الرئيسية / مقالات / انقلاب ناعم في تركيا

انقلاب ناعم في تركيا

انقلاب ناعم في تركياانقلاب ناعم في تركيا

أحمد العبد الله

بالرغم من اختياره عبارات لطيفة في نقده والحديث بقوله حزبنا التي توحي بتمسكه بحزب العدالة والتنمية، وتأكيده على أنه لا ينوي على الإطلاق الانشقاق وإنشاء حزب جديد يضمّ في قوامه العديد من القيادات السابقة لحزب العدالة والتنمية الحاكم، كما تشير بعض التكهنات، إلا أن الشجاعة الكبيرة والمباشرة في العبارات التي تخيرها رئيس وزراء تركيا الأسبق في رسالة مطولة، التي عنونها: استنتاجات وتوصيات حول نتائج انتخابات 31 مارس والظروف السياسية الراهنة. وتطرقه لملفات لم يكن أحد يتطرق اليها من قبل من مثل الحديث بهذا الوضوح عن الملف الاقتصادي وملف الحريات والأمن وملاحظاته على سياسات وطريقة إدارة الملفات المهمة في تركيا، وتحالفات الحزب الأخيرة واندماج الحزب ومؤسساته بالمجتمع، والتداخل في الصلاحيات بين رئاسة الحزب ورئاسة الجمهورية ، واستنكاره لطريقة تعامل قيادة الحزب الحالية مع القيادات التاريخية التي قادت مسيرة الكفاح من أجل وصول الحزب إلى المرتبة التي بلغها خلال السنوات التي تلت تأسيسه، توحي بأن المسألة أكبر بكثير من كونها نقداً ذاتياً لمسيرة الحزب وربما تمهد الطريق لطلاق بائن بين أوغلو وبين أردغان، رغم أن الرسالة حقيقة مليئة بالألم على وضع حزب تصدر المشهد لعقدين من الزمن وكان قبلة لتطلعات وأحلام معظم الأتراك.

انقلاب بدأ من الفيسبوك

بدأ أوغلو رسالته التي نشرها على صفحته الرسمية على الفيسبوك بتاريخ 22 نيسان/أبريل بالحديث عن أننا نمر اليوم في مرحلة تاريخية تشهد التحولات الأكثر كثافة في تاريخ البشرية، ويزداد فيها زخم التواصل والتفاعل بين المجتمعات بصورة فائقة، ويمكن فيها تفعيل الفرص والمخاطر الكبيرة بنفس السوية وفي وقت واحد، والفترة القادمة، سوف يظهر التمايز الأساسي بين أولئك الذين يديرون هذا الزخم من خلال فهم قيمة اللحظة التاريخية، وأولئك الذين ينجرون داخل هذا التدفق عبر الابتعاد عن القيمة الحقيقية للحظة التاريخية.

جملة فكرية بامتياز تعودنا على مثلها من أوغلو وتذكرنا بكتابه الشهير الإسلام في مهب التحولات الحضارية. وهو بمقدمة رسالته يعتبر أن قيام الحزب كان لمهمة حضارية أسمى وليس لمجرد تولي السلطة، وأن قادة الحزب هم أصحاب روح رسالية وليسوا مجرد طامحين للعرش، ويدركون اللحظة التاريخية التي جاؤوا فيها والأهداف التي حملوها والواجبات التي عليهم أن يقدموها لشعبهم لكي يبقوا في الصدارة بجدارة.

وأن قدومهم برؤية تفهم متطلبات المرحلة الزمنية التي مروا بها وقيم الأمة أظهرت تركيا أداءً التقط فيه زخم التدفق التاريخي بعد أن عشنا تحولًا ديمقراطيًا عزز ثقتنا بأنفسنا، ومخططًا لتنمية اقتصادية صاعدة، وتأثيرًا دوليًا يتوسع في أرجاء الأرض. وهذا شيء بالغ الأهمية يرى أوغلو أن القادة الحاليين لم يدركونه بل غير قادرين على إدراكه.

وأن حزب العدالة والتنمية بوضعه منذ أحداث غيزي ومابعدها مروراً بالانقلاب الفاشل، أخذ باستهلاك طاقته في مشاكله الداخلية، بسبب تحريضات وتلاعبات تتجاهل الإرادة الوطنية من قبل بعض البؤر التي كان لها دور رائد في عمليات التآمر فاهتز انسجامنا الداخلي وضعفت قدرتنا على إنتاج وتطبيق الرؤى الاستراتيجية، وجر تركيا من موقف يتمتع برؤية وتقدمية إلى موقف متراجع ودفاعي.

لم يجد أوغلو حرجاً بعد هذه المقدمة الفكرية التي تلخص حلمه ورفاق دربه أن يوجه النقد مباشرة الى أردغان الذي لم يأخذ بهواجسه التي قدمها له خطياً وشفهياً وسراً حرصاً على ألا تتحول إلى ذرائع لنقاشات سيئة النوايا، إلا أن الوضع الاجتماعي والسياسي الذي برز مع انتخابات 31 آذار/مارس والأحداث اللاحقة، فيما يرى أوغلو خلق حاجة لإجراء محاسبة مفتوحة وشفافة وحكيمة أمام الرأي العام، وهذا مرتبط بالوعي بمسؤوليته كثاني رئيس عام لحزب العدالة والتنمية، وآخر رئيس وزراء منتخب من قبل الشعب.

لخص أوغلو أهم المخاطر التي تواجه حزب العدالة والتنمية بالأمور التالية

1- التراجع في الدعم الشعبي للحزب وضرورة تقييم ذلك بطريقة حكيمة، بخاصة فيما يتعلق بنتائج رئاسات بلديات أنقرة وإسطنبول.  وانحصار النشاط السياسي في وسط الأناضول والبحر الأسود مبتعداً عن الأجزاء الساحلية.

2- عدم الاعتراف بالدين للأجيال السابقة والتضحية بها من أجل النفوس المغرورة والحسابات الضيقة.

3- اهمال وضعف الالتزام بخمسة عناصر أساسية تجعل الحركات والأحزاب السياسية الفاعل المهيمن على مشهد التاريخ أ- منظومة مبادئ وقيم داخلية متناسقة. ب- خطاب متوافق مع روح منظومة القيم هذه. ج- شبكة من العلاقات الاجتماعية منفتحة على جميع شرائح المجتمع. د- هيكل تنظيمي قوي يدير هذه الشبكة بفعالية. ه- فكر حر وعقل تشاركي يتيحان إمكانية تطوير سياسات متوافقة مع روح العصر.

4- تاريخياً كان من أهم الأسس التي قام عليها العمل السياسي للحزب أنه أقام منظومة أخلاقية، لكنها تضررت بسبب الخطاب الذي القائم على الشعارات وإظهار التمسك بالقيم والمبادئ والتصرف بعكس ذلك وتوسيع الهوة بين الوعود الخطابية وحقيقة الأوضاع، واستغلال أمور مقدسة (نابعة من الدين) من أجل تحقيق مكاسب سياسية، ما جعل المواطنين يفقدون الثقة.

5- تدخل عائلة المسؤول والدائرة المحيطة به في صنع القرار واستخدام وسائل التواصل الاجتماعي، وتجييش من يقومون من خلالها بترويج الافتراءات، وتشويه أي منافس على الساحة. وبالطبع هنا يقصد أردغان وصهره براء البيرق.

6- حلّول خطاب بصبغة دولتية وأمنية وقائم على الأمر الواقع وعلى هواجس البقاء المطلقة بدلًا من خطاب الحزب السياسي الواثق بنفسه ومستقبله، والذي يركز على الإنسان، ويقوم على حقوق الإنسان والحرية والإصلاح الشامل.

7- عدم وجود منظمة مندمجة مع النسيج الاجتماعي الذي توجد فيه ومستعدة للعب دور ديناميكي في المراحل الحساسة.

8- الأمر الأكثر خطورة هو ظهور فئة ترى نفسها متفوقة فوق لجان الحزب وتحاول إدارة الحزب مثل كيان مواز، وإقصاء المسؤولين المنتخبين واللجان في الحزب.

9- ضعف الاعتماد على العقل المشترك، وإهمال آليات الشورى المؤسساتية .

10- إعادة النظر  يجب أن تشمل أيضاً سياسة التحالفات مع الأحزاب الأخرى، والتي من الواضح من خلال النظر إلى النتائج الانتخابية الأخيرة بأنها أضرت بالحزب سواء من حيث نسبة الأصوات، وأيضاً من حيث الهوية الحزبية، والفلسفة السياسية الخاصة بالحزب.

11- النظر المنافسين في الانتخابات على أنهم أعداءً، خطير ولابد من التخلي عن خطاب الكراهية، وإن احترام نتائج الانتخابات هو واجب الساسة قبل غيرهم. القلق حول وجود وبقاء الدولة، لا يمكن أن يكون مبرراً لإضعاف الديمقراطية. بل على العكس، إن الديمقراطية هي أساس بقاء ووجود دولتنا.

12- تناقص العدالة في النظام الاجتماعي.

13- وجود علامات استفهام تظهر لدى الضمير العام في مسألة مكافحة منظمة “فتح الله غولن” الإرهابية. وعدم إيلاء أهمية كبيرة للمقاييس الحساسة للتوازن بين الحرية والأمن.

14- حاجة تركيا إلى دستور مدني وديمقراطي وشامل أصبحت أكثر من أي وقت مضى. وإن نموذج النظام الجديد لا يلبي تطلعات الأمة التركية سواء من حيث أسلوب الهيكلة أو التنفيذ. وإعادة بناء مبدأ الفصل بين السلطات، والحاجة إلى إجراء مراجعة جادة وصادقة حول مسألة تغيير النظام. وهذا نقد مباشر أردغان صاحب فكرة النظام الرئاسي والكل يعرف أن داوود أوغلو كان دوماً ضد النظام الرئاسي وفقد منصبه بسبب ذلك.

15- عدم تمثيل منصب الرئاسة للمجتمع بأسره وعدم احتضانه جميع الشرائح.

16- الانتماء الحزبي للرئيس لا يعد مشكلة في الأنظمة الرئاسية الديمقراطية، ولكن تولي نفس الشخص لمنصب الرئاسة العامة للحزب أيضاً يشكل عيوبًا من حيث عمل الدولة. ويؤدي إلى ابتعاد مؤسسة الرئاسة نفسياً عن نصف المجتمع على الأقل، في الوقت الذي يجب أن تكون فيه على مسافة واحدة من كافة شرائح المجتمع.

17- أصبحت الصحافة وسيلة للدعاية التي تدار من قبل مصدر واحد.

18- ضعف التركيز على المسار الذي قام به الرعيل الأول تحت شعار “الياءات الثلاثة” (المحظورات، والفساد، والفقر) الذي كان يعتبر أحد أهم الشعارات التي أضفاها الحزب على أدبيات السياسة.

19- عدم أخذ عنصري الكفاءة والجدارة بعين الاعتبار عندما يتعلق الأمر بالسياسة، والإدارة العامة.

20- عدم سن قوانين عاجلة تعزز مبادئ الشفافية والأخلاق السياسية، تشمل مراقبة شفافة لمصادر القطاع العام، وعدم استخدام مصادر القطاع العام في المصالح الشخصية. وعدم وجود تقاطع بين مهام الأشخاص الذين يؤدون مهام رسمية في الدولة وبين استثماراتهم الاقتصادية في حياتهم الخاصة.

21- تراجع مستوى الثقة اليوم إلى  أدنى من المستويات التي تحققت في الماضي، ومن الأمثلة الصارخة على ذلك هو تراجع الناتج القومي للفرد بالدولار الأمريكي عام 2018 إلى ما دون مستوى ناتج الفرد في عام 2007. وإنكار حقيقة الأزمة الاقتصادية التي يحس بها كافة شرائح المجتمع.

22- القرارات المتعلقة بالسياسات الاقتصادية بعيدة عن المعطيات الحقيقية، والإجراءات المتخذة بخصوص السياسات الاقتصادية تتنافى مع إجراءات السوق وعلم الاقتصاد.

23- التخلي عن الفلسفة الاقتصادية للحزب منذ نشأته القائمة على اقتصاد السوق الحر وعدم تهيئة بيئة استثمارية يتم من خلالها تحقيق انخفاض مستمر في نسب التضخم، وزيادة التوقعات الاقتصادية، وتخفيف الأزمات، وتأمين استثمار آمن لرؤوس الأموال الأجنبية وعدم اضطرار رؤوس الأموال في تركيا للبحث عن سبل من أجل الاستثمار في الخارج.

حقيقة إنها انتقادات بالغة الدقة والأهمية وكلها تصب في توجيه اللوم وبشكل مباشر وغير مباشر الى الرئيس أردغان وتحمله مسؤولية ما وصلت الأمور اليه. وتدفع عقلاء العدالة والتنمية الى دق ناقوس الخطر. ويعتقد أن مثل هذا الطرح المدروس بعناية سيلقى دعماً شعبياً كبيراً خصوصاً من الفئات الشعبية الفقيرة والمتوسطة والتي جزء منها عاصر الجهود الهائلة التي بذلها أبناء الحزب حاملين معهم روحهم الرسالية لكسب ثقة الناس بهم والتصويت لهم في الانتخابات.

وختاماً

صرخة اوغلو هي انقلاب أبيض بعد أن طفح الكيل من السلوك الاستبدادي لأردوغان وأسرته؛ وتفردهم بقرار الحزب والدولة، ورسالة أردوغان فاته قطار الإصلاح الذاتي؛ وانتهت صلاحيته القيادية؛ ولا بد من نظرية جديدة يقوم بها آخرون لإنقاذ تركيا؛ نعم: إنه انقلاب أبيض يعلنه فيلسوف تركيا المعاصر أوغلو.

المصدر: مينا مونيتور

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *