٍ” يستبعد الحديث عن دولة دينيةٍ وعن دولة علمانيةٍ (معاديةٍ للدين)، في الوقت نفسه. وأخيرًا، تحيل مفردة “المدنية” على مفاهيم الحضارة والثقافة والحداثة، وتتنافى أو تتنافر مع مفاهيم “الهمجية” و”التخلف” وما شابه. ومن المعلوم ارتباط مفهوم الحداثة (السياسية) بمفاهيم الديمقراطية والعقلانية وحقوق إنسان العالمية .. إلخ.

هل ينبغي لنا التخلي عن مفردة “العلمانية” والاستعاضة عنها بمفردة “المدنية”، سواء في الفهم المعرفي للواقع العربي واحتياجاته، أو في تبني المواقف السياسية الأيديولوجية المتعلقة بالنظام السياسي المأمول أو المنشود في الدول العربية؟ ومن الضروري الإشارة هنا إلى أن فكرة المدنية “قد دخلت العالم الإسلامي خصوصًا بواسطة الأفغاني”، كما يشير ألبرت حوراني، في كتابه “الفكر العربي في عصر النهضة”. والأفغاني، كما سبق الإشارة، هو الذي قام بصياغة السمات الأساسية للصورة السلبية الشائعة عن العلمانية/ العلمانوية، في العالم الإسلامي عمومًا. يضاف إلى ذلك أن بعض ممثلي تيارات “الإسلام السياسي” المعاصرة يفهمون “مدنية الدولة” على أنها تعني أن تكون الدولة “على غرار دولة الرسول الإسلامية في المدينة المنورة”، على الرغم من أن ذلك يعني عدم تبني كل مفاهيم الدولة الحديثة القائمة على مبادئ المواطنة والديمقراطية وما شابه! وانطلاقًا من ذلك نرى ضرورة مناقشة مسألة علمانية/ مدنية الدولة، في إطار مناقشة ديمقراطية الدولة ومبادئ المواطنة ومنظومة حقوق الإنسان. ففي هذه الحالة تحديدًا، يمكننا تجنب الاستقطاب الهوياتي الزائف بين العلمانيين والمتدينين، لصالح تبني استقطابٍ بناءٍ يعبر عن المعركة الفعلية التي ينبغي لكل الفعالين السياسيين تحديد مواقفهم تجاهها، وعلى أساسها، وأقصد الاستقطاب بين مؤيدي الديمقراطية وأعدائها أو معارضيها. وعند الاتفاق على مبادئ الدولة الديمقراطية، والابتعاد عن اختزالها في صناديق الاقتراع، ليس مهمًّا كثيرًا تسمية هذه الدولة بالدولة المدنية أو بالدولة العلمانية، أو بغير ذلك من التسميات.

المصدر: العدد السادس من مجلة ملفات أسبار الشهرية التي يصدرها مركز أسبار للدراسات والبحوث بمدينة دوسلدورف الألمانية

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *