الرئيسية / مقالات / من سوريا إلى الجزائر والسودان: سياق الدولة والمواطنة

من سوريا إلى الجزائر والسودان: سياق الدولة والمواطنة

صلاح الدين بلالمن سوريا إلى الجزائر والسودان: سياق الدولة والمواطنة

صلاح الدين بلال

في شمال شرق سوريا، أنجزت “قوات سوريا الديمقراطية” إحدى المهام الكبرى التي طرحتها وقائع السنوات الماضية، وهي محاربة “داعش”، والقضاء عليه، وهو ما يمهّد لمرحلة مقبلة حافلة بالأسئلة، خصوصاً فيما يتعلق بمسار الحلّ السياسي النهائي، والذي يبدو، حتى اللحظة، غامضاً إلى حدّ بعيد، في ظل حالة إقليمية ودولية، تتسّم بالاستعصاء تجاه التوافق على مصير نظام الحكم في سوريا.

مفارقة رئيسية ينبغي التوقف عندها في الموضوع السوري، وهي الاستقرار النسبي في مناطق “الإدارة الذاتية”، في سياق تطلّع جدّي نحو المواطنة والديمقراطية، والاستقرار الهشّ في مناطق النظام من جهة، ومناطق سيطرة الإسلاميين في إدلب، حيث تحوّلت الدولة في الأولى إلى مجرّد سلطة، وغابت الدولة في الثانية كليّاً، لمصلحة سلطات راديكالية، لا علاقة لها بأي قيم حديثة، مثل الديمقراطية والمواطنة.

كل حركة التغيير في المنطقة، منذ سنوات، هي حركة احتجاج على الدولة القائمة، أي دولة/ السلطة، والتي لا علاقة لها، لا من قريب أو من بعيد، بالدولة الحديثة، ففي الدولة/ السلطة، وعلى الرغم من وجود دستور، إلا أن كل الآليات التنفيذية مصمّمة لخدمة بقاء السلطة، وكل حديث عن المواطنة، أو تطبيقاتها، مجرد إنشاء، فاقد للمعنى.

السلطة في سوريا، وعلى الرغم من مرور ثمانية أعوام على الانتفاضة، ترفض فعليّاً التفاوض مع أي طرف معارض، وليس في عقلها السياسي أي حلّ مع القوى المعارضة سوى “المصالحات”، والتي تعني إخضاع الآخرين لسلطتها، مع إنكار واضح لما وصلت إليه من فقدان للسيادة، أو حتى تأمين الموارد الرئيسة للسكان في مناطقها، وبات من البداهة القول إن السلطة لم تتعلّم أي شيء من التجربة.

في السودان والجزائر، فرضت الاحتجاجات في الأولى عملية تغيير من داخل المؤسسة العسكرية، وفي الثانية، وعلى الرغم من أزمات النخبة الحاكمة، فقد تمّت تنحية الرئيس، لمصلحة عملية دستورية، لكن في كلتا الحالتين ثمة رغبة لدى الشارع والنظام في عدم الوصول إلى حالة صدام فيما بينهما، من شأنها أن تغرق البلاد في دوامة من العنف والدماء، والحفاظ على الدولة ومؤسساتها، كما يدرك ممثلو الحراك في البلدين خطورة دخول الإسلام السياسي على الخط، وما قد يسببه من انزياح في التوجّهات والمطالب، وثمة أمر آخر يتمثل في المزاج الدولي، والذي يختلف كلياً عن 2011، حيث تغيب الرغبة الدولية في دعم قوى الإسلام السياسي، نظراً للمآلات التي وصل إليها مثل هذا التوجه، خصوصاً في سوريا وليبيا.

لا يختلف سياق بناء الدولة في السودان والجزائر عن أشباهه من دول المنطقة، حيث يشكّل العسكر عصب السلطة السياسية، وحيث يغيب المجتمع وتعبيراته الحقيقية، من أحزاب ونقابات وجمعيات، أو يتراجع إلى درجة كومبارس، مع احتكار السلطة ودوائرها الضيقة لكل الامتيازات الكبرى، وهو ما سمح لرجالاتها بمراكمة الثروات خلال العقود الماضية، وخنق نمو أي اقتصاد حقيقي، يقوم على الإنتاج والمنافسة، لإبقاء نظام المحاسيب فاعلاً، بحيث تكون درجة القرب من السلطة والولاء لها السبيل الوحيد لتحصيل المنافع المادية.

في ليبيا، يستمر مشهد الانقسام السياسي، مع دعم قوى إقليمية ودولية لأطراف الصراع، وقد بدأت منذ أسابيع موجة عسكرية جديدة، لا تبدو نهايتها قريبة، كما أن حسمها سيكون مسألة معقدة، وقد يطول بنا الأمر لنشهد عودة ليبيا الموحّدة، فقد أدى انهيار نظام القذافي إلى فتح الواقع الليبي على كل الانقسامات السابقة على الدولة الوطنية، وهو النظام الذي استخدم كل الشعارات الممكنة من أجل امتلاك الشرعية (الجمهورية، القومية، الشعبية)، لكنه لم يتمكّن من بناء أدنى مقوّمات الدولة الحديثة، أو الانتقال بليبيا إلى دولة المواطنة.

ما نحن بصدده، منذ سنوات، وربما إلى سنوات مقبلة، هو سياق بناء الدولة الحديثة، والتي هي بالتعريف والضرورة دولة المواطنة، فدولة/ السلطة أمام مأزق التاريخ، وهي لا تزال تعاند وتكافح من أجل بقائها، وسيكون لخيارات القائمين على هذه السلطة دور كبير في تحديد مسار التحوّل من دولة/ السلطة إلى دولة المواطنة، فالعقلانية السياسية تحتّم استيعاب الدروس التاريخية، وتحويلها إلى دليل عملي.

التجربتان السودانية والجزائرية، ولئن كان من المبكر الحكم على نتائجهما، تكشفان عن وعي سياسي مختلف لدى النخبة في السلطتين الحاكمتين، وعن مستوى من العقلانية في فهم ضرورة التحوّل، وضرورة الاستجابة له، فإرادة الفاعلين السياسيين، في الحكم أو المعارضة، هي جزء لا يتجزأ من الفعل السياسي التاريخي، ووفقاً لهذه الإرادة تتّخذ التجارب والمحطات التاريخية الكبرى شكلها، ويتحدّد الثمن الذي تدفعه الشعوب من أجل تطور نظامها السياسي، ومنظومة حقوقها، ومستقبلها الاقتصادي.

المصدر: العدد السابع من مجلة ملفات أسبار الشهرية التي يصدرها مركز أسبار للدراسات والبحوث بمدينة دوسلدورف الألمانية

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *