الرئيسية / مقالات / لماذا خسر حزب “العدالة والتنمية” التركي الانتخابات البلدية؟

لماذا خسر حزب “العدالة والتنمية” التركي الانتخابات البلدية؟

حسام ميرولماذا خسر حزب “العدالة والتنمية” التركي الانتخابات البلدية؟

حسام ميرو

مقدمة:

على خلاف الانتخابات البلدية السابقة، لم يُهيأ حزب “العدالة والتنمية” التركي أنصاره للاحتفال بالفوز، ففي الانتخابات السابقة، كان “العدالة والتنمية” متيقناً من فوزه، خصوصاً في بلدية إسطنبول الكبرى، التي تعدُّ أحد أهم معاقل الحزب، والتي ترأسها رجب طيب أردوغان بين عامي 1994 و1998، حين ترشّح عن حزب “الرفاه الإسلامي”، وبدأ منها مسيرة صعوده السياسي.

الإمساك بإسطنبول يعني لجميع الأفرقاء السياسيين انتصاراً سياسياً يتجاوز في معانيه مجرد الفوز برئاسة بلدية، فهي العاصمة الاقتصادية للبلاد، وتضم لوحدها أكثر من 15 مليون نسمة، وتعدُّ نقطة جذب استثمارية كبرى، بالإضافة إلى موقعها التاريخي والسياحي، ولذلك، فقد كانت المنافسة في هذه الدورة الانتخابية متمحورة بشكل كبير حول إسطنبول، وهو أدركه وكافح من أجله حزب “العدالة والتنمية”، والرئيس رجب طيب أردوغان، والذي بدا وكأنه يخوض المعركة بالنيابة عن حزبه في إسطنبول، حيث ركّز  في تصريحاته، خلال الحملة الانتخابية، على الخطط التنموية والاقتصادية المزمع القيام بها في المدينة، وتحويلها إلى “الوجهة السياحية الأولى في العالم”، كما ذكر مراراً وتكراراً الإنجازات التي نفّذتها حكومته في مجال السكك الحديد، بالإضافة إلى المشاريع الجديدة في هذا الإطار، مع تأكيده على أن جزءاً من تطويرات سكك الحديد هي من صناعية وطنية، وهي الصناعة التي شهدت نموّاً ملحوظاً خلال حكمه.

وعلى الرغم من إمساك أردوغان وحزبه بالمفاصل السياسية والحكومية، إلا أنه رفض نتائج الانتخابات في إسطنبول وأنقرة ومناطق أخرى، وهو سلوكٌ عادة ما تلجأ له الأحزاب المعارضة ضد حزب السلطة، وليس العكس، وهو ما يشير إلى مدى الخسارة الفادحة التي تلقاها “العدالة والتنمية” بشكل عام، والرئيس أردوغان بشكل خاص، واعتبارها أمراً يمسّه شخصياً.

الأسباب الداخلية للخسارة

  • تراجع المؤشرات الاقتصادية:

قبل بداية الربيع العربي، كانت تركيا قد أنجزت تحوّلات اقتصادية مهمّة، وفي مقدمتها ارتفاع النّاتج القومي الإجمالي من 230 مليار دولار في العام 2002، إلى 820 مليار دولار خلال العام 2013، وفي الفترة نفسها، ارتفعت قيمة الصّادرات التركية من 36 مليار دولار إلى 158 مليار دولار. أي ما يزيد على الأربعة أضعاف، وهو ما انعكس بطبيعة الحال على ارتفاع عدد العاملين، والذي وصل في عام 2013 إلى 5.8 مليون عامل، وفيما يتعلق بالسياحة فقد بلغت العائدات السنوية من السياحة حوالي 30 مليار دولار.

نهضت الإنجازات الاقتصادية التركية على ركائز عدّة، من بينها السياسة الخارجية التي اتبعتها تركيا، منذ وصول حزب “العدالة والتنمية” إلى السلطة في عام 2002، وقد تمّت هندسة هذه السياسة على يد السياسي والديبلوماسي أحمد داوود أوغلو أحد أبرز قيادات الحزب، وأخذت عنواناً واضحاً، وهو “صفر مشاكل”.

انعكست السياسة الخارجية في المحيط الجيوسياسي التركي من خلال تقارب تركيا مع العالم العربي والإسلامي، وخصوصاً في العلاقات مع سوريا ومصر ودول الخليج، وهو ما تمّت ترجمته من خلال زيادة حجم التبادل التجاري بين تركيا ودول الإقليم، بالإضافة إلى زيادة كبيرة في عدد السيّاح العرب إلى تركيا، واستثمارات خليجية في قطاع السياحة التركي، في ظل تسهيلات قانونية كبيرة قدّمتها تركيا لمواطني عدد من الدول العربية، من خلال إلغاء تأشيرات الزيارة، أو حقوّق التملك والاستثمار والشراكة.

قبل الربيع العربي، بدت تركيا نموذجاً مهمّاً في محيطها، فقد تمكّنت من تصفير مشكلاتها مع جيرانها، واستفادت من الإمكانات الماليّة والاقتصادية والاستثمارية الموجودة في المنطقة، وأصبحت تشكّل، بالنسبة لبعض النخب العربية والإسلامية، نموذجاً علمانياً، يقوده حزب ذو جذور إسلامية، براغماتيّ اقتصادياً (غير معادٍ للسوق الرأسمالية، ويسعى إلى الانضمام للاتحاد الأوروبي)، لكن هذا النموذج، ومع ثورات الربيع العربي، تعرّض إلى تحوّل بنيوي، مع انخراط تركيا المباشر في الأحداث، ومساندتها للمعارضات، خصوصاً الإسلام السياسي، بعيداً عن البراغماتية السياسية، تحديداً في المثال المصري، وقد انعكس هذا التحوّل، أو التراجع عن “صفر مشاكل”، في المؤشرات الاقتصادية الكليّة للبلاد، والتي أخذت بالتراجع منذ عام 2013، ووصل إلى ذروة غير مسبوقة، في عام 2018، حيث فقدت العملة الوطنية قدرتها على الصمود، فخسرت حوالي ثلث قيمتها، بشكلٍ مفاجئ، وهي كانت قد خسرت ما يقارب هذه النسبة ابتداءً من عام 2013، ما يعني أنها خسرت ثلثي قيمتها التي كانت في عام 2013.  

الجدول التالي يوضح حجم التراجع في مؤشرات الاقتصاد التركي، بين عامي 2013 و2017.

السنة

المؤشر

2013 2014 2015 2016 2017
الناتج المحلي الإجمالي (مليار دولار) 950 943 858 862 851
معدل النمو الاقتصادي 8.5 5.2 6.1 3.2 7.4
نسبة الدين الخارجي من إجمالي الناتج المحلي 41.3 43.3 46.6 47.3 53.2
معدل البطالة 9.1 10.0 10.3 10.9 10.9
نسبة التضخم 7.0 6.4 5.7 9.9 15.5

المصدر: https://www.focus-economics.com/countries/turkey

لقد تضرّرت الكثير من القطاعات الحيوية من تراجع الاقتصاد، وازدادت الديون الخارجية، ووصلت الديون المستحقة للبنوك الأوروبية إلى حوالي 224 مليار دولار، كما تأثرت أسهم البنوك الأوروبية بانهيار العملة التركية، ولم يستطع البنك المركزي التركي مساعدة الشركات التركية لتجاوز عثراتها، وتسديد ديونها.

تشكل إسطنبول وأنقرة مركز الثقل الاقتصادي (يتركز فيهما حوالي 65% من الاقتصاد التركي)، وخسارة “حزب العدالة والتنمية” لهاتين المدينتين توضّح مدى التحوّل لدى النخب الصناعية والاقتصادية والمالية الرئيسية، حيث أن قسماً كبيراً من هذه النخب يعتبر أن سياسات أردوغان الداخلية والخارجية كانت وراء تراجع الاقتصاد التركي، بعد أن خاضت تركيا في مشكلات المنطقة، وتحوّلت من طرف محايد إلى طرف منخرط ومحوري في صراعاتها، وبالتالي فإن تصويت الطبقة العاملة التركية، ومن ورائها النخب الاقتصادية، يعكس رغبة عارمة في تغيير السياسة التركية.  

  • المخاوف من انحسار الديمقراطية:

منذ وصول حزب “العدالة والتنمية” إلى السلطة في عام 2002، حدثت ثلاثة تغيّرات رئيسة في النظام السياسي التركي، كان أولها في عام 2007، وذلك بعد انتهاء ولاية الرئيس أحمد نجدت سيزر، حيث تمّ تغيير الدستور، ليصبح النظام شبه رئاسي،   حيث أصبح انتخاب الرئيس يتمّ من خلال انتخاب مباشر من قبل الشعب، وليس من قبل أعضاء البرلمان، وقد دفع حزب “العدالة والتنمية” نحو تبني هذا الخيار، حيث كان انتخاب الرئيس يحدث بناءً على توافقات داخل البرلمان (يحتاج فوز المرشح في البرلمان إلى أصوات ثلثي الأعضاء في الجولتين الانتخابيتين الأولى والثانية)، وهو ما يعني أن الكتلة الأقوى في البرلمان ليس بمقدورها- دائماً- أن تعيّن رئيس البلاد، من دون التوافق مع الأحزاب الأخرى، لكن تطبيق هذا التغيير حدث في عام 2014، ففي عام 2007، كان البرلمان قد انتخب الرئيس عبد الله غول.

التغيير الدستوري الثاني حدث في عام 2010، وتمثّل في تغيير النظام القضائي التركي، حيث أصبح انتخاب كبار القضاة والمدّعين العامين وتعيينهم يتم من خلال “المجلس الوطني التركي الكبير” ورئيس الجمهورية، وليس من قبل المؤسسة العسكريّة، كما أصبح بالإمكان محاكمة العسكريين، بما في ذلك كبار ضباط الجيش، أمام المحاكم المدنيّة، بدلاً من المحاكم العسكريّة.

في عام 2017، صادق البرلمان التركي على حزمة تعديلات دستورية، كان من شأنها تحويل نظام الحكم، ليصبح رئاسياً، ولتكون السلطة التنفيذية وقيادة الجيش بقيادة الرئيس، حيث أصبح من حقّه تعيين نوابه، وتعيين الوزراء وإقالتهم، وهو ما يعني فعلياً أن الرئيس بإمكانه تحديد توجهات السياسات الداخلية والخارجية، بعد أن تراجعت صلاحيات الجيش في الدستور، وبعد أن أصبح الرئيس هو قائد الجيش.

لقد سرّع الانقلاب الفاشل، في يوليو/ تموز 2016، من تحويل النظام السياسي إلى نظام رئاسي، كما سهّل لأردوغان القيام بإجراءات قوية ضد خصومه السياسيين، حيث تمّ تحويل الآلاف منهم إلى المحاكم، كما عُزل الآلاف من وظائفهم الحكومية، في مختلف مؤسسات الدولة، خصوصاً من المنتمين إلى “جماعة الخدمة”.

إن النجاحات الاقتصاديّة التي أحرزها حزب “العدالة والتنمية” بين عامي 2002 و2011، كفلت له شعبية واسعة، ساندته في إحداث تغييرات دستورية، لكن تراجع المؤشرات الاقتصادية، والتي تزامنت مع طموحات أكبر من قبل “العدالة والتنمية” وأردوغان للإمساك بمفاصل الحياة السياسية، أسهمت في تراجع شعبية الرئيس وحزبه، ودفعت خصومه الاقتصاديين والسياسيين للتعاون والتنسيق فيما بينهم، خشية تراجع مكانتهم ونفوذهم من جهة، وخشية تراجع المسار الديمقراطي لتركيا، وتحولها إلى نظام استبدادي، يقوده “الحزب الواحد”، وتحويل الأحزاب الأخرى إلى مجرد ديكور للديمقراطية، على غرار معظم دول الشرق الأوسط.

  • تبدّلات في الهويّة المؤسّسة للدولة

منذ نشأتها، تبنّت الدولة التركية النظام العلماني، لكن خيار مصطفى كمال أتاتورك مؤسس الدولة بقي خياراً نخبوياً إلى حدّ بعيد (من الأعلى)، ومنذ عام 1945، عاودت الحركة الإسلامية الظهور سياسياً، ومنذ ذلك التاريخ كانت الحياة السياسية التركية ساحة للصراع بين الأحزاب القومية والعلمانية والإسلامية، وقد لعب الجيش التركي دوراً مرجّحاً في السياسة، وفي المحافظة على علمانية الدولة (لا يحمل التوصيف هنا حكم قيمة أخلاقي، وإنما توصيف للواقع)، ومع مجيء حزب “العدالة والتنمية”، وخصوصاً في العقد الأخير، حدثت تحولات نوعيّة في السياسة التركية الخارجية، حيث ساند الرئيس أردوغان الحركات الإسلامية في العالم العربي، كما تضمّنت الكثير من تصريحاته اقتباسات دينية، وإحالات رمزية إسلامية وتراثية، حتى أصبحت الكثير من الوسائل الإعلامية تلقّبه ب”السلطان”.

إن أزمة الهويّة في تركيا ليست جديدة، لكنها أصبحت أكثر بروزاً خلال السنوات الأخيرة، فجزء كبير من النخب التركية يرى أن الخطاب الأيديولوجي الديني للرئيس أردوغان هو خطاب شعبوي، وغير متوازن مع إرث الدولة التركية الحديثة، في شقيها العلماني والقومي، وهو مضاد للمبادئ التي تأسست عليها الدولة، بل أنه أصبح مكلفاً على توجهات تركيا الاقتصادية، من حيث علاقاتها مع الغرب، حيث تضررت العلاقات الاقتصادية والديبلوماسية بشكل كبير مع الغرب، وبالتالي فإنه يجب حشد القوى المتضررة من هذا التوجه، وتجاوز خلافاتها وانقساماتها، لمواجهة الرئيس وحزبه.  واستعادة التوازن في الهويّة التركية من جهة، وإعادة بناء التحالفات السياسية مع الخارج من جهة أخرى.

الأسباب الخارجية:

  • العلاقة مع دول المنطقة

عودة الطموحات التركية إلى لعب دور أساسي في سياسات المنطقة، واستخدام الإسلام السياسي، واجها استنفاراً من قوى إقليمية عديدة، قد لا تكون في صفّ أيديولوجي ومصلحي واحد، لكنها تجد في توسيع تركيا لنفوذها المباشر خطراً على أمنها القومي، وهو ما دفعها إلى استخدام أوراق ضغط اقتصادية وسياسية عديدة، من أجل كبح المخططات التركية.

في الداخل التركي، تضررت قوى اقتصادية كبرى من سياسات “العدالة والتنمية” الخارجية، بما فيها فئات اقتصادية راهنت على تلك السياسات، فإذا كان تصفير المشاكل مع الجوار منحها أسواقاً جديدة وغنية، كما الحال مع دول الخليج، وخصوصاً السعودية، فإن هذه السياسات نفسها كانت سبباً وراء تراجع العلاقات الاقتصادية والاستثمارية والسياحية مع مجمل دول الخليج.

  • العلاقة مع الغرب والأطلسي

لم يتمكن الرئيس أردوغان من المضي قدماً باتجاه تذليل العقبات أمام دخول تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، كما أنه، بعد الانقلاب الفاشل، أخذ بالتقارب مع روسيا في الملف السوري، والتنسيق معها من خلال مسار أستانة، ومن خلال صفقة صواريخ S400، بالإضافة إلى سلسة من التفاهمات الزراعية والتجارية، خصوصاً في ملف الطاقة.

هذا التوجه، في مجمله، معاكس لتاريخ طويل من التعاون بين الجيش التركي والأطلسي، كما أنه يحمل تحدّياً مباشراً لواشنطن وحلفائها الغربيين، وهو في الوقت ذاته مضرّ بالمصالح الاقتصادية التركية، خصوصاً لجهة الأسواق مع الاتحاد الأوروبي، حيث تأتي تركيا في المرتبة الخامسة من حيث التبادل التجاري مع الاتحاد الأوروبي.

خلاصة

كشفت خسارة “العدالة والتنمية” الانتخابات البلدية عن أزمة في خطاب وتوجهات الحزب والرئيس أردوغان، وتضرّر فئات كبيرة منها، خصوصاً القوى المدينية، وعمودها الفقري المتمثّل بالنخب العلمانية والقومية والليبرالية، وإعادة تمتين هذه القوى لعلاقاتها البينية، في وجه “العدالة والتنمية”.

كان الهروب إلى الأمام في الملفات الخارجية، وتحديداً في الملف السوري، مفيداً لأردوغان، في مواجهة الداخل وأعبائه، لكن هذا التوجه لم يعد مقنعاً لشرائح واسعة من المواطنين في المدن الكبرى، حيث تراجعت العملة المحلية، وأعلنت حوالي 15400 شركة إفلاسها، في عام 2018، وارتفاع تكاليف الحياة المعيشية،

لقد زادت نتائج الانتخابات البلدية من مخاوف “العدالة والتنمية”، لجهة قدرته على الانفراد في السياسات المحلية، وستضع الرئيس أردوغان أمام إعادة حساباته في السياسة الخارجية، كما أنها ستنعكس، من دون شك، في مستقبل الحزب، على مستوى البرلمان والرئاسة، في الانتخابات المقبلة.

المراجع

  • عمير الصمادي، الأزمة المادية التي تمر بها تركيا: الأسباب والدوافع والنتائج ومن المستفيد منها، المركز الديمقراطي العربي، 26-08-2018.
  • حسن كوسبالان، النظام الرئاسي في تركيا: تحول الهوية الإسلامية وتداعياتها، موقع ميدان، 19-07-2018.
  • سعيد عبد الرازق، تركيا: توقعات بزيادة حالات إعلان إفلاس الشركات 6%، صحيفة الشرق الأوسط، العدد 14661، 18-10-2018.

المصدر: العدد السابع من مجلة ملفات أسبار الشهرية التي يصدرها مركز أسبار للدراسات والبحوث بمدينة دوسلدورف الألمانية