الرئيسية / مقالات / هل تعيد الموجة الجديدة من الاحتجاجات الاعتبار للسياسة؟

هل تعيد الموجة الجديدة من الاحتجاجات الاعتبار للسياسة؟

فيصل علوشهل تعيد الموجة الجديدة من الاحتجاجات الاعتبار للسياسة؟

فيصل علوش

قبل أن ينزل المُحتجّون مجدّداً إلى الميادين والساحات في كلٍّ من الجزائر والسودان، كانت جُلّ الأنظمة العربية قد حوّلت تجارب بلدان ما سُميّ بـ “الربيع العربي”، (وخاصة ليبيا واليمن وسوريا)، إلى “فزاعات” مرعبة منصوبة في وجه كلّ من يفكر بالاحتجاج، أو يتطلع إلى التغيير.

الحدثان الجزائري والسوداني يُفترض أنهما أعادا الاعتبار إلى انتفاضات تلك البلدان (2011)، والأسباب الجوهرية التي أدّت إلى اندلاعها وضرورة التفكير في معالجتها. (وتالياً، إعادة الاعتبار للسياسة بوصفها بحثاً عن حلول وتسويات وتنازلات متبادلة بين أطراف سياسية مختلفة)، على رغم المآلات الكارثية التي انتهت إليها تلك الانتفاضات، والسعي الدؤوب الذي لم يهدأ لشيطنتها وتنسيبها إلى مجرد تدخلات ومؤامرات خارجية، في تجاهل سافر ومتعمّد لغياب الحكم الرشيد، وانتهاء صلاحية أنظمة أصابها الاهتراء والتعفّن.

وقد جسّدت شعارات «حرية، كرامة، عدالة اجتماعية»، الأسباب الحقيقية التي أدّت إلى تلك الاحتجاجات والانتفاضات، مع التعبير عن التطلع إلى تحقيق مبدأ المشاركة في الحكم، والذي يعني مشاركة المواطنين الفعلية، وليس الشكلية، في صناعة قرارهم السياسي والاقتصادي (مستقبلهم)، وكسر القيود والأقفال التي أغلقَتْ أمامهم الحقلَ السياسيّ، وجعلت منه احتكاراً، تختصُّ به فئات وجماعات محدّدة، في زمن عمّ فيه الانحطاط والفساد.

لكن، وما خلا تونس، فإنّ ما جرى في بقية البلدان كان صادماً إلى حدٍّ بعيد، بالنظر لما شهدناه، والذي كان أشبه فعلاً بفتح «صندوق باندورا»، أو «أبواب الجحيم»، الذي أطلق شتّى تفاعلات العنف والحروب والتفكُّك المجتمعي، بعد أن جرى صبّ «اللعنة» على المُحتجين وجَلبُ شتى صنوف الخراب والدمار  لمناطقهم.

الحدثان الجديدان، وعلى رغم أنهما ما زالا في بدايتهما وآفاقهما مفتوحة على احتمالات عدة، إلا أنّهما، بابتعادهما عن صبغة الإسلام السياسي، (بل هو في السودان ضدّ حكم نسخة من هذا القبيل)، وبمشاركة المرأة الكثيفة فيهما، أعادا الاعتبار كذلك، إلى وجود بديلٍ آخرَ للشعوب خارج ثنائية الاستبداد السياسي أو الديني؛ أي إما القبول والرضا بالأنظمة القائمة، أو الاستسلام لتيارات وحركات الإسلام السياسي، وما تقدّمه من بدائل رثّة وهزلية للأوضاع القائمة!

وعلى صعيد الاستقواء بالخارج، (أو الاستنجاد به)، فقد بدت المعادلة مقلوبة أيضاً هذه المرّة؛ السلطات في الجزائر والسودان هي من سعت إلى ذلك، على أمل الالتفاف على مطالب الحراك وإجهاضه، فيما رفض المحتجون، ومعهم قوى المعارضة الرئيسة، أيّ تدخل خارجي، دافعين عنهم أية شبهات لعلاقة مع الخارج، يمكن أن تقلل من أهمية الحراك الحاصل وأسبابه الداخلية المحضة.

وفي سياق الحديث عن الخارج ودوره، ثمة من يلاحظ أنّ المساندة الخارجية للاحتجاجات العربية (2011)، أدّت فقط إلى تدهور الأوضاع وانزلاقها إلى مسارات مأسوية ودموية في الدول المعروفة، من دون إبداء أية رغبة في تفادي هذه المسارات، أو القيام بأي عمل من أجل وقفها، وتجنّب المصير المؤلم الذي ترتّب عليها، وطالَ الجميع دولاً وشعوبا.

وثمة سؤال يطرح نفسه بقوة في هذا الصدد؛ تُرى ما الذي فعلته الأنظمة المعنية لكفِّ يد الخارج والحدّ من تأثيره و«مؤامراته» على دولها ومجتمعاتها؟!. كما يبرز سؤال آخر: لماذا توفّر هذا الاستعداد العالي لدى الفاعلين السياسيين إلى «هدم المعبد» على رؤوس الجميع، سواءً من أجل الاحتفاظ بالسلطة وامتيازاتها، أو طمعاً في الوصول إليها؟!.

وفي المحصلة، فإنّ ما تمخّض عن ذلك هو تَحوّل البلدان المعنية إلى ساحات وملاعب يجول ويصول بها الآخرون، وتحوّل الفاعلين السياسيين، سواءً لدى السلطات أو المعارضات، إلى مجرد أدوات بيد القوى الإقليمية والدولية، الباحثة عن موطئ قدم، أو الطامعة بمدّ نفوذها وسيطرتها، دونما أدنى اكتراث لسيادة البلد المعنيّ، أو وحدته الترابية والوطنية، وغير آبهين إلى الأزمات المتناسلة والمتلاحقة التي ترتّبت على ذلك، والتي تضرب المواطن في صميم حياته وعيشه.

الأسباب الداخلية أولاً

والحال، لو توقف المرء عند الأسباب والعوامل والسياسات التي أوصلت بعض تجارب «الربيع العربي» إلى المآلات الكارثية التي شهدناها، لاستوقفه في المقام الأول الاستبدادان السياسي والديني، وأنماط الحكم القائمة على إخضاع السكان وقمعهم، واستغلال موارد الدولة ومرافقها كمصادر للنهب ومراكمة الثروة والجاه، إلى جانب تثبيت حكم “عصبيات” محلية أو مذهبية، تستخدم أجهزة ومؤسسات الدولة كأدوات في لعبة تحقيق الغلبة والسيطرة الدائمة.

فطبيعة حكم الأنظمة القائمة على تخوين وإسكات الأصوات المعارضة، إضافة إلى الحركات الإسلاميّة وما انطوت عليه من “داعشية” دينية وسياسية، بدرجات متفاوتة فيما بينها. فهذان الطرفان عملا ما في وسعِهما لـتصحير الحياة السياسية والفكرية في العالم العربيِ، وذلك من خلال البحث عن «النقاءِ والانسجام والوِحدة» في المجتمع، ومثيلها في سبل التعاطي مع الشأن العام، بالاستناد إلى التجييش ضدَّ “أعداء الداخل المتآمرين مع أعداء الخارج”، ومنع وجود أيّ حيزٍ للصراع الفكري والسياسي بين مواطنين متساوين وأحرار.

وفي حال الموازنة بين الشعارات التي طرحت في بداية الحراك السوري، على سبيل المثال، وبين ما آلت إليه الحال بعد سنوات قليلة من انطلاقه، لوجب علينا التساؤل؛ هل “الشعب السوري واحد”، لك الهتاف الذي صدحت به حناجر المتظاهرين في الأشهر الأولى للاحتجاجات، هو تعبير حقيقي عن واقع الحال، أم أنه مجرد أكذوبة، أو “يوتوبيا”، اخترعها السوريون للتغطية على واقع التفتت والتشظي المجتمعي الذي يعيشونه؟!.

والأمر لا يقتصر هنا على مدى الانسجام والتوافق بين التصورات الأولى لمستقبل ووجهة الحراك، وما آلت إليه الأمور فيما بعد، أو على مدى الانسجام بين الفكر والعمل، أو بين الجانب النظري والممارسة السياسية. ولا يكفي ردّه كذلك إلى مجرد “سوء النوايا”، أو بعض العوامل المساعدة، كالقول: “إذا أردت أن تُفسدَ ثورة، فأغرقها بالمال”، فكلّ هذا لا يبدو كافياً للتفسير المُقنع، حين يتصل الأمر بصراعات تمسّ مختلف فئات الشعب ونمط حياته ككل، وليس أفراداً أو مجموعات متناثرة وموزعة هنا وهناك فحسب!.

وعلى ذلك، لعلّه يتوجب علينا البحث عن أسباب المشكلة على مستوى أعمق، يطال الأنساق والترسّبات التاريخية والاجتماعية والثقافية القائمة. فحصيلة ممارسة وعمل طبقة أو فئة اجتماعية ما، (وبصرف النظر عن تصورها الخاص لنفسها وللعالم من حولها، والذي قد يكون بدائياً أو مثالياً)، قد يندرج في إطار عملية الخضوع والتبعية، السياسية أو الأيديولوجية، لجهة أو قوة مسيطرة أكبر منها (محلية أو إقليمية أو دولية)، مهما ادّعت العكس. وهذا يصحّ في مجمل عمليات الصراع على السيطرة أو الهيمنة، الطبقية أو السياسية.

ولعلّ واحداً من أهم أوجه القصور التي ميزت سلوك أهمّ الفاعلين السياسيين في سوريا، هو عجزهم عن إدراك هذه الحقيقة، ونزوعهم نحو “الخفة والطيش” في ممارساتهم السياسية، التي ابتعدت كثيراً عن أن تكون فعلاً ذاتياً مستقلاً، يعبّر عن سوية ملموسة من الوعي والنضج السياسيين.

ومن أجل تجنّب تكرار تلك السيناريوهات الكارثية المرعبة، هل ترتقي سياسات الفاعلين السياسيين المعنيين في السودان والجزائر إلى مستوى الوعي والنضج الكفيل بتفويت الفرصة على كل الأطراف الخارجية (المتآمرة منها وغير المتآمرة)، وإعطاء الأولوية للمشاريع النهضوية والتنموية التي تضمن الحرية والعدالة والكرامة في دولة تكون لكل مواطنيها؟!.

المصدر: العدد السابع من مجلة ملفات أسبار الشهرية التي يصدرها مركز أسبار للدراسات والبحوث بمدينة دوسلدورف الألمانية

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *