الرئيسية / مقالات / دراسة موجزة للقوانين الخاصّة بالعقارات في المناطق الحدودية السّورية

دراسة موجزة للقوانين الخاصّة بالعقارات في المناطق الحدودية السّورية

لقاء خاص مع الخبير الدستوري ومدير مركز المواطنة المتساوية فائق حويجة على هامش ورشة مركز أسبار حول كتابة الدستور السوريدراسة موجزة للقوانين الخاصّة بالعقارات في المناطق الحدودية السّورية

فائق حويجة

مقدمة

لم تعاني الدّولة السّورية، بحدودها المعروفة اليوم، من مشكلات حدودية تاريخية، وذلك لسبب بسيط يتعلّق بغياب هذه الحدود. فسوريا التّاريخ كانت دولةً مفتوحةً على الجوار الإقليمي والعالمي. فهي ساحة التّجارة في أوقات السّلم، وساحة الحروب في كافة الأوقات التي يتمّ فيها إعادة اقتسام الجغرافيا بفعل بروز قوى محلية أو إقليمية ترى أنّ مصلحتها تقتضي إعادة الاقتسام. أيضاً، فإنّ حداثة نشوء وتبلور الدّولة القومية ساهم في عدم ترسيخ حدود واضحة للجغرافية السّورية.

ابتدأت المشكلات الحدودية السّورية مع ضرورة ترسيم هذه الحدود في إطار تقاسم تركة الامبراطورية العثمانية، والتي باتت تُعرف بالرّجل المريض في ذلك الوقت، بين القوى المنتصرة في الحرب العالمية الأولى (وبشكلً خاصّ: فرنسا وبريطانيا) وعكست نفسها على شكل الحدود الحالي، والقوانين المتعلقة بتملّك الأراضي الحدودية كما سنرى.

لم تكن المسألة الحدودية السّورية من منظور دولة الانتداب الفرنسي، ولا من منظور الدولة الوطنية اللاحقة، مسألة واضحة وهينة، وذلك بسبب حداثة هذه الحدود، وبالتّالي هشاشتها وإمكانية تعديلها تبعاً لمصالح الدّول التي ترسمها. تداخلت هذه الهشاشة مع وجود روابط تحت وطنية قوية وفاعلة: عائلية وعشائرية. أو فوق وطنية: قومية وإسلامية عابرة للحدود مع دول الجوار. إضافةً لبروز المطامح القومية اليهودية في إنشاء وطنٍ قوميّ في فلسطين برعاية الانتداب البريطاني.

هذه التداخلات التاريخية، المتعدّدة والواقعية، دفعت باتجاه اتخاذ مجموعة من التّدابير والإجراءات الخاصّة بتملّك العقارات في المناطق الحدودية، كما سنحاول أنْ نرصد في هذه الدّراسة.

تاريخية القوانين المتعلّقة بتملّك الأراضي الحدودية

بموجب الاتفاقية الحدودية لعام 1923 بين بريطانيا وفرنسا وتعديلاتها اللاحقة والمصادق عليها من قبل عصبة الأمم في العام 1934، أخذت الحدود السّورية شكلها التقريبي الحالي، يحدّها برياً: دولة لبنان بحدود تُقارب 403 كم، والأردن بحدود 375 كم، وفلسطين بحدود 76 كم، والعراق 605 كم، وتركيا 822 كم.

هذه الحدود البرية الطويلة، كما هو واضح، مع التخوّف من أثر السّياسات الاستيطانية الصهيونية على الجغرافيا السّورية في الجنوب، والمطامع التّركية والتشابكات القومية (الكوردية) في الشّمال، إضافةً للتداخلات العشائرية مع الأردن، والعائلية مع لبنان، دفع السّلطات الانتدابية والوطنية المتعاقبة لسلسلة من القيود التي تحدّ من التملّك والتصرّف العقاري في المناطق الحدودية.

وُضعَت القيود على التملّك والاستثمار في الأراضي الحدودية لأوّل مرّة في ظلّ الانتداب الفرنسي بموجب القرارين 16و 17 الصّادرين عن المفوّض السّامي الفرنسي بتاريخ 18/1/1934، واللذين منحا السّلطات الإدارية الحق في مراقبة نقل وتعديل أو إنشاء الحقوق العينية على الأراضي الواقعة على الحدود الجنوبية، ومن الواضح أنّ الهدف من هذين القرارين هو منع التصرّف بالأراضي السورية لمصلحة المستوطنين الصهاينة.

بتاريخ 10/9/1941 صدر عن الحكومة السّورية الخاضعة للانتداب الفرنسي المرسوم رقم 41 والذي قضى بأثرٍ رجعيّ بضرورة الحصول على رخصة مسبقة لإنشاء أو نقل أو تعديل أي حق من الحقوق العينية العقارية على الأراضي المجاورة للحدود السورية، وأعطى للمحافظة سلطة منح الرُخَص المسبقة، وفي حال الرفض يتمّ الاعتراض أمام رئيس الدّولة خلال شهر من تاريخ الرّفض، ويكون قرار رئيس الدولة بخصوص الاعتراض مبرماً.

وفي تاريخ 1/4/ 1952 صدر المرسوم التّشريعي رقم 189 المتضمّن القيود المفروضة على تملّك غير السّوريين للأموال غير المنقولة. ثمّ، وبتاريخ 3/4/1952 صدر المرسوم التشريعي رقم 193 والمعدّل بالمرسوم التشريعي رقم 75 تاريخ 28/7/1962، والذي كان متشدّداً جدّاً تجاه إنشاء أو تعديل أيّ مركز قانوني في كلّ المناطق الحدودية. كان التّضييق ناجماً بالأصل عن التّخوُف من السّوريين الكورد على حدود سوريا الشّمالية بعد تنامي الفكر القومي العروبي والذي رأى في وجود قومية أخرى في سوريا خطراً محتملاً قد يهدّد وحدة وسلامة الأمن القومي السّوري.

بتاريخ 21/5/1952، أصدر وزير الدّاخلية البلاغ رقم 55 المتضمّن إعفاء الأراضي الواقعة ضمن المخطّطات التّنظيمية للمدن من أحكام المرسوم 193. وذلك بغرض التّخفيف من الآثار الشّديدة التي تركها المرسوم السّابق على حركة العقارات ضمن مراكز المدن والبلدات. ثمّ صدر المرسوم التّشريعي رقم 2028 بتاريخ 4/6/1956 الخاصّ بتعريف المناطق الحدودية، محدّداً هذه المناطق، على الشّكل التالي:

قضاء القنيطرة وقضاء الزوًية بكاملها، أي الزوًية الغربية والزوًية الشّرقية، وذلك كان قبل إنشاء محافظة القنيطرة طبعاً.

المناطق المتاخمة للحدود السّورية-التّركية بعمق 25 كم، اعتبارا من قرية السّمرا في محافظة اللاذقية حتّى آخر الحدود في محافظة الحسكة. ولاحقاً صدر المرسوم رقم 1360 بتاريخ 11/11/1964، الذي اعتبر كامل محافظة الحسكة بالإضافة إلى منطقة جسر الشّغور منطقةً حدودية.

أي أنّ المناطق الحدودية التي استهدفها المرسوم 193، وحدّدها المرسوم 2028، ثم توسّع فيها المرسوم 1360، هي المناطق المجاورة لإسرائيل، إضافةً لمناطق تواجد السّوريين الكورد، وهي مناطق متاخمة لتركيا بطبيعة الحال.

بقي المرسوم 193 لعام 1952 سارياً لأكثر من نصف قرن، حتّى صدور المرسوم 41 تاريخ 26 / 10/ 2004، والذي عمل على تخفيف بعض الأحكام التي أعاقت حركة انتقال العقارات والاستثمارات في ظلّ المرسوم السّابق، تماشياً مع حالة الاستقرار التي سادت المجتمع السّوري خلال فترة معقولة، واستجابة لرغبة في انفتاحٍ قانونيّ يواكب الانفتاح الاقتصادي الذي كان أحد سمات هذه المرحلة.

اتسم المرسوم 41 لعام 2004، بكونه فتح كوىً في جدار المرسوم السابق، حيث استثنى من تطبيقه:

أيلولة الحقّ العيني العقاري، أو حقوق الاستئجار، أو الاستثمار لمصلحة الجهات العامة.

العقارات المبنية الواقعة ضمن المخطّط التّنظيمي من ضرورة الحصول على الرخصة، وأعطى الحقّ لمالكي هذه العقارات بالتصرّف بها دون الحاجة إلى الحصول على التّرخيص المذكور.

معاملات الإفراز والاختصاص والقسمة وتصحيح الأوصاف.

ذلك أن القانون السابق كان ينصّ، في المادة الأولى منه، على عدم جواز إنشاء أو نقل أو تعديل أو اكتساب أي حقّ عيني عقاري على أرض كائنة في منطقة حدودية، أو إشغالها عن طريق الاستئجار أو الاستثمار أو بأي طريق أخرى لمدة تزيد على ثلاث سنوات لاسم أو لمنفعة شخص طبيعي أو اعتباري إلَا بترخيص سابق.

كما نصت الفقرة /ب/ من المادة العاشرة منه، على عدم تطبيق أحكامه في حال وقوع الأرض ضمن حدود المخطّطات التّنظيمية المُصدَّقة للوحدات الإدارية أو النّطاق العمراني.

لكن، وبدلاً من تطوير هذا الاتجاه القانوني الانفتاحي في التّعاطي مع مسألة التّعامل العقاري في المناطق الحدودية، شهد العام 2008 عودةً لأسلوب التضييق القانوني في المجال العقاري والتي وسمت المرسوم 193.

ففي 10/9/2008 صدر المرسوم التّشريعي رقم 49 الذي عدّل بعض أحكام القانون 41، إذْ قضى المرسوم الجديد بضرورة الحصول على التّرخيص سواء أكان العقار مبنياً أم غير مبني، وسواء أكان واقعاً ضمن المخطّطات التّنظيمية أم خارجها. وحتّى أنه منع تسجيل الدّعاوي المتعلقة بطلب تثبيت أي حقّ من الحقوق المنصوص عليها في المادة/1/ من هذا القانون وعدم وضع إشارتها ما لم تكن مقترنة بالترخيص المسبق. كما قضى بردّ كافة الدّعاوى القائمة بتاريخ نفاذه فيما إذا كان التّرخيص غير مبرزاً في إضبارة الدّعوى، مع مراعاة أحكام المادة/31 / من القرار /186/ لعام /1926/، أي عدم تأثير ذلك على المعترضين وعلى المدّعين بحقّ بشأن عمليات التّحديد والتّحرير.

النتائج المترتبة على القوانين الخاصة بتنظيم الأراضي الحدودية أو كما يُعرف بالمرسوم 49 من خلال استعراض وتحليل النّصوص القانونية للمراسيم والقوانين التي نظمت وضع الأراضي الحدودية، وبشكل خاصّ المرسوم 49 لعام 2008، نجد العناصر الأساسية التالية:

1-التّرخيص الإداري خطوة ضرورية لازمة في أي عملية عقارية حدودية.
2-أثر المرسوم 49 رجعي، أي أنه منع الاستمرار في أي إجراء عقاري سابق على نفاذه في حال عدم وجود التّرخيص.
3-منع وضع إشارة الدّعوى في حال غياب التّرخيص.
4- شمل جميع العقارات المبنية وغير المبنية.
5-يشمل هذه العقارات سواء أكانت داخل المخطّط التّنظيمي أم خارجه.
6-يجب التنويه إلى أنّ القانون رقم 41 وتعديلاته اللاحقة بالمرسوم 49 لعام 2008، لم تستوجب الحصول على التّرخيص المسبق في حال كان اكتساب الحقوق العينية العقارية على العقار في المنطقة الحدودية عن طريق الإرث أو الانتقال. وكذلك في حال الاستئجار أو الاستثمار لمدة أقلّ من ثلاث سنوات، أو في حال استخدام عمال أو مزارعين أو خبراء. ولكنّه أوجب في مثل هذه الحالات أن يتمّ إعلام الجهات الإدارية المختصّة بذلك خلال مدة ثلاثة أشهر من تاريخ تلك التصرّفات.

بذلك يبدو واضحاً أنّ المرسوم 49 قد أخضع جميع الإجراءات القانونية المتعلقة بالعقارات في المناطق الحدودية لسلطانه وأحكامه، الأمر الذي أدّى إلى نتائج كارثية تمثلّت في:

1-مخالفة الدّستور من خلال منع النّاس من التّقاضي (منع تسجيل الدّعاوى العينية العقارية).
2-التجاوز الفاضح على مبدأ فصل السلطات، وذلك من خلال منح وزير الدّاخلية سلطة البتّ في الدعاوي.
3-تهميش دور القضاء، من خلال منع المحاكم من تثبيت البيوع غير الحاصل أصحابها على رخصة سابقة، ومن خلال منعها عن وضع إشارة الدّعوى في صحف العقارات المبيعة.
4-تعزيز دور وحضور السّلطة التنفيذية باعتبارها الجهة المخولة بمنح التصاريح فيما يتعلق بالعمليات العقارية.
5- ركود الحركة التّجارية والعمرانية والاستثمارية في مناطق الحدود.
6-توقف العديد من المهن الحرة المرتبطة بحركة البناء والتوسّع العمراني.
7-ارتفاع نسبة البطالة في المناطق الحدودية بسبب كلّ ما سبق.
8-ازدياد معدّلات الهجرة من المناطق الحدودية إلى المدن الداخلية، وإلى خارج البلاد.
9-استفحال النّزاعات بين الأشخاص، وانتشار تجار سوق العقارات السوداء.
10-انتشار عمليات الاحتيال والبيوع المتكررة الواقعة على العقارات.
11-انتشار المحسوبيات والوساطات والسمسرة لصالح الجهات التي يمكنها منح الرّخص.
12-وربّما أمكن القول إنّ الأزمة السورية التي ابتدأت بانتفاضة شعبية في إحدى المناطق الحدودية (حوران)، وقبلها في المناطق ذات الكثافة الكوردية (2004)، كانت بشكل أو آخر إحدى ثمرات ونتائج المرسوم 49 لعام 2008.

بعد أن وقع الفأس بالرأس واكتشفت الإدارة السورية حجم المطبًات الكثيرة التي نتجت عن العمل بالمرسوم 49، قامت بإصدار المرسوم التشريعي رقم 43 بتاريخ 24 / 3 / 2011، الذي سمح بالتصرف بالأراضي المبنية وغير المبنية الواقعة داخل المخططات التنظيمية – فقط -سواء أكان ذلك العقار في مركز المدينة أو غيرها من مناطق السكن، من دون الحاجة للحصول على ترخيص مسبق، طالما أنها واقعة ضمن مخطط تنظيمي أصولي، لكن الوقت والتسارع الدراماتيكي للأحداث بعد ذلك لم يسمح باختبار النتائج الواقعية لهذا المرسوم.

اقتراحات مستقبلية أولية

مع إقرارنا بحقّ المشرّع في إصدار التّشريعات اللازمة للحفاظ على أمن الوطن وحماية وسلامة حدوده عبر إصدار القوانين التي تقيّد حقّ التّصرف بالعقارات والأراضي وباقي الحقوق العينية العقارية في المناطق الحدودية، لكن ذلك يجب أن يكون مشروطاً باحترام حقوق الإنسان وضمان حقّ التّقاضي في إطار الدّستور.

على ذلك، فإنّنا نرى، أنّه مع اقتراب الأزمة السّورية الرّاهنة من الوصول إلى حلّ، لابد من:

أولاً – ضمان العودة الكريمة والآمنة لكافة المهجّرين والنّازحين من المناطق الحدودية إلى مناطقهم.
ثانياً -إعادة كامل الحقوق العينية العقارية في مناطق الحدود إلى أصحابها، وكذلك الشّاغلين والمستثمرين قبل الأزمة وفق الأصول القانونية.
ثالثاً – إعادة النظر دستورياً بكافة التّشريعات الخاصّة بالعقارات في المناطق الحدودية، وبما يضمن:
– حقّ التملّك، بما يعنيه ذلك من إجازة البيع والشراء، وانتقال الحقوق العينية العقارية، وحق الاستثمار أو الاستئجار. إلخ. دون ضرورة الحصول على التّرخيص المسبق والاكتفاء بإعلام الجهات المختصة بذلك.
– حقّ التقاضي، بما يعنيه ذلك من أنّ الفيصل في الإجراءات والمنازعات العقارية مع الدّولة، أو بين الأفراد فيما بينهم هو القضاء.
رابعاً – يمكن للمشرّع، إن ارتأى ذلك، أن يشترط الحصول على تراخيص إدارية في حالات معينة، شرط أن يكون رفض منح هذه الرّخص مسبًباً وجوباً، وأن يسمح للطرف المتضرّر من الرّفض بالتظلّم والتقاضي أصولاً.

المصدر: العدد السابع من مجلة ملفات أسبار الشهرية التي يصدرها مركز أسبار للدراسات والبحوث بمدينة دوسلدورف الألمانية

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *