الرئيسية / أخبار سوريا / ندوة «أسبار » الثانية تناقش آفاق الحياة السياسية السورية

ندوة «أسبار » الثانية تناقش آفاق الحياة السياسية السورية

ندوة «أسبار » الثانية تناقش آفاق الحياة السياسية السوريةفي محاولة لتوصيف الواقع وسبل الاختراق المفاهيمي والعملي
ندوة «أسبار » الثانية تناقش آفاق الحياة السياسية السورية

استكمالاً لمشروع مركز أسبار للأبحاث والدراسات في مناقشة القضايا المتعلّقة بالمسألة السورية، عبر فاعلين سياسيين ومدنيين، عقد المركز ندوته الثانية، والتي خُصصت لنقاش آفاق الحياة السياسية السورية، وذلك في 13 مايو/ أيار الماضي، عبر تطبيق سكايب، وشارك فيها برهان ناصيف (تيار مواطنة)، وراتب شعبو (كاتب وسياسي)، وسيهانوك ديبو (عضو المجلس الرئاسي في مجلس سوريا الديمقراطية)، وكرم دولي (المنظمة الآثورية الديمقراطية)، وأدارها حسام ميرو، وصلاح الدين بلال.

حسام ميرو
نرحّب بالجميع بدايةً، نحنُ في مركز أسبار للدراسات والأبحاث بدأنا، ومنذ الشهر الماضي، بعقد ندوة شهرية لصالح مجلة ملفّات أسبار التي يُصدرها المركز شهرياً. وهذه النّدوات ستنشر في المجلة، باللغتين العربية والانكليزية، كاملةً دون أي نقصان. كما سنقوم بكتابة تقرير في حدود الصّفحتين عن النّدوة ليُسل إلى الجهات السّياسية الفاعلة، السّورية وغير السّورية، المنخرطة فعلياً في المسألة السّورية وذلك في محاولةٍ تعتمد على الشّفافية والمكاشفة منّا لتحريك المشهد السّوري مع كلّ العبء والثّقل الذي يحمله هذا المشهد، وعلى الرغم من كلّ اليأس الموجود فيه سأترك الآن الكلمة للأستاذ صلاح الدّين بلال مدير عام مركز أسبار للدّراسات والأبحاث ليقوم بالتّعريف بالمركز، وليرحّب بالسّادة الضّيوف.

صلاح الدين بلال

أرحّب بدايةً بكل الأساتذة المتواجدين معنا اليوم. في الحقيقة تمّ تأسيس مركز أسبار للدّراسات والأبحاث في العام 2014 في ألمانيا، وكان عملنا بطيئاً في الفترة الماضية لكنّه كان معقولاً، فنحن كنّا مع الأمم المتحدّة منذ انطلاقة عملية جنيف، وكان هناك تعاوناً كبيراً مع عددٍ من المراكز البحثية في عدّة دول، وأصدرنا تقارير خاصّة بالشّأن السّوري لها علاقة بخفض التّصعيد وبالعملية الدّستورية لصالح الجهات المهتمة بالمسألة السّورية.

هذه السّنة قررنا توسيع عمل المركز عن طريق النّدوات اعتقاداً منّا بضرورة النّقاش والحوار ب يْ السّوريين على اختلاف انتماءاتهم، مع التّأكيد على أهمية أن يكون هذا الحوار سورياً-سورياً، وأن تكون الدّعوة له سورية أيضاً، وبمجموعات صغيرة حتّى نصل إلى توسيع آفاق هذا الحوار. ونحن نعتقد أيضاً أنّ حالة الفراغ في الممارسة السّياسية السّورية هو أمرٌ مضرّ لعموم القضية السّورية، لذا نأمل من خلال هذه النّدوات والحوارات الوصول إلى أفضل تحليلٍ للقضايا الأساسية، مع إدراكنا أنّنا لا يمكن أن ندّعي بأنّ هذه النّدوات تشمل كلّ الطيف السّياسي السّوري.

لا أريد أخذ المزيد من الوقت إفساحاً في المجال لسماع آرائكم. أرحّب بكم مرّةً ثانية، وأشكر حضوركم.

حسام ميرو

حقيقةً انطلق المركز في توجيه الدّعوة لهذه النّدوة استناداً إلى عددٍ من النّقاط منها فشل المسار التّفاوضي بين المعارضة والنّظام، ونهاية تنظيم داعش الإرهابي، وهيمنة الاحتلالات الأجنبية على سوريا، وتراجع قدرة السّوريين على التّأثير في قضيتهم، وظهور بعض مبادرات الحلّ التي تسعى إلى إقامة نظام محاصصةٍ في سوريا. لذا قُمنا بتقسيم هذه النّدوة إلى محورين، المحور الأول يطرح الأسئلة التّالية:
• من هي المعارضة السّورية في اللّحظة الرّاهنة؟
• هل يُكن بعد مجريات السّنوات الماضية أن تلتقي الشّخصيات والقوى الوطنية والدّيمقراطية والعلمانية مع قوى الإسلام السّياسي في تكتّلات سياسية؟
• هل يُكن للمعارضة المتواجدة خارج سوريا أن تكون مؤثرة في مستقبل الحياة السّياسية السّورية؟
• كيف يُكن للسّياسيين السّوريين أنْ يستعيدوا استقلالية قرارهم بعيداً عن القوى الإقليمية والدّولية؟
سأبدأ بحسب التّرتيب الألفبائي للأسماء المشاركة في ندوتنا لأعطي الكلام للأستاذ برهان ناصيف.

برهان ناصيف
أعتقد أنّ المحاور كلّها مهمّة، وهي بحاجة إلى أكثر من ندوة، لكنّي سأركّز بدايةً على معنى النّشاط السّياسي في الحالة السّورية، فمن المعلوم أنّه في الفترة الممتدة من آذار/مارس وحتّى يوليو/ تمّوز من العام 2011 اقتحمت السّياسة المجتمع السّوري بعد مواتٍ سّياسي حقيقيّ بدأ منذ الثّمانينات، شهدنا فيه بعض الطفرات، كربيع دمشق وظهور نويّات مجتمع مدني، ثمّ في الفترة من 2005 إلى 2007 بعد اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري. لكنّ النشاط السّياسي الكبير والحقيقي بدأ مع الانتفاضة الشّعبية العظيمة في سوريا في آذار/مارس 2011 . ترافق ذلك مع آراء متباينة بشأن الانخراط في هذا النّشاط السّياسي والفعل الثّوري من قبل الفاعلين السّياسيين وقتها، والذين كانوا يعملون بالسّياسة، ويصرّحون ضدّها بسبب تبنيهم لمفاهيم شائعة وخاطئة عن دور العمل السّياسي في المجتمع، وبسبب نفورهم من رموز المعارضة السّياسية. تلك كانت الفترة الذّهبية للسّياسية في سوريا والتي انطفأت مع مجيء العسكرة، إذْ أنّه من المعروف عبر التّاريخ، وبكل التّجارب البشرية، أنّه كلّما ارتفع صوت السّلاح خبا صوت السّياسة بمعنى الفعل العام، لا بالمعنى النّخبوي الثّقافي الضّيق.

إذن فقد تراجع دور السّياسة كعملية اجتماعية عامّة بسبب العسكرة بعد تمّوز 2011 وحتّى هذه اللّحظة، وأنا أعتقد أنّه عندما تهدأ طبول الحرب تماماً، وتبدأ العملية السّياسية، ستعود السّياسة من بابها الواسع إلى المجتمع السّوري كفعل عام. دائماً هناك فعلٌ نخبوي، وهذا مهم جدّاً، لكنّ الضروري جدّاً للمجتمع هو عودة السّياسة إلى مجالها العام.

بدءاً من يوليو/ تمّوز 2011 ، ومع ظهور العسكرة، تخوّف بعض السّاسة السّوريين من أن تستلزم هذه العسكرة بالضرورة أموالاً وسلاحاً، والأموال والسّلاح لا يمكن توفيرهما بغياب برجوازية وطنية سورية حاملة لمشروع التّغيير الوطني السّياسي، وكان لا بدّ من اللجوء إلى الخارج، خصوصاً دول الإقليم، وهذا ما حصل.

ارتبطت المعارضة، ومنذ بدء العسكرة، بالدّول الإقليمية، ممّ أدّى إلى فقدان استقلالية القرار، ومن المفيد التّذكير هنا بتجربة منظمة التحرير الفلسطينية في هذا الخصوص، وهذا الارتباط بقطر والسّعودية وتركيا كان أكثر من جلٍّ، وخصوصاً عندما تحوّل الشّكل المعارض كلياً إلى شكلٍ عسكري وخرجت معظم مناطق سوريا عن سيطرة النّظام، وأصبح للبندقية الكلمة الأولى والحاسمة، وأصبحت بالضرورة تابعة لأجنداتٍ خارجية.

السّؤال الآن، هل يمكن استعادة القرار؟

برأيي نعم، وهذا له علاقة بالفعل السّياسي وتوقّف الحرب. وهل المعارضة الخارجية فعّالة؟ أيضاً، وبرأيي، تستطيع أن تكون سياسياً ديمقراطياً وطنياً وتخدمَ برنامجاً وطنياً ديمقراطياً حتّى لو كنت خارج سوريا، في أوروبا أو تركيا أو الخليج. نستطيع أن نكونَ فاعلين من دون الحاجة إلى الارتباط بأجندة إقليمية ودولية، على أن تكون أشكال التحالفات التي نقوم بها لها علاقة ببرنامجنا السّياسي المستقل، غير المفروض من أحد، الذي نسعى لتوظيفه وخدمته. أمّا إذا كان الموضوع عسكرياً فلن نكون أحراراً.

هل هناك إمكانية للعلاقة مع الإسلام السّياسي؟ هذا سؤال وجيه ومعقّد وذو شجون، ولكن مبدئياً يمكن أن أوجز بنقطتين، في بداية الثّورة السّورية حاول الإسلاميون إعطاء الثورة ملمحاً إسلامياً منذ اليوم الأول، لم تكن ظاهرة بشكلها الفاقع، ولم يحمل النّشطاء الإسلاميون برنامجاً إسلامياً واضحاً إلاّ عندما تعسكرت الثّورة، ومن ثمّ تطيفت، وبالتالي انقسمت بالشّكل الذي نراها عليه اليوم.

كان الإسلام السياسي خائفاً من الثّورة بدايةً، ويخشى من ألا يستطيع السّيطرة عليها، وكان مضطراً في المجلس الوطني للتعاطي مع الدّيمقراطيين بقليلٍ من الودّ، وكان واجب الدّيمقراطيين العلمانيين وقتها مساعدة القوّة الأكثر تنظيماً من الإسلام السّياسي السّوري، وأقصد الإخوان المسلمين، على الاقتراب أكثر من الوطنية السّورية، بدلاً من مقولات البرنامج الإسلامي، كالأمّة الإسلامية، وبالتالي تفتيت المجتمع السّوري على أساسٍ دينيّ وطائفيّ. هل هذا ممكن الآن؟ أعتقد لا، الذي كان ممكناً في وقته على قاعدة أنّ المرحلة تفرض تحالفات سياسية من نوعٍ ما لم يعد ممكناً. لماذا؟ لأنّ الحلّ الدّولي، والذي تُحركه الآن الولايات المتحدّة الأمريكية، عارض
بشدّة أيّ دستورٍ إسلاميّ، بل وأيّ دور للإسلاميين في مستقبل سوريا. أضف إلى ذلك أنّ الإخوان المسلمين لم يتقدّموا باتجاهٍ ديمقراطيّ وطنيّ، بالعكس، هم التصقوا أكثر بجبهة النّصرة كما نشاهد الآن من تبعية لفيلق الرّحمن بهيئة تحرير الشّام في إدلب وريف حلب. إذن هم يرفضون التّزحزح ولو إلى مقاربة العقلية السّياسية لحليفهم الأقرب، حزب العدالة والتّنمية في تركيا. وللأسف، الصّوت الآن هو للأشدّ تطرّفاً في جانب الإسلام السّياسي.

يجب الآن تصويب سهام النّقد للإسلام السّياسي، وحتى التّجريح، ويجب أن تكون المعركة السّياسية مفتوحة معهم، ذلك أنّ الإسلام السّياسي كان سبباً للكوارث التي أصابت الثّورة السّورية، وكان أحد أسباب ظهور “داعش” والحالات المتطرفة في سوريا. وأعتقد، ومن حيث المبدأ، أنّه لا يمكن التّعاطي معهم بالتكتيك السّياسي.

حسام ميرو
شكراً أستاذ برهان، هناك نقطة أتمنّى أن نتطرّق إليها ولو سريعاً، من هي المعارضة السورية في اللحظة الراهنة؟ هل يمكن أن نستخلص من هذه النّدوة من هي المعارضة السّورية فعليّاً؟ فالنّظام موجود، وبنيته العميقة موجودة، وهياكل المؤسّسات العسكرية والأمنية الحاكمة موجودة. بينما قوى المعارضة التي كان لها دور ما في مرحلة معيّنة كالمجلس الوطني، أو الائتلاف، أو هيئة التفاوض، أضحت كلّها في حالة فشل.

برهان ناصيف
أعتقد أن كلّ الأطراف السّياسية في الحالة السّورية، وعلى رأسها الإسلام السّياسي، والتي تطالب بتغيير النّظام هي معارضة. هناك الائتلاف، والهيئة العليا للتفاوض، وهيئة التنسيق الوطنية. وهناك مجموعة القوى الدّيمقراطية التي لا تنتمي إلى الائتلاف، أو إلى هيئة التّنسيق، كتيّار مواطنة الذي أنشط أنا من خلاله. هذه كلّها معارضات سياسية حقيقيّة حتّى لو اختلفت آلية التّفكير والسّلوك السّياسي، بما فيها تيّار قمح الذي يتزعمه الأستاذ هيثم مناع مثلاً. حتّى لؤي حسين هو من المعارضة. ولكن هذا له علاقة بالسّقوف، وإذا أردنا التّحديد أكثر علينا أن نبدأ بتحديد السقوف.

حسام ميرو
شكراً لك استاذ برهان على الإجابة. كتب فريدريك أنجلز، يصف المعارضة الألمانية، بما معناه أنّ المعارضة في حال فشل الثورة تنشغل ببعضها البعض إلى أن يصبح همّها الوحيد هو تصيّد أخطاء الآخرين فتنسى الهدف الرئيس”. ربّا كان هذا الكلام هو أحد المحفّزات لنا كي نعود اليوم لتفكيك معرفي سياسي إن صحّ التّعبير. سأنتقل الآن إلى الأستاذ راتب شعبو.

راتب شعبو
شكراً أستاذ حسام، سأحاول أن ألتزم بالتّرتيب الذي عرضته حضرتك:

من هي المعارضة السّورية؟ إنّ الكلام عن مفهوم المعارضة يحتاجُ إلى مراجعة في الشّأن السّوري. التّركيبة السّياسية في المجتمع مشغولٌ عليها، بحيث أن لا محل للمعارضة فيها، وبالتّالي مطلوبٌ من المعارضة الرّضوخ لما تقسمه لها السّلطة السّياسية، أو التّحوّل إلى عداءٍ تام والدّخول في صراع نفي متبادل، وليس صراع معارضة وموالاة. ربّا كان الدّخول في هذا المدخل يُبعدنا قليلاً عن موضوع السؤال، لكن أقول أنّ هناك مؤسّسات معارضة موجودة، وهذه المؤسّسات بالضرورة تخضع إلى توازنات القوى الدّولية ولا قوّة لها خارج هذا الميزان. قوّة هيئة التّفاوض، أو الائتلاف، تنبع من قوّة الدّول التي ترسم لها دوراً في المعضلة السّورية الراهنة. وخارج ذلك
لا قوة شعبية لها، ولا امتدادٌ داخلي في اللّحظة الراهنة، أعتقد أن هناك معارضات موجودة. لدينا المعارضة الرّسمية التي تعمل في ظلّ موازين القوى الموجودة، وهي تحاول أن تعمل في السّياسة، وهي منخرطة في العملية التّفاوضية وتسعى لنوعٍ من المحاصصة، هذه من المعارضة. دون أن ندخل الآن في أبعد من ذلك.

هناك معارضة عسكرية، وهي بوضوح معارضة إسلامية جهادية، وتدخل في إطار المعارضة لأنه لا يوجد مفهوم آخر يصفها، وهي حقيقةً أقرب إلى العداء-النّفي أكثر مما هو عداء اجتماعي يمكن أن تستوعبه فكرة المعارضة، لكنّها موجودة وتعارض النّظام عسكرياً، وبالتالي هي معارضة. هناك معارضة في الدّاخل، هناك عددٌ لا بأس به من السّوريين، سواء كانوا مؤطرين أم غير مؤطرين، معارضون للنّظام ربّا أكثر جذريةً ممّ نعارضه نحن. وهي موجودة وتقع تحت ضغطٍ هائل إلى درجة تغيب فيها ملامحها وتتشوه بفعل الضّغط الأمنيّ الفظيع في الدّاخل، وأيضاً الضغط المعاشي الذي يُحيل الإنسان إلى كائنٍ لا سياسيّ، إلى مجرّد كائنٍ بيولوجي. وهناك معارضة الخارج التي لا تعترف بالمؤسّسات الموجودة للمعارضة، ولا تعترف بالمعارضة العسكرية الإسلامية، وهناك عشرات المجموعات التي تسعى إلى أن يكون لها حضور في المعارضة السورية. إذن هناك معارضات، هذه إجابة، وأود أن أضيف نقطة أخرى، وهي أن المعارضات الموجودة تقسم إلى قسمين، القسم الأول هو معارضة تشتغل في السّياسة المتاحة الآن، وهي سياسة ضيّقة للغاية ضمن هامشٍ لا يكاد يتّسع لمعارضة جدّية، لكنّها مضطرة للعمل ضمن هذا الهامش. وهناك معارضة أخرى أدعوها معارضة غير رسمية، تحاول أن تُعبّ عن ضمير السّوريين، وعن ضمير الثّورة السّورية، وهي لذلك مُقصاة من العملية السّياسية التي تجري الآن، وهي لا تريد الدّخول في هذه العملية، لأنّ دخولها الآن يُخرجها من تعريفها الخاصّ كمعارضة ضمير، وهي تنتمي للحقّ السّوري، ولا تنتمي إلى ميزان القوى، سواء الإقليمي أو الخارجي أو حتّى الدّاخلي. هناك ضمير سوري مسحوق، وحقّ سوري مهدور، وهذه المجموعات تحاول أن تُعبّ عن هذا الضّمير، وعن هذا الحقّ، بمعزلٍ عن توازن القوى، وهي لذلك من وجهة نظري، النّبتة التي لها المستقبل، ويجب أن تحظى بالرعاية والعناية، بعيداً عمّ يجري حاليّاً.

الآن بالنسبة لموضوع الإسلام السّياسي، مشكلة الإسلام السّياسي تُشبه مشكلة الشيوعيين سابقاً إذا اعتبرنا أنّ الشيوعية كانت تُثّل ديناً دنيوياً، مع فارق أنّ الشّيوعيين يكتشفون أخطائهم، وبالتالي هم قادرين على مراجعة أنفسهم، وقابلين للزّوال. الإسلام السّياسي يمثّل ديناً إلهياً عاجزاً عن رؤية قصوره، وهو بالتالي عاجز عن مراجعة نفسه، ولا يرى في أحد طيفاً دائماً. لماذا؟ لأنّه يسعى إلى شيء لا يمثّله سوى هو. سمّه ما تشاء: دولة إسلامية، حاكميّة إلهيّة. إلخ، شيء يُشبه فكرة ديكتاتورية البروليتاريا عند الشّيوعيين والمجتمع الشّيوعي. كلّ النّاس هم حلفاء على الطريق إلى أن يتمّ التخلّص منهم في اتجاه الهدف الذي لا يخلص له سوى الشيوعيين. لذلك من وجهة نظري، يُكن التّحالف مع الإسلام السّياسي عندما ندرك هذا البعد. ثانياً، علينا أن نكون أقوياء بأنفسنا لأنّ الإسلام السّياسي، وبالتجربة، عندما يقوى ينقلب على جميع حلفائه، وينقلب بأشرس ما يمكن، ولنا فيما جرى في الثّورة الإيرانية خيرُ مثال، والأمثلة كثيرة بطبيعة الحال.

المعارضة الموجودة خارج سوريا يمكن أن تكون مؤثّرة لا شك، ولكن إذا استطاعت أن تكون امتداداً للدّاخل، هل يمكن أن نجسر هذا الفراغ بين الدّاخل والخارج؟ هذه قضية ليست سهلة، سيما أنّه بالفعل هناك ما يشبه الجرح السّوري بعيداً عن الموالاة والمعارضة، هذا جرح آخر بين الخارج والدّاخل، لدى الداخل جرحاً بسبب من خرج من سوريا، لأنه خرج من دائرة المعاناة التي يعيشها من في الدّاخل. هناك خطّ انقسام بين الدّاخل والخارج، لذا على معارضة الخارج أن يشبّكوا مع من هم في الداخل، وإلاّ ستصبح المعارضة الخارجية قليلة
الجدوى، وغريبة عن المجتمع الذي تسعى للتأثير فيه.

كيف يًكن للسّياسيين أن يستعيدوا استقلالية قرارهم بعيداً عن القوى الإقليمية؟ برأيي فقط عليهم أن يُقرّروا استعادة استقلاليتهم، فبمجرّد أن يقرّروا بأنفسهم أنّهم أشخاصاً مستقلين فسيكونون قادرين. هذا لا يعني أنّه يجب عليهم قطع علاقاتهم بأحد، ولكن ألاّ يكونوا مرتهنين لأحد. هناك حادثة مؤثّرة ومحزنة أذكرها دائماً، ففي لقاء مع أوّل رئيس للمجلس الوطني السّوري، الدكتور برهان غليون، وحين كانت الثّورة السّورية في أوجها، وحين كان الأمل كبيراً، وكان الحراك يهزّ أركان النّظام فعلياً، وكان الرّأي العام كلّه مع الثّورة، تحدّث هذا الرّجل عن وزير الخارجية السّعودي كرجل أسطوريّ، وحين سألته عن الميزات التي تجعل سعود الفيصل رجلاً أسطورياً، أجاب بأنّنا لم ندخل مرّةً إلى لقاءٍ أو اجتماعٍ كان يتواجد فيه سعود الفيصل إلاّ ونهض، وأجلسني إلى جانبه! هذا الشّعور بالصّغر هو ما يجرّ إلى الارتهان. فبرهان غليون وقتها كان يُثّل ثورة شعب ومن المفترض أنّه أهم من هذا
الشّخص بمئات المرّات، وبالتالي عندما يُقرّر السّياسي السّوري أن يكون مستقلاً سيكون كذلك.

حسام ميرو
شكراً أستاذ راتب على هذا التّوصيف والتّحليل، في الحقيقة ألاحظ أنّنا بحاجة في قادم الأيام إلى الدّخول أكثر في المستوى المفاهيمي، فمن المعلوم أنّ المفاهيم هي حدود في نهاية المطاف، وعندما نقوم بتوصيف المعارضة اليوم فنحن نُضمّن المعارضة السّياسية، والمعارضة الجهادية. الخ، وهذا ما قد يكون بحاجة إلى المراجعة كمفهوم، هل المعارضة هي مجرّد معارضة نظام سياسيّ أم أنّ المعارضة هي معارضة جوهر النّظام السّياسي، وما يقوم عليه. وبالتالي يجب وضع بعض المحدّدات القابلة للقياس، والتي يُكن أن نبني على أساسها وصفاً أفضل للمعارضة، خصوصاً إذا أردنا الحديث عن معارضة وطنية-ديمقراطية تحمل مشروعاً حداثياً ومستقبلياً لسوريا يتناقض مع جوهر كلّ المرحلة الماضية. سأنتقل الآن للأستاذ سيهانوك ديبو.

سيهانوك ديبو
يُسعدني أن أكون مع سوريين أخوة وأصدقاء ورفاق درب، وأشكر مركز أسبار على الجهد الذي يبذله، ولي الشّرف أن أكون ضيفه للمرّة الثّانية.

النّقاط الأربع التي تمّ طرحها من قبل المركز هي نقاط أساسية، سأحاول أن أكون أكثر شفافيةً، وأجاوب بشكل واضحٍ عليها.

ما هي المعارضة السّورية في المرحلة الرّاهنة؟ إذا ما رجعنا إلى السّنوات الماضية نرى أنّ أحد أسباب الأزمة من ناحيتها الفكرية هو تقسيم المعارضة إلى معارضة داخلية ومعارضة خارجية. أعتقد أنّ هذا التّصنيف كان مبالغاً فيه، إلى درجة أحدثت شروخاً كثيرة، وأنا أرى أنّ كلّ القوى، والأحزاب، والشّخصيات المعارضة السّورية تُثّل اليوم المعارضة السّورية، ولا يلزمنا أن نتناول هذه الحالة بشكلٍ تناحريّ، أو تقوقعيّ، أو تجزيئيّ. ما يلزم هو محاولة لملمة هذه المعارضة ضمن إعادة إنتاج مشروعنا الوطني الدّيمقراطي العلمانيّ لينطبق عليه تعريف ومفهوم المعارضة. هذا يقودني للسؤال الثّالث، والذي يمكن إدماجه هنا، فأنا أعتقد أنّ ليس كلّ من في الدّاخل يصلح ليقود المعارضة، ولا كلّ من في الخارج مرتهناً، والعكس بالعكس أيضاً. إنّ الجغرافيا، خصوصاً في هذه الظروف الاستثنائية، لا تبدو حاسمة وفعّالة في الوصول للنتيجة التي نبتغيها.

بالنسبة للقوى الإسلامية الجهادية، فأنا أتفق مع الأستاذ والصديق راتب شعبو في أنّ الأيديولوجيا المغلقة لا تخدم حتّى من يعتنقها، وهذا ما يف سّ الانزياحات التي تحدث لليسار الشّيوعي لدرجة التي تمّ وصف بعض اليسار بأنّه “يسار النّصرة”. لكن هذا لا ينفي وجود شخصيات وكتل إسلامية متنورة تنتمي للفعل الحضاري للإسلام، وهذه الشخصيات يجب أن تتبوأ مراكز قيادية في المعارضة.

بالنّسبة للشقّ الأخير حول استعادة استقلالية القرار السّياسي، أعتقد دائماً، وحتّى في هذه الظّروف الحالكة التي تمرّ بها سوريا، وكلّ منطقة الشّرق الأوسط، وحتّى العالم، فإنّنا نكون منصفين حين نقول بأنّ السّوريين عموماً لا يمتلكون استقلالية القرار، ولكن هذا لا يعني بأنّهم فاقدي الإرادة ومسلوبي القرار. لا، فأنا لا أميل إلى الحسم في هذه المسألة، وكواقعية سياسية اجتماعية من الممكن إيجاد مخارج حقيقة عن طريق الحوار البنّاء والرؤية العقلانية، بعيداً عن الأحكام المسبقة التي لم تفد أحداً بقدر ما أفادت منظومة الاستبداد الحاكمة، والتي نجحت في إظهار الحراك الثّوري المحقّ في سوريا بأنه ليس أكثر من ثلّة من المتآمرين الإرهابيين، وما إلى هنالك من هذا الخطاب المتهالك المتهافت.

يلزم بعض الخطوات، فنحن في مجلس سوريا الدّيمقراطية (مسد) لم ندّعي لحظة، ولا يحقّ لنا أن ندّعي، أنّنا نمثّل السّوريين. بالعكس تماماً، نحن نخشى من الوقوع في فخّ التّمثيل الذي وقع فيه غيرنا، كالائتلاف والمجلس الوطني، ويقع فيه حتّى هذه اللّحظة النّظام السّوري الذي يدّعي أنّه الممثّل الحقيقيّ الوحيد للشّعب السّوري بجميع مكوناته، ودعونا إلى الحوار السّوري-السّوري، وعقدنا حتّى الآن ثلاثة لقاءات، وكان السيّد صلاح الدين بلال، مدير مركز أسبار، ضيفاً عزيزاً في حوار كوباني الذي عُقد في 28 – 27 آذار/مارس 2019 . ونحن نحاول من خلال هذه اللقاءات تدوير الزوايا وحلحلة الاختلافات بين مختلف السّوريين، مثلاً، ما هو الدّستور المطلوب لسوريا؟، أو كيف يمكن أن تُدار العملية الانتقالية؟ هذه القضايا إذا ما تمّ خوضها بمسؤولية، وبإحساسٍ وطنيّ سوريّ، أعتقد أنّها ستكون إجابةً كافية على المحاور الثلاثي: استعادة القرار السّيادي، وبروز تكتّل للمعارضة السّورية يحمل أجندة وطنية سورية، بالإضافة إلى جذب شخصيات إسلامية متنورة إلى هذا التكتّل. هذا ما أردت قوله بإيجاز، وشفافية. لكم التحية مجدّداً.

حسام ميرو
شكراً أستاذ سيهانوك، سأنتقل الآن للأستاذ كرم دولي.

كرم دولي
شكراً للزملاء في مركز أسبار الأستاذ صلاح والأستاذ حسام، وتحية للأصدقاء المشاركين.

في الحقيقة سبق لي وأن عبّت بأنّ هذه الأسئلة، ورغم صعوبتها، إلاّ أنّها أسئلة مفتاحية، والإجابات عليها يمكن أن تحدّد الملامح لإيجاد ضوءٍ ما في آخر هذا النّفق.

حول من هي المعارضة السّورية في اللحظة الرّاهنة؟ أنا أتفق مع الأستاذ حسام بأنّ تعبير المعارضة يحتاج إلى تحديد الدّلالة، فهو من حيث المعنى يشمل جميع من يعارض النّظام السّوري الحالي، قولاً أو فعلاً أو إيماناً، سياسةً أو سلاحاً أو جهاداً، صاحب مشروعٍ ايديولوجيّ خاصّ، أو صاحب مشروعٍ يمسح السّاحة الوطنية، أو للأسف، يُعبّ عن حالة عدائية انتقامية في بعدها الاجتماعي الأهلي، والتي تنتمي إلى مفردات الحرب الأهلية، كلّ هذا الطيف، وكلّ هذه المروحة تُثل السّوريين الذين يمكن أن نُطلق عليهم اليوم وصف المعارضة.

في مستوى آخر، المعارضة السّياسية السّورية الرّسمية، أو ما يمكن تسميته بالنّادي الدّولي للمعارضة السّورية، يتمثّل اليوم في هيئة التّفاوض التي أخذت شرعيتها، وتشكلّت في السّعودية، بتكليفٍ من المطبخ الدّولي وفق القرار 2254 . وفي هذا السّياق هناك تحديد ملامح شبه واضحة، بغضّ النّظر عن مكان وشكل تموضعها، وحتّى شكل أدائها، وسقوف إمكانياتها.

لذلك أرى أنّه حتّى يكون السّؤال منتجاً أكثر، يجب أن يكون: كيف يمكن أن تنشأ معارضة بكتلة وازنة قادرة أن تحمل مشروعاً وطنياً سورياً؟ هذا يحتاج ربّا إلى ندوة خاصّة قد نستطيع من خلالها تلمّس ملامح هذا المشروع الذي أشار إليه الأستاذ راتب شعبو.

هل يمكن بعد مجريات السّنوات الماضية أن تلتقي الشّخصيات والقوى الوطنية العلمانية مع قوى الإسلام السّياسي في تكتّلات سياسية؟ بدايةً، من المؤكّد أنّ الإسلام السّياسي ليس كتلةً واحدة، هو أيضاً يحوي مروحة متدرجة من الطيف السّياسي. وفي السّياق السّياسي، وباعتبار أنّه على السّياسي أن يهتم
بالواقع بكلّ ما فيه، فالجواب على السّؤال المطروح هو نعم، نعم يمكن اللقاء بكلّ تأكيد مع قوى الإسلام السّياسي، ولكن بحسب سياق التكتّل، وبحسب اللّحظة السّياسية، وحسب المهام السّياسية المنوطة من هكذا لقاء، فمن المتوقع أن يكون هناك لونان بارزان في المستقبل القريب للفضاء السّياسي السّوري، الأول تكتلات سياسية ديمقراطية-علمانية بالمعنى الواسع. والثاني هو قوى عمودها الفقري الإسلام السّياسي
الذي يجب أن نقرّ ونعترف بأنّ له كموناً داخلياً، وقياداته مرتبطة بالدّين، وبالله، وانتظامه السّياسي الاجتماعي سهلٌ وقادرٌ على التّشكل والتجمّع، ولديه نصوص جاهزة، إذن، هو موجود، وله حيّز مجتمعي يتفاوت بين لحظة وأُخرى، وبالتّالي لا يُكن تجاهله.

إنّ معطيات اللحظة الرّاهنة هي لحظةٌ إيجابية، خصوصاً بعد خفوت الصّراع المسلّح، وضبط التسلّح بإرادات إقليمية ودولية. إضافةً إلى أنّ كلّ النّصوص التي ظهرت في القرارات الدّولية تُشير إلى مفاهيم تتناقض مع مفاهيم الإسلام السّياسي، مع اعترافنا بأنّ النّصوص لم تكن دائماً هي المانع أمام الإسلام السّياسي، فمثلاً كان النّص المؤسّس للائتلاف المعارض جيداً، وربّا لا يختلف عن أي نصّ يمكن أن تكتبه أيّ قوة ديمقراطية، ولكنّ الإشكالية كانت في تعاطي هذه القوى مع اللحظة السّياسية الراهنة، ومع محصلة توازنات وصراعات القوى المتدخلّة في الشّأن السّوري، ومكان كل كتلة سياسية فيه.

بالنسبة للمعارضة السّياسية المتواجدة خارج سوريا، بالتأكيد هي قادرة على لعب دورٍ فعّال شرط توافر أمرين، الأول هو التجمّع حول مهام وطنية قادرة على تحشيد سوريين، من أفراد، ومنظّمات، وتكنوقراط، للاستفادة من طاقاتهم. ولكن الأهم هو العمق في الدّاخل. المعارضة الموجودة في الدّاخل، وبكلّ المسمّيات التي تُطرح عليها، هي الأرض الخصبة التي يجب أن تصبّ فيها كلّ الجهود، والمطلوب من كلّ السّوريين في الدّاخل، الذين يحملون مشروعاً حداثياً تنويرياً في سوريا، أن يصمدوا، أو على الأقل عدم تغيير سرديتهم حول هذا النّظام. بالتّأكيد هؤلاء موجودون، ولكنّنا نحتاج إلى إرادة، وفعل، وأساليب، وأدوات خلاّقة لتحقيق التّفاعل معهم.

كيف يمكن للسّوريين أن يستعيدوا استقلالية قرارهم؟ بعيداً عن التّنظير فإنّ مسألة استقلالية القرار هي رغبة، وطموح، وحالة قيمية. ولكن، وفي نفس الوقت، وفيما هو سياسيّ، وفيما هو نسبيّ، وفيما هو ممكن، أي فيما يدخل في زيادة هامش التّحرك، وهو للأسف يضطّر السّياسيين إلى التعامل مع هذا الواقع السّياسي الموجود، والواقع السّياسي الحالي في سوريا مقسّم إلى ثلاثة عوالم تُدار من قبل قوى إقليمية ودولية بوكلاء سوريين، تتقاطع المصالح هنا أو هناك، وهذا الواقع لا يبدو أنّه سيتغير كثيراً إذ أنّ حتميات التّوجهات، وطبيعة المصالح الخارجية بدلالة سوريا، تطغى على مصالح السّوريين. ولكن، وبالتأكيد، عندما نتحدث عن سياسة وسياسيين، فإنّنا نتحدّث عن أنّ الذي لم يُنجزْ اليوم بفعل، يُكن أن ينجزَ غداً بجهدٍ مضاعف يترافق مع وضوح في الرّؤية، والإيمان بالتّغيير والعمل المتواصل، وأن لا حدودَ لهذا العمل. وعلى السّوريين أن يمتلكوا بالدرجة الأولى القدرة على رفع الحساسية الوطنية إلى مصاف المصالح الإقليمية، على الأقل في المرحلة الأولى.

حسام ميرو
شكراً أستاذ كرم. إذا ما أردنا تلخيص وقائع ومجريات القسم الأوّل من النّدوة فإنّني أعتقد أنّنا بحاجة إلى طرح مسألة المفاهيم، كما أنّ هناك إشارةً واضحة وقوية إلى مشكلة الإسلام السّياسي في سوريا، وإلى أهمية أن يكون هناك إعادة بناء جديدة لمفاهيم الإسلام السّياسي إذا كان يرغب في أن يلعب دوراً في مستقبل الحياة السّياسية في سوريا، بالرغم من أنّ اتجاه البعدين الإقليمي والدّولي ليسا في هذا الاتجاه.

سننتقل الآن إلى المحور الثّاني من النّدوة والذي سيديره الأستاذ صلاح الدّين بلال.

صلاح الدّين بلال
أرحب بكم مرّة ثانية. سندخل الآن إلى القسم الثّاني الذي يتمحور حول ثلاثة بنود:
• هل هناك جدوى للكيانات السّياسية الواسعة، أم أنّ ثمّة ضرورة لبلورة أحزابٍ سياسة؟
• هل يمكن تجاوز الانقسامات السّياسية بين الدّاخل والخارج؟
• ما الخطوات، وما هو ترتيب الأولويات لإحداث تغيير سياسيّ مؤثّر في الأوضاع الرّاهنة؟
• هذه أسئلة يطرحها الجميع، ونحن سنحاول البحث عن مخارج لوضع مفاهيم يتّفق عليها المتداخلون هنا، وأغلب المشتغلين في الشّأن السّياسي السّوري.

أترك الكلمة للأستاذ برهان ناصيف.

برهان ناصيف
إنّ الأسئلة المطروحة مهمة جدّاً. أعتقد أنّه من أساسيات العمل السّياسي التّنظيمي أن يكون هناك توزيع لأعضاء التّنظيم بين الدّاخل والخارج، إذ من غير المعقول في ظلّ حالة الشّتات هذه أن يكون أعضاء التّنظيم إمّا في الدّاخل فقط، أو في الخارج فقط. لذا أعتقد أنّ التمييز بين الدّاخل والخارج يفقد حساسيته ضمن هذا المعنى، وكان من الممكن لهذا التّقسيم أن يكون دقيقاً لو كانت كلّ المعارضة الدّيمقراطية في الخارج، وكل المعارضة الإسلامية في الدّاخل، أو بالعكس. ولكن الواقع غير ذلك، فالجميع لديه كوادر في الدّاخل والخارج، كما أنّ كثير من منظّمات المجتمع المدني تنشط في الدّاخل أيضاً.

إنّ ممكنات العمل في مناطق سيطرة النّظام صعبة جداً، ولكنّها غير مستحيلة، ففي الفترة التي انشغل فيها النّظام بعملياته العسكرية واستعادة الأراضي التي خرجت عن سيطرته كان هناك حراك سياسيّ سرّي قائم، وكانت بعض منظّمات المجتمع المدنيّ تعمل بحرية نسبية لم تكن موجودة قبل الثّورة، وهذا ناتج عن انشغال النّظام بما هو أهم بالنسبة له. وإذا أقرّينا أنّ أعضاء التّنظيمات السّياسية يتوزعون داخل وخارج سوريا، فيُفترض أن تكون فعالية من هم بالخارج أكبر بكثير ممن هم من في الدّاخل لثلاثة أسباب، الأوّل هو وضعهم المعاشي مؤمّن. والثّاني، هو إمكانية التّواصل مع كلّ القوى والشّخصيات السّياسية. والثّالث، هو أنّ تهديد أمنهم الشّخصي يكاد لا يُذكر مع من هم في الدّاخل. لذا يجب على الأحزاب والقوى السّياسية السّورية، خصوصاً الدّيمقراطية منها، أن تعمل على تمكين وتفعيل أعضائها المتواجدين في الخارج لإتاحة المجال للقاءات، والتواصل بين القوى والتّنظيمات السّياسية لإيجاد مشتركات وطنية للمرحلتين الرّاهنة والمقبلة.

في السّياق السّياسي للثّورة السورية، حاولت القوى والتّنظيمات الدّيمقراطية التبرّؤ من الهزيمة العسكرية النّكراء التي حلّت بالثّورة السّورية، بالقوى العسكرية أوّلاً، والسّياسية ثانياً. لماذا نقول هذا الكلام، لأنّ هذه القوى كانت فعلاً خارج الفعل العسكري أساساً، وحاولت أن تؤثّر سياسياً، ولكنّ الفعل السّياسي المجرّد من الأنياب والأظافر لا يستطيع أن يكون مؤثّراً، هذا هو واقع الحال. إذن هي بريئة لأنّها لم تكن فاعلة، ولكنّها غير بريئة من حيث سكوتها عن أخطاء المعارضة العسكرية، وعن أخطائها هي نفسها، وأنا لا أريد أن أتكلّم عن أخطاء الإسلام السّياسي لأنّ هذا شأنه، لكنّني معني بالمعارضة الدّيمقراطية-العلمانية والتي حتّى الآن لم تستطع إيجاد نقط أساسية جوهرية ثابتة ترتكز عليها في سياساتها، وهذه كارثة. أعتقد أنّ الانتهازية السّياسة لعبت الدّور الكبير في تشتيت هذه القوى، والصّديق سيهانوك منذ قليل تحدّث عن مجلس سوريا الدّيمقراطية (مسد) في شمال شرق سوريا، والذي لا أستطيع أن أُدرجه في خانة المعارضة لسببين، الأوّل هو أنّ برنامجه، ومنذ بداية الثّورة وحتّى الآن، كان خاصّاً بمناطق سيطرته ولم يشمل كامل الجغرافيا السّورية، أي أنّه لم يكن وطنيّاً. والسّبب الثّاني هو علاقته غير السّوية بالمعارضة السّورية. يجب أن نراجع كلّ السّياسات التي قامت عليها التّحالفات والائتلافات، ويجب أن نقوم، كمعارضة ديمقراطية، بعملية النّقد الذّاتي لأنفسنا، فنحن حتّى الآن لم نعالج الموضوع الكرديّ من منظور وطنّي-ديمقراطيّ.

صلاح الدّين بلال
لو سمحت أستاذ برهان، أنا فعلاً بحاجة لمعرفة جوابك عن سؤال حول جدوى الكيانات الائتلافية الواسعة، أم أنّ ثمّة ضرورة لبلورة أحزاب سياسية؟

برهان ناصيف
أعتقد أنّني جاوبت على هذا السّؤال أستاذ صلاح، لكنّي سأحاول الإجابة بطريقة أُخرى. التّحالفات والائتلافات هي آلية تجميعية ممتازة، ولا نريد اختراع العجلة من جديد. هناك على الأقلّ سبع حالات جيدة من القوى الدّيمقراطية، لكنّها في الحقيقة نسخ متطابقة عن بعضها، لدرجة أنك ترى بعض الكوادر في أكثر من جهة، وهذا برأيي له علاقة بقلّة العمل السّياسي، وقلّة الحيلة السّياسية. ولو أنّ هناك قوّة سياسية مركزية تستطيع أن تستقطب النّاس للعمل السّياسي لم نكن لنجد هذه النسخ. ونحن نجد أنّ العلاقة الشّخصية بين الأفراد ضمن هذه التّنظيمات طاغية على العلاقة السّياسية. ولكن برأيي أنّ كلّ هذه المشاكل ستُحلّ بمجرّد أن تبدأ العملية
السّياسية في سوريا، ووقتها سينشأ تنظيم، أو تحالف يتمكن من استقطاب البقية.

صلاح الدّين بلال
أشكرك أستاذ برهان على المداخلة والتّوضيح، وأنتقل الآن للأستاذ راتب شعبو.

راتب شعبو
شكراً أستاذ صلاح. بالنّسبة للسّؤال الأوّل، وبعكس ما تضمر كلمة (ما زالت) في صيغة السّؤال، فإنّني أعتقد أنّ جدوى الكيانات والائتلافية تزداد، وأرى أنّ مستقبل التّغيير لها، فالحزب السّياسي خارج الكيانات والائتلافات هو حزب قليل التّأثير، وإذا كان فعّالاً فهو فعّالٌ بطريقة مستبدة غير مجدية. أنا ميّال للكيانات الائتلافية بعلاقات تنظيمية غير متشدّدة إذا كنّا بناءً ديمقراطياً منفتحاً، مع التّركيز على المستوى السّياسي بمعنى الوعي، ووضوح الهدف، ومعرفة الفروق، ومعرفة نقاط القوّة والضّعف.

السّؤال الثّاني، هل يمكن تجاوز الانقسامات السّياسية بين الدّاخل والخارج؟ لا شكّ أنه ممكن. لكنني أختلف مع برهان في هذه النقطة، وهو متفائل أكثر منّي على ما يبدو. أنا إحساسي أنّ هناك هوّة بين الدّاخل والخارج، وهذه الهوّة ليس من السّهل جسرها ما لم تتمكّن قوّة ما من اختراق الدّاخل بشكل سياسي جدّي، بما يُشبه الاختراق الذي أحدثته حركة فتح في الدّاخل الفلسطيني، كلّ القوى الفلسطينية الخارجية لم يكن لها تأثير عندما اندلعت الانتفاضة الفلسطينية، وحدها فتح من حقّق هذا الاختراق، ووحدها من استطاع جسر الهوّة بين الدّاخل والخارج الفلسطينيين، وهذه نقطة تُحسب لها. لا أجد الآن في المعارضات السورية من يستطيع تحقيق هذا الاختراق، ولكن يجب تجاوز الانقسامات، فحقيقةً هناك انقسام نرجو أن تتمكن قوة ما من تجاوزه.

بالنسبة للسّؤال الثّالث، ما الخطوات، وما هو ترتيب الأولويات لإحداث تغيير سياسيّ مؤثّر في الأوضاع الرّاهنة؟ هذا سؤال الأسئلة في الواقع، ومن وجهة نظري، لا يوجد تقدّمٌ جدّي سريع، لكنّ الخطوات التي يجب التّركيز عليها هي الابتعاد عن السّياسة. قد لا يكون هذا الطّرح مقبولاً لأوّل وهلة، ولكنّني سأحاول توضيحه؛ أنا أعني الابتعاد عن وضع السّلطة السّياسية كهدف كما تعلمنا وتربينا، وكما هو واقع الحال. فكلّ الأحزاب تريد السّلطة السّياسية، وكلّ الأحزاب لا تملك الوصفة لحلّ المشكلات الاجتماعية، والسّياسية، والاقتصادية الموجودة في المجتمع. أنا أقول يجب الابتعاد عن مطلب السّلطة السّياسية والانهماك والانكباب على المجتمع المدني، وأقصد بذلك أن تكون الأحزاب معنية بحاجات النّاس المباشرة، أيْ أن يكون هناك وعياً اجتماعيّاً مكرّساً، ويمارس فعله من خلال منظّمات ومؤسّسات لا تريد السّلطة السّياسية، ولا تملك لوناً سياسياً محدّداً. وإنما يجب أن تكون مؤسّسات تدافع عن حقوقٍ محدّدة، وتعمل بمعزل عن أي انتماء سياسي، لكي نستطيع بناء المجتمع من الأسفل، حتّى إذا ما أرادت السّلطة السّياسية ممارسة استبدادها وجدت قوة مجتمعية تُقاوم هذا الميل للاستبداد، والذي هو طبيعي عند كلّ سلطة. وما يميّز السّلطات الغربية أن هناك موانعاً أمامها. وللمقارنة، يمكن أخذ تجربة حزبٍ سياسي وصل إلى السّلطة، ويمتلك فلسفة متكاملة مثل الحزب الشّيوعي السّوفياتي، وما أنجزه. هو أنجز على مستوى التّصنيع، فهوّ حوّل روسيا من بلد على المحراث إلى بلدٍ يملك القنبلة النووية، ولكن بثمنٍ اجتماعي هائل، وبنتيجة اجتماعية هي أقلّ ممّ حققته البلدان الغربية من المراكمة على المستوى التّحتي، ومن خلق وعي اجتماعي مبلور في جمعيات خاصّة، وفي الصحافة، وفي الإعلام. الفكرة عندما تتحوّل إلى وعي عام تُصبح قوّة مادية، وهذا ما هو موجود في الغرب الآن. من هو أقرب إلى الاشتراكية؟ هل روسيا أم السويد؟ روسيا أم ألمانيا؟ روسيا أم فرنسا؟ من وجهة نظري، هذه البلدان أقرب إلى الاشتراكية من روسيا. إذن، أنا أقول بإيجاز أنّ الخطوات التي يجب التّركيز عليها هي خطوات بناء المجتمع المدني، والابتعاد عن هدف السّلطة السّياسية لأنها فارغة، ولأنها لا تولد سوى المستبدّين. التّركيز على الثّقافة وليس على السّياسة، هذا ما أود قوله.

صلاح الدّين بلال
أشكرك أستاذ راتب على مداخلتك، وأنتقل للأستاذ سيهانوك ديبو. وأريد أن أتوجّه بالسّؤال، أنتم اليوم كمجلس سوريا الدّيمقراطية (مسد)، وكإدارة ذاتية في شمال شرق سوريا، كيف تعملون على الاستقطاب الدّيمقراطي للحركات السّياسية السّورية في مناطق شرق الفرات؟

سيهانوك ديبو
شكراً جزيلاً. أعتقد بأنّ كلّ المكونات السّورية مورست عليها سياسات مجحفة، وبشكلٍ خاصّ المكوّن الكردي، هذا الإجحاف ربّا يؤهلّ هذا المكوّن لأن يكون المعارضة الحقيقية. لكنّي أريد أن أوضّح أنّ ما يُشار إليه بالمعارضة السّورية، فهي لم تكن واضحة مع عموم مكونات الشعب السّوري، ولا مع محدّدات التغيير الذي خرج من أجله شعب سوريا من حوران إلى قامشلو بصوت واحد “الشّعب يريد التغيير”، في حراكٍ ثوري بكلّ ما للكلمة من معنى. كان لهذا الحراك إيجابيات كبيرة، ولكن أيضاً اعترته تحويرات سلبية. في الحقيقة مكوّنات مجلس سوريا الدّيمقراطية (مسد) اليوم عبارة عن أحزابٍ كردية، وعربية، وسريانية. والتّيارات والشّخصيات الوطنية الّسورية التي انضمت فيما بعد إلى (مسد) ترى أن مجلس سوريا الدّيمقراطية يمتلك أكثر من غيره الرؤية، والقدرة، على تحديد كيف تعارض النّظام السّوري. بدءاً من الانقلابات التي تمت في سوريا كتحويلها من “الجمهورية السّورية” إلى “الجمهورية العربية السّورية”، وإقحام الأنماط التي تُعتبر من وجهة نظر الكثير من المعارضة السّورية أنماطاً جاهزة، مثلاً بأنّ دستور عام 1950 هو العصر الذّهبي لسوريا مع أنّ المشكلة بدأت من بعض مواد هذا الدّستور، حينما حدّد الإسلام كدينٍ لرئيس الجمهورية السّورية.

إنّ مصطلحي المعارضة والموالاة، ككلّ المصطلحات السياسية، يطرأ عليها التّغيير. هناك بعض من خرج قبل ثماني سنوات كمعارض كانت كلّ تصرفاته وسلوكياته متشبّهة بالنّظام الاستبدادي. في الحقيقة، حتّى الكتلة التي والت النّظام بسبب عدم وضوح رؤى المعارضة، وقفت في المنطقة الرّمادية. واليوم، وبفعل بعض المراسيم، كالمرسوم 66 ، تحوّلت إلى معارضة حقيقية لهذا المرسوم الذي يخالف أجندة العلمانية التي من خلالها فقط يتحدّد الاجتماع السوري العادل. هذه مسألة لا بد من تحديدها؛ أنا شخصياً لا أقول عن نفسي بأنّني أنا المعارض وغيري هو الموالاة، بقدر ما أقوم بتحديد ذلك من خلال البرنامج السّياسي. نحن طرحنا مفهوم اللامركزية الدّيمقراطية لأول مرّة، عوضاً عن اللامركزية السّياسية التي أخذت نقاشاً طويلاً، وأضعنا وقتاً كبيراً عليها كسّوريين، من دون أن نعي أنّ نجاح التّجربة في بلدان المنشأ الأوروبي لا يعني نجاحها في سوريا، في ظلّ خصوصية الحالة السّورية. أيضاً نحن طرحنا لأوّل مرّة مفهوم الإدارة الذّاتية الدّيمقراطية، والذي يمتلك محدّدات واضحة، وصلاحيات واضحة، من دون أن نتعدّى الصّلاحيات السّيادية التي يجب أن يمتلكها ويتحلّ بها المركز.

-هل نحتاج اليوم إلى كيانات وأحزاب سياسية جديدة؟ حقيقةً نحتاج إلى تحديد أفكارنا إن كنّا معارضة، أو لنقل إن كنّا من القوى التّنموية، أو القوى التّنويرية، أو القوى النّهضوية. يتحدّد ذلك من خلال الموقف من الإرهاب الذي وإن ضعف اليوم إلاّ أنّه يُكن أن يعود باسم وشكل جديدين، وبدعمٍ من نظام الهيمنة العالمي، ومن قوى إقليمية ما. هذا محدّد رئيس من محدّداتنا. أيضاً، هناك مسألة الدّستور. وإذا حاولنا أن نعمل موازنة للأزمة السّورية مع الملّف الإقليمي والدّولي، فيجب أن نُبرز قدرتنا واستقلاليتنا بدون أي إملاءات. الشّأن الإنساني جدّ مهمّ أيضاً. نحن نقول إنّ الإدارة الذّاتية الدّيمقراطية تُشكّل نموذجاً جيداً لسوريا، نحن لا ندّعي الكمال، والنموذج يحتاج إلى الكثير من التّصويب، ويستدعي النّقد البنّاء، ولكنّنا نأمل أن يتحوّل إلى مركز جذبٍ ديمقراطيّ، وهذا الأمر لا يقع على عاتق مجلس سوريا الدّيمقراطية (مسد) فقط، ونتمنّى من كل الشّخصيات والحركات الوطنية الدّيمقراطية السّورية، ومن خلال الحوار، أن نتوصّل إلى وضعِ تصوّرٍ إجرائي، ومن ثمّ نهائي لهذه المسألة المهمّة.

أريد أن أتوجّه الآن إلى الأستاذ والصديق برهان ناصيف، أعتقد أنّك تعلم أنّ مجلس سوريا الدّيمقراطية (مسد) لم يتم إنشاؤه من أجل حلّ المسألة الكردية في سوريا، إ نّا ربط حلّ القضية الكردية بالمسألة الدّيمقراطية في سوريا، وأعتقد أنّنا جميعاً مقتنعون بأنّ القضية الكردية هي قضية وطنية بامتياز. نحن كنّا من مؤسّسي هيئة التّنسيق الوطنية، وكنّا من الفاعلين في مؤتمر المعارضة السّورية في القاهرة، والذي عُقد في حزيران/يونيو 2012 ، كما يذكر الأستاذ صلاح والأستاذ حسام، وهناك استطعنا أن نجمع المعارضة بمختلف تشكيلاتها حول أدبيات ووثائق القاهرة. لذا يجب إعادة النّظر والتّقدم بخطوات ملموسة، وبدون أحكامٍ مسبقة، والانطلاق من الثّوابت الوطنية دون محاولة تقيّيم أنّ فلان معارضة، وفلان موالاة. صُنا اليوم أمام معادلة واحدة هي: من منّا الوطني، ومن منّا غير الوطني. من منّا على الضدّ من كافة الاحتلالات والتّدخلات في سوريا، ومن منّا يودّ أن يكون فقط في سدّة الرّئاسة، أو السّلطة، هذه النّقطة التي أشار إليها برومانسية جميلة جداً، أتفق مع القليل وأختلف مع الكثير منها، الصديق راتب شعبو في مداخلته القيّمة.

صلاح الدّين بلال
شكراً أستاذ سيهانوك، إلاّ أنّني كنت أودّ أن نتكلّم عن الخطوات التي تراها اليوم مناسبة لإحداث اختراق جدّي في الأوضاع الرّاهنة، خصوصاً أنّكم في الدخل.

سيهانوك ديبو
الاختراق الحقيقي للأزمة السّورية له آلياته التي ذكرناها سابقاً، وتتلخّص في برنامجٍ سياسيّ يتمّ الاتفاق عليه ويتحول إلى خطّة مارشال حقيقية من كافّة الجوانب، السّياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، وإعادة الإعمار، والشّأن الإنساني. هذه الأمور التي يجب أن يتمّ الاتفاق عليها لإحداث اختراقٍ حقيقي للأزمة السّورية، وذلك من خلال الحوار البنّاء والمسؤول، العقلاني والواقعي. ونرى أنّ محدّدات الحلّ التي تمّ تعيينها من الأسرة الدّولية، والسّلال الأربعة التي وضعها السيّد ديمستورا يمكن أن تُشكّل أرضية جيدة، فنحن لا يجب أن نرفض كلّ ما يأتي من الخارج، ولا أن نقبل كلّ ما يأتي من الدّاخل. هذه هي الجوانب النّظرية للمسألة. في الجانب العملي نقول إنّ هناك نموذجاً سياسياً ديمقراطياً علمانياً على الأرض السّورية، ربّا تشوبه الأخطاء، والنّواقص، والتّجاوزات، ولكنّه موجود. فمجلس سوريا الدّيمقراطية (مسد) هو ائتلافٌ منفتحٌ على الحوار واللقاءات، وعلى مناقشة الوضع السّوري بكثيرٍ من المسؤولية. لذا فأنا أعتقد بأنّه يجب دعم هذه الحالة لتتحوّل إلى قطبِ جذبٍ للوطنيين السّوريين.

صلاح الدّين بلال
أشكرك أستاذ سيهانوك، وسأنتقل الآن للأستاذ كرم دولي.

كرم دولي
شكراً أستاذ صلاح، وشكراً للمتداخلين.

بالنّسبة للسؤال الأوّل، هل هناك جدوى للكيانات السّياسية الواسعة، أم أنّ ثمّة ضرورة لبلورة أحزابٍ سياسة؟ أعتقد أنّ الائتلافات هي الوحيدة الممكنة والمتاحة في ظلّ الواقع الحالي. إذا استعرضنا خارطة الأحزاب السّياسية في سوريا نجد أنّ ما بقي من بنى وهياكل الأحزاب هو فقط الأحزاب ذات العصبيات الهوياتية الدّينية أو القومية، ما تبقّى هو مجموعات من الأفراد التي التقت وتفاهمت حول بعض القضايا. إن القوى الدّيمقراطية السّورية تفتقد إلى بلورة رابطة توازي العصبية الهوياتية ما تحت الوطنية. هذا يحتاج إلى عمل، ومازالت آلية الائتلاف هي الوحيدة والممكنة في الوقت الحالي. من جهة ثانية من المؤكّد أنّ هناك ضرورةً لبلورة الأحزاب، ولكنّ البيئة الحالية غير قادرة على إنضاج حالات حزبية بمعنى البنية السّياسية الفاعلة ذات هيئات وبرامج عمل فاعلة، وبيئة ديمقراطية قادرة أن تحقّق الاستمرارية والدّيمومة. الحالات الائتلافية فيها مرونة تنظيمية تُراعي مسائل التنوّع، وحتّى التّناثر الجغرافي. لذا هي مجدية أكثر حالياً، وجدواها مرتبطة بمسألتين: الإرادة، وأعتقد أنّها موجودة، لكنّ اللّحظة السّياسية الرّاهنة مازالت غامضة وضبابية، لكنّها بحاجة لوجود أُطر تكون جاهزة لتلقّف
اللّحظة، والاستجابة لمتطلباتها.

بالنّسبة للسّؤال الثّاني حول إمكانية تجاوز الانقسامات السّياسية بين الدّاخل والخارج. في الحقيقة فإنّ السّؤال يفترض وجود انقسامات بين الدّاخل والخارج، وأنا أعتقد أنّه لا توجد انقسامات بدلالة المكان، فالاصطفافات والطّروحات السّياسية موجودة جميعها، وبكلّ اختلاطاتها، في الدّاخل والخارج، وحتّى الدّاخل هو دواخل. يمكن أن نتكلم عن فارق وليس عن انقسام بين الدّاخل والخارج يتبع لطبيعة السّلطة المهيمنة الحاكمة والمسيطرة في كلّ داخل من الدّواخل. ويبقى الخارج أكثر حرّية، حتّى في ارتهانه هو أكثر حرّية من الداخل.

طبعاً فإنّ العلاقة بين الدّاخل والخارج جداً مهمة، والاستفادة من ميزة كلّ تموضع جغرافي هي حالة بحاجة لترتيبها وتنسيقها، وحشد الجهود لتحقيق التّكامل بين الدّاخل والخارج.

بالنسبة لترتيب الأولويات لإحداث تغيير سياسيّ مؤثّر في الأوضاع الرّاهنة، على المستوى التّنظيمي فإنّ الكيانات الائتلافية المتشابهة، والقادرة على امتلاك حيّز من الفضاء السّياسي تُثّل منصّة لصوت يرتكز على مجموعة من الثوابت والمهام الوطنية التي يجب أن تكون على رأس الأولويات. لا يمكن حالياً إيجاد ائتلافات ذات رؤىً سياسية متفقة في كلّ الموضوعات الوطنية، لكنّها متفقة في الحدود الدّنيا.

الاختراق ممكن رغم كلّ صعوبته، ورغم تعقيدات المشهد. الاختراق المتاح، والذي من الممكن العمل عليه هو إحداث اختراق ذاتي في ذهنية القوى السّياسية السّورية، والمناطق الخارجة عن سيطرة النّظام شرق وغرب الفرات في شمال سوريا مرشّحة لأن تشكّل عالماً سياسياً، واقتصادياً، واجتماعياً أكثر انسجاماً، وأكثر تناغماً، ويُشكّل حالةً ندّية في مواجهة عالم وحلفاء النّظام. ربما يكون هذا الأمر قادراً على تحريك حالة الاستنقاع، وعلى الدّفع باتجاه تسوية سياسية أو الجلوس على طاولة المفاوضات. عدا ذلك، سيكون هناك فرصة لاستنقاع أكثر، ولتفتّتٍ أكبر في النسيج الاجتماعي والاقتصادي.

الآليات التي من الممكن أن نبدأ بها، وتقع حالياً على عاتق مجلس سوريا الدّيمقراطية (مسد)، هي في التّحول المنشود الذي يبدأ بالتّفكير في إحداث تحوّل في البُنى القائمة في شرق الفرات، وفي طبيعتها قياساً بما نعيه جميعاً من السّرديات المتناقضة في المنطقة بكلّ مستوياتها القومية، والدّينية، والطّائفية، والسّياسية. وبحسب المشاريع الإقليمية والدّولية المهيمنة على المنطقة، هذا التحوّل يجب أن يبدأ من تحويل الموارد الطبيعية إلى نوع من المأسسة، يجب التّركيز في المشاريع على تحرير بُنًى جديدة في الاقتصاد والحركة التجاريّة لخلق بُنىً ذات علاقة مؤسّساتية وليس وفق القرب والبعد من السّلطة، أو من الإيديولوجيا، أو من العلاقات الاجتماعية التّقليدية كالعشيرة أو القبيلة وغيرهما. خارطةُ الطّريق هذه، يجب أن تُؤخذ بعين الاعتبار، مع تفهّم هواجس الإدارة الذّاتية من النّاحية الأمنيّة والعسكريّة في ظل استمرار تهديد الإرهاب، والتمدّد الإيراني، ومن النّظام السّوري، أو حتى تهديدات الاجتياح التركي.

من هنا يمكن البدء بعملية تحوّل واختراق لهذه الحالة، بالانفتاح أكثر والمضي قُدُماً بالحوار مع قوى المعارضة السورية على الأرض في شرق الفرات، والتي يُكن أن تُشكّل منطلقاً لحياة سياسية في مفاهيم حداثَويّة تتحسّس المصالح الوطنية أكثر من الحسابات الإقليمية.

هذه ملامح لمشروع يرتكز على منطقة فيها إدارة سياسية وعسكرية هي الأقرب باعتقادي، مقارنةً مع بقية المناطق، لتطوير بيئة سياسية قادرة على إيجاد هذا التناغم بين المنطقتين في المرحلة الأولى.

صلاح الدّين بلال
أشكرك أستاذ كرم على هذه المداخلة، وأستطيع القول أنّه أصبح لدينا خلاصة مهمة، وأصبح لدينا رُؤية متفقين عليها، وهناك نقاط تحتاج فعلاً للعمل عليها كما قال أغلب المشاركين وتحديداً المفاهيم والمصطلحات. هناك نقطة أحب ذكرها، وهي أنّه كان من المفترض أن يكون معنا الأستاذ راشد صطوف، والأستاذ فايز سارة، ولكن يبدو أنّ هناك مشكلة تقنية منعتهما من الانضمام إلينا، أوجّه لهما التّحية أيضاً.

أشكر حضوركم، ونحن في المركز مهتمّين بتوسيع هذا الحوار بحجم القضية السورية التي نراها قضية كبيرة جداً بحجم تضحياتها، وبحجم ما نتج عنها من دمارٍ ومعاناة لكلّ السوريين. نحن بحاجة فعلاً لتوسيع دائرة الحوار، حتّى نصل إلى مفاهيم أكثر وضوحاً وتأثيراً في المرحلة القادمة.

أنقل الكلمة الآن للأستاذ حسام ليختم اللّقاء.

حسام ميرو
شكراً أستاذ صلاح، شكراً للجميع. طرحت النّدوة حقيقةً العديد من المفاهيم والرّؤى التي تحتاج لاستكمالها في ندواتٍ قادمة. نذكر مثلاً المجتمع المدني وعلاقته بالحالة السّياسية، أو وضع السّلطة كهدف للأحزاب السّياسية. هذه مسألة شائكة ومعقّدة نظراً لتاريخ المجتمع المدني بوصفه جزءاً من التّاريخ الليبرالي نما في خِضّم الرّأسمالية، وفي خِضّم قوى الإنتاج، وفي خِضّم وجود طبقة عاملة ونقابات. الخ. بينما المجتمع السّوري اليوم مجتمعٌ منهكٌ ظهرت فيه جميع الانقسامات ما قبل الدولة الوطنية، وبرزت فيه الهُويات القاتلة، وتخندق النّاس مناطقياً وطائفياً، وحسب العلاقات مع دول الإقليم. للأسف لدينا تجارب موجودة وماثلة في الأذهان، في أفغانستان، والعراق، ولبنان، وكلّ هذه الأمثلة التي خرجت من الحرب لم تستطع حتّى اليوم إعادة بناء المجتمع المدني، بل على العكس مازال الكثير من الآليات متعلّق بالولاء، وبالمال السياسي وطغيانه على القوى السياسية والمدنية. هذه مسائل شائكة تحتاج إلى نقاش شديد، وأعتقد أنّه من المهمّ طرحها في أدبيات، ومقالات، وندوات مقبلة.

باسمي وباسم الأستاذ صلاح ندعوكم للكتابة في المجلة فيما يخصّ الشأن السوري، ولدينا في الشّهر المقبل ندوة حول المجتمع المدني، وإذا كان لديكم رغبة في حضور النّدوة المقبلة فعلى الرّحب والسّعة، أو إذا كان لديكم أسئلة من الممكن طرحها في النّدوة المقبلة فيمكنكم إرسالها لنتمكّن من خلق حالة تفاعلية على المستوى الفكري.

أشكركم، أشكر الأستاذ برهان ناصيف، والأستاذ سيهانوك ديبو، والأستاذ راتب شعبو، والأستاذ كرم دولي.

إذا كان هناك من يود التعقيب فليتفضّل.

برهان ناصيف
لا يوجد لدّي تعليق، ولكن هناك شكر لجهودكم. أشكر زملائي راتب، وسيهانوك، وكرم. وأرجو التّقدم والتّوفيق في هذا المسار.

راتب شعبو
شكراً حسام، وأنا سعيد حقيقة بهذا اللّقاء، وقد استفدت من المداخلات والأسئلة. هناك أكثر من جهة سورية تقوم بعقد ندوات للتّفكير المشترك، وهذا أراه جانباً أبيض في السّواد المحيط بنا.

سيهانوك ديبو
الشكر للجميع وخصوصاً مركز أسبار. يحتاج السوريون لعقد اجتماعي سوري جديد من أجل الانتقال إلى عهدٍ ديمقراطي سوري جديد. أضمّ صوتي لصوت الأصدقاء، سويةً ننجح ومفترقين نفشل، والسّوري يحتاج للسّوري حتّى ينسج سوريا جديدة، وقيماً جمهورية سورية جديدة.

كرم دولي
أكرّر شكري لمركز أسبار على هذا النّشاط، وأعتقد أنّ سلسلة النّدوات هذه من الممكن أن تكون فرصةً لتحقيق اختراقاتٍ بين مجموع القوى والتّشكيلات السّياسية السّورية. أعتقد أنّ التّركيز على محاورَ أقلّ سيكون أكثر ثراءً في النّقاش.

صلاح الدّين بلال
أشكر لكم حضوركم، وأتمنّى أن نلتقي بشكل مباشر لاستكمال مسيرة الحوار لإنتاجٍ فاعلية أكير على مستوى الفكر والعمل السّياسيين.