الرئيسية / مقالات / إيران وساعة الخيارات الصعبة

إيران وساعة الخيارات الصعبة

صلاح الدين بلالإيران وساعة الخيارات الصعبة

صلاح الدين بلال

الدور التخريبي لإيران في منطقة الشرق الأوسط هو نتاجٌ تراكمي، عملت عليه بشكل تدريجي، منذ قيام ما يسمى “الثورة الإسلامية”، والتي كانت بداية لمرحلة طويلة من التوتر، حيث اعتمدت الجمهورية الإسلامية مبدأ تصدير الثورة، مستخدمة أيديولوجية مركّبة، تستند إلى البعد الديني، ظاهرها “نصرة المستضعفين”، ومحاربة “الشيطان الأكبر”، ومحاربة إسرائيل، أما غايتها الحقيقية فهي التوسّع في المنطقة، عبر خلق أذرع لها في عدد من الدول.

بعد أحداث سبتمبر 2001، ومن ثمّ الاحتلال الأمريكي لأفغانستان والعراق، أدركت إيران أن جملة من المتغيّرات قد أصابت النظام الدولي، ومنطقة الشرق الأوسط، وأخذت تعمل على جمع أكبر عدد من نقاط القوة بين يديها، بما يسمح لها بأن تكون لاعباً رئيساً في ملفّات المنطقة، فقد احتضنت قيادات تنظيم “القاعدة”، بعد هروبهم من أفغانستان، ثم عملت على إنشاء ورعاية أحزاب وميليشيات عراقية، تكون في خدمة أجندتها، ومع انطلاق ثورات الربيع العربي، عملت إيران على التدخل المباشر وغير المباشر، في سوريا ومصر والسودان وليبيا واليمن، حيث تقوم بتمويل حلفائها من الميليشيات، بالإضافة إلى تزويدهم بالأسلحة، والتنسيق معهم في الخطط العسكرية، وطرق تنفيذ العمليات.

فعلياً لا تهتم إيران بوجود نظام إقليمي مستقر في الشرق الأوسط، بل أن حالة الفوضى التي تعمُّ عدداً من بلدانه، كانت فرصة سانحة لإيران كي تتمدّد وتوسّع من نفوذها داخل المنطقة، فهي غير مبالية بوجود الدول، والحكومات المستقرّة، بل أنها في العراق مثلاُ، لا تزال، تعيق قيام دولة قوية، أو جيش قادر على نزع أسلحة الميليشيات، بل أنها تغذي القوى العسكرية غير النظامية، مثل “الحشد الشعبي”.

العلاقة التاريخية بين إيران والإخوان المسلمين تمّ استثمارها بشكل واسع ومتعدّد الأغراض في ثورات الربيع العربي، وقد ساعدت إيران بطرق مختلفة في عسكرة تلك الثورات، من أجل إفشالها، فقد أرادت توجيه رسالتين، الأولى للداخل الإيراني، مفادها أن أي تحرك شعبي لإسقاط نظام الحكم في إيران سيكون ثمنه باهظاً، والثانية لدول الإقليم، والقوى الغربية، ومفادها بأنها قادرة على الإمساك بأكبر عدد من خيوط اللعبة في المنطقة، وبالتالي فإن التفاوض الرئيس على تلك الملفّات وتقاسم المصالح يجب أن يكون معها.

من الناحية العملية، تلعب إيران دوراً تخريبياً في الملفّات التالية:

1. العراق، حيث تمكّنت من إحراز نفوذ واسع بالقرار السيادي العراقي، وتركيب نظام قائم على المحاصصة الطائفية، مع حكومة ضعيفة، ومرتهنة لها.
2. سوريا، حيث تعرقل الحلّ السياسي، وعملية الانتقال إلى نظام سياسي ديمقراطي.
3. لبنان، حيث تمكّنت من تحويل “حزب الله” إلى المقرّر الأول في سياسات لبنان.
4. في اليمن، حيث تدعم قوات الحوثيين، وتهدّد أمن الخليج، فقد زوّدت إيران الحوثيين بصواريخ يصل مداها إلى 200 كلم، وهو ما يتجاوز الأهداف المحلية إلى أهداف خليجية وعربية.
5. ليبيا، حيث تزوّد بعض الفصائل الليبية بالأسلحة، كما في إرسال سفينة محمّلة بالأسلحة إلى فصائل في مصراتة، الخاضعة لسلطة حكومة الوفاق.
6. في أوروبا أيضاً، سعت إيران إلى بناء شبكات تابعة لها، تساعدها في عمليات غسيل الأموال، ومراقبة ناشطين إيرانيين، وتقوية لوبيات داعمة لسياساتها، وقد دقّت بعض الدول الأوروبية ناقوس الخطر تجاه السياسات الإيرانية في داخلها، مثل ألمانيا وبريطانيا وبلجيكا وهولندا، من أجل مواجهة نفوذ إيران، ومحاصرة شبكاتها داخل الاتحاد الأوروبي.

إن تورط إيران مؤخراً، وبحسب تقارير أمريكية عدّة، في تنفيذ هجوم على عدد من السفن في السواحل الإماراتية، أو الإيعاز لقوات الحوثيين من أجل تنفيذ هجمات بالطائرات المسيرة فوق مواقع نفطية داخل المملكة العربية السعودية، مؤشر على المدى الذي وصلت إليه إيران في تهديد أمن المنطقة.

بعد تصفير عداد بيع النفط الإيراني، وتشديد العقوبات الاقتصادية والمالية على إيران، من قبل الولايات المتحدة، فإن التوجّه الراهن للولايات المتحدة وحلفائها هو توجيه ضربات لأذرع إيران المنتشرة في المنطقة، في سوريا والعراق ولبنان، على أن تكون هذه الضربات لإضعاف النفوذ الإيراني، والانتقال نحو خطة حصار النظام في داخل إيران، مع وجود توقعات قوية بأن يزيد الحصار على إيران فرصة عودة الاحتجاجات الشعبية بقوة ضد النظام الإيراني، وهو ما يستبعد بالتالي فرضية الحرب المباشرة مع إيران، ويطرح سيناريو ضرب أذرع إيران، لمنع إيران من استخدامها في إشعال المنطقة.

أن اهم الخطوات التي تمّ العمل عليها في الوقت الراهن لمواجهة إيران، ودورها العبثي في المنطقة، هي دعوة المملكة العربية السعودية الجادّة للدول العربية، لعقد اجتماع قد يكون مقدّمة لخلق موقف عربي عملي، يتمثّل بإيجاد قوة عسكرية مخصصة لمواجهة ما تقوم به إيران، أو ما قد تقوم به في المستقبل.

الموقف الروسي حيال التصعيد الأمريكي ضد إيران، لا يّصب في مصلحة إيران، فثمة تنسيق أمريكي روسي، حيث لروسيا أيضاً مصلحة في تقليص النفوذ الإيراني، وهو ما يجعل إيران من دون حلفاء دوليين حقيقيين في مواجهتها الراهنة، وهو ما قد يدفع إيران لخوض مفاوضات سريّة، للحفاظ على صورتها أمام شعبها من جهة، ولتقليل الخسائر المحتملة، وآثارها القريبة والبعيدة على نظامها السياسي.

في كل الأحوال فإن اللحظة الراهنة هي لحظة مفصلية في تاريخ النظام السياسي الإيراني، ليعيد حساباته، فخياراته في المواجهة أو في التفاوض، ستحدّد مصيره، كما ستحدّد مصير المنطقة، فلم يعد مقبولاً أن تلعب إيران بمصير المنطقة وشعوبها ومصالحها.

المصدر: العدد الثامن من مجلة ملفات أسبار الشهرية التي يصدرها مركز أسبار للدراسات والبحوث بمدينة دوسلدورف الألمانية

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *