الرئيسية / مقالات / المثقف البرقاوي وبقايا دولة السلطان

المثقف البرقاوي وبقايا دولة السلطان

حسام ميروالمثقف البرقاوي وبقايا دولة السلطان

حسام ميرو

على الرغم من التعريفات المختلفة للظاهرة الاجتماعية إلا أن ما يجمع بينها هو السلوك والقيمة، وهي لا تتعلق بفرد بعينه، بل تمثّل سلوكاً له امتداداته في الواقع الاجتماعي، كما أن لبروز هذه الظاهرة في وقت من الأوقات دلالات عديدة، فالتوقيت أيضاً ذو دلالة، لما يمثّله من وقائع وميول وقيم، وبناءً عليه فإن درس حالة فردية وتعميمها باسم ظاهرة أمرٌ فيه مخاطرة، لكن لهذه المخاطرة ما يبررها، فيما لو كان السلوك الفردي حدّياً، ويبرز من خلفه قضايا أعمق، تتصّل بالبعد الاجتماعي، وما يعتريه من أزمات دفينة.

هذه المقدمة تهدف إلى توضيح القصد الرئيس من تحويل ردّ فعل ما إلى حالة للدرس، وتسميتها بالظاهرة، وهنا سأتناول ردّ فعل الدكتور أحمد البرقاوي في لحظة وفاة المفكر والفيلسوف الطيب تيزيني، والذي لاقى استنكاراً كبيراً من النخب السورية، وخصوصاً النخب الفكرية والثقافية، وبعيداً عن ردود الفعل، فإن ما سأحاول أن أركّز عليه هنا ثلاثة أمور تتصّل برد فعل البرقاوي (وهي الأمور الثلاثة التي لفتت منتقدي الدكتور البرقاوي)، وهي:

أنه مسّ مسائل شخصية لدى المفكر الراحل، حيث قال إنه “لم يستحسن ولم يرض عن أي سلوك من سلوكياته”.

أنه استخدم “نا” الدالة على الجماعة في إحالته على منجزاته الشخصية، أي منجزات الدكتور البرقاوي.

وصفه من استنكروا ردّة فعله بالجهل.

على الرغم من معاشرة الدكتور البرقاوي للراحل على مدى خمسة وعشرين عاماً، بين تلمذة وزمالة، إلا أنه لم يجد في الراحل ما يمكن استحسانه، مع أن الراحل شخصية فكرية، لها مكانتها الرمزية في المشهد الثقافي السوري والعربي والعالمي. والعلاقة المتوترة بين الرجلين معروفة لدى كثر من المقربين منهما، ونقد البرقاوي لفكر الراحل معروف أيضاً، لكن اختيار توقيت تأكيده يأتي في سياق تأكيد الذات، في لحظة تتجّه فيها الأنظار إلى المفكّر الراحل (والذي يعدّ بالنسبة لكثير من السوريين قامة وقيمة فكرية ووطنية)، فأدخل البرقاوي ذاته كجزء من المشهد، وهو نيل من فرادة الرحيل.

أما استخدام “نا” الدالة على الجماعة فهي ملاصقة لتاريخ البرقاوي، والتي تمنح الذات قدراً مضاعفاً، من حيث جعلها ذاتاً بحجم الجماعة، بل وأهمّ منها، بينما كان وصفه مستنكري ردّة فعله ب “الجهل”، فهو أمر لا يمت للمعرفة بصلة، فالذين استنكروا ردّة فعله أبدوا وجهات نظر عديدة، كلّ من زاويته، والرد عليها بصفة الجمع تقليل من أهمية من يردّ عليهم، وإعادة موضعة للذات في طبقة أعلى، يحقّ لها أن تحاكم، وأن تتهم عدداً كبيراً من الناس بالجهل.

لكن كلّ هذه المسائل لا ترقى وحدها إلى الادعاء بأن ردّ فعل البرقاوي يجعل من سلوكه ظاهرة، ويحتاج الأمر النبش أكثر في تفاصيل سلوك البرقاوي، بما هو عليه كشخصية عامة، ويستلزم هذا النبش قدراً كبيراً من المصداقية، وهو ما لا يمكن لأحد أن يدعيه سوى من عايش البرقاوي لفترة من الزمن.

في مقر اتحاد كتاب وأدباء الإمارات، في 25 مايو/ أيار 2016، تمّت استضافة المذكور الدكتور البرقاوي، للحديث عن كتابه “نهد الأرض”، وهو كتاب تقريري عن زيارته إلى فلسطين، حيث تحدّث البرقاوي، وبعيداً عن موضوع الندوة، عن انحيازه للطبقة المدينية، متّهماً الفلاح بأنه رجل خبيث، وأن الفلاحين عموماً خبثاء، وأفاض في ذكر منبته المديني، وعائلته المثقفة، كما مدّ البرقاوي، ومن دون مقدّمات، يده إلى جيب سترته، وأخرج قلم حبر فاخراً، ليقول بأنه لا يكتب إلا بأقلام فاخرة.

ينتمي الدكتور البرقاوي إلى طبقة متوسطة، ولم يصب أي غنى مادياً كبيراً، لكنه كان قريباً من السلطة في دمشق، وغادرها إلى دبي، حيث شغل، ولا يزال، منصب المدير الأكاديمي لمركز الشرق للأبحاث، ومقرب من رجال الأعمال السوريين فيها، ويقدم مؤخراً برنامجاً في تلفزيون أورينت.

يمنح الدكتور البرقاوي قسماً مهماً من بدايات يومه لترتيب مكان الغذاء، بحيث يكون “فاخراً”، وهو ما يعني أن صاحب الدعوة، في الأغلب، من رجال الأعمال، كما أنه يخاطبهم بألقاب مثل “بيك” و”باشا”، و”أمير”، وهي مفردات تنتمي إلى العصر السلطاني، حيث أن هؤلاء هم أعيان المجتمع، وقريبون من أصحاب القرار فيه، وبالتالي فإن التواجد بقربهم يمنح الشخص حظوة كبيرة، وتسهّل له ولأسرته الأمور الحياتية اليومية والمستقبلية.

على الرغم من الأطروحة المعروفة للدكتور البرقاوي، والتي كتب عنها، وهي “الذات والموضوع”، وأن الذات يجب ألا تتماهي بالموضوع، أو بالآخر، إلا أن البرقاوي نفسه لا يستطيع العيش من دون التماهي مع السلطة أو ظلّها، والبقاء قريباً ممن يملكون المكانة والنفوذ، وهو ما يعكس نقصاً حادّاً في ثقة الذات بذاتها.

وبناءً عليه، فإن الظاهرة البرقاوية هي سلوك نابع من نقص في تقدير الذات لذاتها، وحاجتها الدائمة على توكيد ذاتها، حتى عندما لا يكون الأمر متعلقٌ بها، كما في حالة رحيل المفكر الطيب تيزيني، وسدّ النقص، وتسكين عوامل الخوف الشخصي، بالقرب من منابع القوة، والاستظلال بظلّها.

هذه الشخصية، وعلى الرغم من امتلاكها المعرفة، والتي هي دائماً في مقام النسبية، إلا أنها لا تستطيع أن ترى معرفتها إلا مطلقة وناجزة، وبالتالي فإن الآخر، على الدوام، أقل معرفة، بل وجاهلٌ.

وهذه الشخصية عصابية، ولا تستطيع ضبط نفسها، حيث أن ميلها لتوكيد ذاتها، يجعلها تتجاهل طبيعة الحدث، ورمزيته، ومعناه الاجتماعي والإنساني. فهي مستعدة للانقضاض على حالات الفرح أو الحزن وإفسادها للقول إنها موجودة، من دون أن تكون معنية بالحدث نفسه.

لكن، هذه الشخصية، عموماً، لا يمكن قبولها أو تغذيتها في مجتمعات صحيّة، وإنما تتم تغذيتها في مجتمعات متأخرة، لديها هي الأخرى عدم ثقة بذاتها، حيث تنظر إلى رجل الدين أو الفيلسوف أو صاحب السلطة أو بعض أصحاب المهن كالأطباء على أنهم أنصاف آلهة، فمن ذا الذي يستطيع أن يحاجج فيلسوفاً!

المجتمعات المتأخرة، تمنح التقسيمات الطبقية أو المناطقية قيماً خاصة، لأن مفهوم المواطنة غير موجود، فيصبح ابن المدينة أهم من ابن القرية، ويصبح المتعلم أهم من المزارع، وهكذا، وهو ما يسلخ عن الفرد قيمته الإنسانية الخاصة، كمواطن، وكإنسان، وكفرد.

البرقاوية بهذا المعنى هي ظاهرة فاضحة عن المجتمعات المتأخرة، وسليلة الدولة السلطانية، وابنة الذكورية المطلقة، وتكشف عن نفسها عبر سلوكيات نفعية انتهازية، ورغبة في توكيد الذات، ونفي الآخر، والاحتماء بالتحصيل العلمي أو المالي أو الوظيفي للاستعلاء على الآخرين، وبالتالي فإن الكائن البرقاوي ليس صاحب السلطة نفسها، بل هو جزء منها، وظل لها، وهي كما تغذيه يغذيها، وهو إذا ما تحوّل عن سلطة ما فلأنها أوشكت على استنفاد ما لديها من عوامل قوة، والالتحاق بقوة أخرى صاعدة، فما يهمّ هو تأمين الظل العالي لظلّ يدعي العلو، ولا يطاله.

البرقاوية بهذا التوصيف ظاهرة تعبّر عن مرض خاص وعام، لكنها ظاهرة تلقى قبولاً من بعض المريدين، الذين يستمدون جزءاً من معنى وجودهم من الالتصاق بالمثقف/ البرقاوي، كما أن علاج هذا المرض غير ممكن إلا في إطار علاج شامل لمجتمعات لم تستطع إنجاز مفهوم المواطنة بعد.

ما هو مبعث للتفاؤل أن ظاهرة المثقف البرقاوي تجد اليوم من يستنكرها ويقف ضدها ويرفع الصوت عالياً احتجاجاً عليها، وأن بعض من يلتصقون بمن يمثلها بدأوا يشعرون بالخيبة منها، وهو أمر إن دل على شيء فهو يدل على ما أنجزته السنوات الماضية من تأكيد للحرية وقيمها في مواجهة الاستبداد السلطاني وظلاله الكثيرة.

تعليق واحد

  1. رائع وعميق جدا ماكتبته ياحسام.. لقد قمت بالتحليل من ال خاص الى العام بكل موضوعيه ووضوح.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *