الرئيسية / مقالات / التجارة الخارجية السورية في ظل اقتصاد الحرب

التجارة الخارجية السورية في ظل اقتصاد الحرب

محمد مصطفى عيدالتجارة الخارجية السورية في ظل اقتصاد الحرب

محمد مصطفى عيد

مقدمة

في أكثر من مناسبة لأحداث اقتصادية عديدة، يجمع خبراء المنظمات الدولية، على أن عملية تحرير التجارة الخارجية، تؤدي إلى مزيد من الكفاءة في توزيع وتخصيص الموارد، ومن ثم زيادة الدخل العالمي، بينما استفادة  البلاد النامية من هذه الزيادة، تستند إلى علاقة نظرية مفترضة بين التجارة والنمو الاقتصادي، من خلال تحسين فرص وصولها إلى الأسواق الخارجية، وزيادة القدرة التنافسية عالمياً، وتعزيز قدرتها على جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، وما سيأتي في سياقها من تكنولوجيا حديثة وإدارة متقدمة، وعلى النحو الذي يحسّن من موازين مدفوعاتها، ومن ثم، تقليل حاجتها.

تعد سوريا من البلدان النامية، وقد أخذ اقتصادها بالتعثر منذ مطلع ثمانينيات القرن الماضي، ومرّ بحالة من الانحدار، نتيجة السياسات الاقتصادية التي كانت تنهجها الحكومات السورية، ومحاولاتها الفاشلة في الخروج من قوقعة نهجها  المغلق ، وقراراتها الارتجالية، من خلال الاندماج مع الاقتصادات العالمية عبر بوابة التجارة الخارجية، فإن هذا الملف، أشبع دراسة ومناقشات بين الجانب السوري وشركائه من العرب، وجيرانه من الدول الأوروبية ، حيث أصدرت الحكومات السورية المتعاقبة، وخصوصاً في بداية الألفية الثانية، العديد من القرارات، بهدف الدخول إلى نادي أعضاء التجارة الخارجية، فكانت تلك القرارات، تصبّ في خانة إدراج مجموعة من السلع في قائمة الممنوعات، والإحجام عن استيرادها، لحماية السلع السورية، لكن الظروف الدولية الجديدة، خلقت حالة جديدة تختلف عن السابق، في إتباع الحظر والمنع وفتح الأسواق في دول العالم، لدخول البضائع، بعد التوقيع على اتفاقيات فيما بين الدول،  وبالتالي أمام هذه الظروف العالمية، أجبرت الحكومة السورية في بداية النصف الأول من الألفية الثانية، على العمل من أجل مواكبة ما يحدث في الخارج، والانضمام إلى منظومة تحرير التجارة الخارجية، وفتح الأسواق أمام انسياب البضائع العربية والأجنبية، وتقديم التسهيلات اللازمة، والابتعاد عن الآليات البيروقراطية التي كانت تتبع في السابق، وبدا المشهد الأكثر وضوحاً لتحرير التجارة هو الاستعداد للانضمام إلى منظمة التجارة العالمية، وتطبيق اتفاقية منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى مع بداية العام 2005 ، حيث أصبحت البضائع العربية تنساب إلى السوق المحلية برسوم جمركية رمزية ، لكن عدم اكتمال الصورة في تطبيق هذه الاتفاقية خلق بعض التجاوزات من قبل  دول الغير، وخصوصاً فيما يتعلق بشهادات المنشأ ، حيث لجأت بعض الدول العربية إلى استيراد بضائع أجنبية، وبشكل خاص من الصين، والعمل على تغيير شهادات منشئها، ونقلها إلى شهادة منشأ عربية، ومن ثم إدخالها إلى السوق المحلية، والاستفادة من مزايا التخفيضات الجمركية ، هذا الأمر انعكس سلباً على المنتج الوطني، الذي بدأت تلك البضائع الأجنبية تنافسه في عقر داره ، في الوقت الذي ألزم فيه الصناعي الوطني بدفع رسوم جمركية عالية عند قيامه بتصدير منتجه، وهذا الأمر أحدث خللاً بنيوياً في قطاع التجارة الخارجية، ترجمه عجز مستمر في الميزان التجاري، على مدى 21 عاماً من أصل 25 عاماً، ما عكس بدوره عجز محاولات تحرير الاقتصاد بعامة، والتجارة الخارجية بخاصة، وهو ناجم عن العقلية التي تحوّلت إلى عرف في التجارة الخارجية؛ يقوم هذا العرف على إيجاد أسواق للمنتجات المحلية، بغض النظر عن جودتها، بدلاً من التخطيط للإنتاج، بناءً على دراسات الأسواق الخارجية، لتلبية متطلبات الأذواق والجودة فيها، وهذا ما شكل أحد أبزر المعوقات الداخلية لقطاع التصدير في سوريا.

الميزان التجاري السوري في ربع قرن

في دراسة تحليلية لمؤشرات التجارة الخارجية خلال الفترة (1992-2016)،  حاولت الدراسة تقسيم مسار التجارة الخارجية في سوريا إلى أربع مراحل تاريخية، إذ تبدأ المرحلة الأولى مع بداية النصف الثاني من العام 1992 ، بعد صدور التعليمات التنفيذية لمرسوم الاستثمار رقم 10 ،وتمتد حتى العام 1999 ، حين تم فسح المجال أمام مزيد من الحرية الاقتصادية، قياسا  بالوضع السابق، لكنها شهدت عجزا في الميزان التجاري، بحسب البيانات الرسمية الصادرة عن المكتب المركزي للإحصاء، وذلك على مدار ثماني سنوات، بوسطي 1,74 %من إجمالي الناتج المحلي بالأسعار الجارية، بحسب بيانات المكتب المركزي للإحصاء، وتمتد المرحلة الثانية من العام 2000حتى 2005، حين تم إصدار مئات المراسيم والقرارات لتطوير بيئة الأعمال وتحسين مناخ الاستثمار، وقد شهد الميزان، التجاري السوري فائضا من العام 2000 وحتى 2003، بلغت نسبته بشكل وسطي 3,64%من إجمالي الناتج المحلي، أما المرحلة الثالثة تمتد من العام من 2006 حتى 2011، إذ تم الإقرار بهشاشة التوازن في الميزان التجاري لاعتماده على عائدات تصدير النفط الخام بالدرجة الأولى، حيث تمثل صادرات النفط وحدها 70 % من إجمالي الصادرات، بين 1990 و2004.

وتمتد المرحلة الرابعة من العام 2011 حتى 2016 وهي مرحلة الحرب السورية، والتي شهدت ارتفاعاً ملحوظاً في العجز التجاري، وصلت نسبته إلى نحو 39% من إجمالي الناتج المحلي، وانخفض الوسطي السنوي لكمية الصادرات بنسبة 73%، إذ بلغ الوسطي السنوي للكمية المصدرة نحو 4,9 ألف طن، كما انخفض الوسطي السنوي للكمية المستوردة بنسبة 48,6 %، إذ بلغ 12 ألف طن (1)

العجز التجاري السوري يسجل ملياري دولار

كشفت بيانات وزارة الاقتصاد والتجارة الخارجية في الحكومة السورية أن العجز التجاري سجّل 2.2 مليار دولار، ما يساوي نحو 1100 مليار ليرة سورية خلال عام 2016، بعد تدمير أكثر من 80% من المنشآت الصناعية، وخسارة صادرات النفط، ووفقاً  لبيانات المكتب المركزي للإحصار السوري، فقد سجّل الميزان التجاري السوري عجزاً متزايداً خلال الأعوام من 2011 وحتى 2016، وبلغ ذروته في نهاية 2016 عند1,910 مليارات ليرة سورية، وحول مؤشرات التجارة الخارجية، فإن كمية مستوردات عام 2016 وصلت إلى نحو 9.3ملايين طن، بقيمة 2238 مليار ليرة سورية، مقابل تصدير 1,13 مليون طن، بقيمة 323 مليار ليرة سورية.  

قصور الإنتاج المحلي

إنّ الأداء السلبي للقطاع التجاري في سوريا، لا يمكن إرجاع أسبابه إلى الأزمة السورية في بداية عام 2011، بل هو بنيوي، ويرتبط بعوائق داخلية في قطاعي التصدير والاستيراد، حدّت من قدرته على تحسين أداء التجارة، ودعم النمو الاقتصادي، وذلك بسبب التأثير السلبي له في إجمالي الناتج المحلي، كما يُلاحظ قصور الإنتاج المحلي عن تلبية الطلب الداخلي، وبالتالي ضعف مؤشر الاكتفاء الذاتي، نظراً للاعتماد على المستوردات لتلبية أكثر من ربع الطلب المحلي.

وذكرت بيانات رسمية لهيئة دعم وتنمية الإنتاج المحلي والصادرات في دمشق، أن قيمة التجارة الخارجية السورية، انخفضت إلى 0.2% من إجمالي قيمة التجارة العالمية، خلال الفترة بين 2010-2015، وبلغت حصة التجارة الخارجية السورية من التجارة العالمية 0.01% في عام 2015، كما تشير بيانات الاستيراد والتصدير، والناتج المحلي الإجمالي، بالأسعار الثابتة للفترة بين 2010-2015، إلى أن درجة انكشاف الاقتصاد السوري انخفضت بشكل واضح، فبعد أن كانت تشكل 43.8% في 2010، أصبحت أقل من 17% خلال 2015. (2)

الصين أكبر شريك تجاري لسوريا وإيران في ذيل القائمة

في ظل الأداء السلبي لواقع التجارة الخارجية السورية، فقد كشفت البيانات الإحصائية  التي اشارت إليها المجموعة الإحصائية للعام 2017 ، الصادرة عن مكتب الإحصاء المركزي، ، كشفت عن معلومات صادمة عن  أبرز الشركاء التجاريين الكبار، للحكومة السورية، على أساس إجمالي التجارة الخارجية، بما فيها الاستيراد والتصدير والإدخال المؤقت وإعادة التصدير، حيث احتلت الصين المرتبة الأولى، كأكبر شريك تجاري لسوريا خلال عام 2016، و بلغت قيمة التجارة الخارجية بين سوريا والصين نحو 8.2 بالمئة من إجمالي التجارة الخارجية السورية، تلتها لبنان، في المرتبة الثانية، بنسبة 6.3 بالمئة تقريباً، من إجمالي التجارة الخارجية السورية، ثم تأتي روسيا في المرتبة الثالثة، لتحظى بنسبة 6 بالمئة تقريباً، ثم العراق في المرتبة الرابعة، بنسبة 4.3 بالمئة، تليها مصر في المرتبة الخامسة، بنسبة 4 بالمئة، والأكثر ما يصدم في التقرير أن تأتي إيران في المرتبة الثانية عشرة، بنسبة 2.01 بالمئة فقط من إجمالي التجارة الخارجية السورية، رغم الخط الائتماني بين سوريا وإيران.(3)

تصدير 750 مادّة  

أوضحت دراسة لـ ” اتحاد المصدرين السوري”، في نهاية العام 2018، أن المنتجات السورية وصلت إلى 109 دول، خلال عامي 2017 و2018. وبحسب الدراسة، فإن لبنان والسعودية وتركيا والعراق ومصر والأردن والإمارات تصدّرت قائمة الدول التي وصلت إليها المنتجات التصديرية السورية، مع تغير ترتيبها بين العامين 2017 و2018، كما كانت الدول الأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية ضمن المراتب ال 25 الأولى.

ووفق الدراسة، بلغ عدد المواد المصدّرة 750 مادة، احتل زيت الزيتون مركز الصدارة فيها، ومنتجات زراعية أخرى، مثل الكمون واليانسون واللوز، إضافة إلى الالبسة والمنظّفات والأدوية والأحذية، في حين وصل عدد المصدّرين إلى 648 مصدّراً، جميعهم أعضاء في الاتحاد السوري للمصدّرين. (4)

700 مليون دولار قيمة الصادرات في 2017

بالمقابل قدّرت مصادر في وزارة الاقتصاد والتجارة الخارجية أن قيمة إجمالي الصادرات، بحسب البيانات الجمركية للعام 2017، بلغت نحو 700 مليون دولار أمريكي، أي بزيادة نحو 40 مليون دولار عن العام 2016، حيث بلغت نحو 660 مليون دولار، (علماً بأنه كان نحو 9 مليارات دولار عام 2010)، لتحقق بذلك نمواً، لكن مع تعارض واضح مع تقديرات اتحاد المصدّرين السوري، الذي توقّع وصول قيمة الصادرات الى 5 مليارات دولار أمريكي، على اعتبار أن القيم الحقيقية أعلى من الرسمية بعدة أضعاف.

ووفق المؤشرات والأرقام الصادرة عن بيانات الحكومة السورية الرسمية، فإن هذه الإحصائيات لا تدلل على أن التجارة الخارجية السورية تحظى بأهمية نسبية في التجارة العالمية، ولا في التجارة العربية، نظراً لإسهامها المتواضع جداً، حيث لا توجد ميزات تنافسيّة مهمة، في أي قطاع من قطاعات التجارة، باستثناء بعض الحالات في مراحل محددة، ولصناعات استخراجية بحتة (النفط بشكل رئيس)، التي لا تملك أية قيم مضافة في التصنيع، ومثلها، مواد زراعية وأغذية وحيوانات حية، ما لا يمكن حسبانه ميزة تنافسية حقيقية.

خلاصة

ضمن الظروف والمعطيات الراهنة، خلال السنوات الأخيرة، فإنه من الصعوبة بمكان الحصول على بيانات حقيقية أو أقرب إلى الدقّة،  عند دراسة ملف التجارة الخارجية السورية، لذا فإن قيم النسب والمؤشرات في البحث تعتمد أغلبها على البيانات الرسمية ، وتتجاهل الاقتصاد غير المنظم (اقتصاد الظل)، والقيم الحقيقية للصادرات والمستوردات، والتي قد تكون مضاعفة، بأكثر من مرّة عن القيم الرسمية، التي تعتمد على البيانات الجمركية، إذ يتهرّب المستوردون والمصدرون من الإعلان عن القيم والكميات الحقيقية لأنشطتهم، من أجل الالتفاف على النظام الضريبي والجمركي، لذلك فإن الأرقام التي عرضناها سابقا ، تعتمد على البيانات الرسمية التي تحتمل الصواب في مطارح وتحتمل الخطأ في مطارح أخرى، يضاف إلى ذلك نقاط خلل أخرى، على أساس متابعة واقع التجارة الخارجي في سوريا، خارج نطاق المؤشرات المعتمدة في البحث، يمكن إيجاز نقاط الخلل تلك في غياب الشفافية في العملية التجارية، تحديداً في غياب بيانات دقيقة عن الصادرات والمستوردات، نظراً لعدم الإفصاح عن الأسعار الحقيقية للمستوردات والصادرات من قبل المستوردين والمصدّرين، للتهرب من الرسوم والضرائب، وعدم الإفصاح عن حجوم أعمالهم الحقيقية، والتخوّف من تعهدات قطع التصدير، وعودة تطبيقه في أي وقت، يساعدهم في ذلك وجود تغطية للعديد من مخالفاتهم في بعض الجهات الحكومية، رغم وضوح آلية الاستيراد والتصدير، تحديداً لدى وزارة الاقتصاد والتجارة الخارجية، إضافة إلى تدنٍّ في مستوى الخدمات اللوجستية، والفساد الموجود في مختلف مفاصل العمل الجمركي.

المراجع

1-الميزان التجاري السوري في ربع قرن، دراسة تحليلية لمؤشرات التجارة الخارجية خلال الفترة (1992-2016). مركز دمشق للأبحاث والدراسات الاقتصادية “مداد”، 2018.

2-تقرير هيئة دعم وتنمية الإنتاج المحلي والصادرات في دمشق، مارس/ آذار 2016.

3-مكتب الإحصاء المركزي، المجموعة الإحصائية للعام 2017، دمشق.2018  

4-موقع بزنس سوريا. 19-11-2018، دراسة اتحاد المصدرين السوريين http://b2b-sy.com/news/52329/

المصدر: العدد السابع من مجلة ملفات أسبار الشهرية التي يصدرها مركز أسبار للدراسات والبحوث بمدينة دوسلدورف الألمانية