الرئيسية / مقالات / النظام السياسي والدين في سوريا: مجتمع متنوّع أمْ مجتمع فسيفسائي؟

النظام السياسي والدين في سوريا: مجتمع متنوّع أمْ مجتمع فسيفسائي؟

محمد حلاق الجرفالنظام السياسي والدين في سوريا: مجتمع متنوّع أمْ مجتمع فسيفسائي؟

محمد حلاق الجرف

من بين تعاريف عديدة فإنّ مفهوم الدّين هو عبارة عن أنماط من العقائد مُعرّفة اجتماعياً، وتتعلّق بالنّظرة والمعنى والغاية النّهائية من الحياة. لذلك لا تُعنى العلوم الاجتماعية بمسألة إثبات وجود الله من عدمه، ولا بوجود أو عدم وجود حياة أو كائنات أخرى، هذه مسألة تُترك لاختصاصات بحثية مغايرة، إنّما تنشغل العلوم الاجتماعية بالكيفية التي تُؤثّر بها العقائد الدّينية الخاصّة ع ى السّلوك الإنساني، وعلى العلاقات والأنساق الاجتماعية. لذلك لن ينصب اهت ام هذه الورقة على طائفة سورية بعينها، أو تشكيل دينيّ سوريّ محدّد. بل على الآلية التي تعامل بها النّظام السّوري مع الوظيفة الاجتماعية للدّين، بمعنى تكييف الدّين لخدمة بقاء النّظام واستمراره.

تقديرياً، وقبل العام 2011 فإنّ التوزّع العرقي كان كما يلي: عرب سنّة % 60 ، وعرب علويون % 12 ، وأكراد سنّة % 9، وسريان وعرب وأرمن مسيحيون % 13 ، وعرب دروز % 3، وعرب اسماعيليون % 1، وتركمان وشركس ويهود % 1. أمّا دينياً وطائفياً، فبحسب الإحصاء الرّسمي لعام 1985 كما يلي: % 70 مسلمون سنّة، و% 12 علويون، و% 3 دروز، و% 1 اسماعيليون، و% 13 مسيحيون، و% 0,4 شيعة.

هذه الأرقام تدل على التنوع الكبر قومياً ودينياً، والأمر المثر أنّ هذا التّنوع الهائل لم يجعل من سوريا مجتمعاً متنوّعاً بقدر ما رسخّه كمجتمعٍ فسيفسائي تعيش مكوناته شبه معزولة عن بعضها، تُجاور بعضها البعض، من دون أيّ تداخل تقريباً بحسب التّمييز الدّقيق الذي يستخدمه الباحث اللبناني حليم بركات للتّفريق ب ن المجتمعات المتنوعة والمجتمعات الفسيفسائية.

إذاً، هذا التنوّع كان يحمل في طياته دوماً بذور الانفجار، وهو ما تطلّب قدراً كبيراً من الحنكة في إدارته، لأنّ الفشل في ذلك كان يعني تحويله إلى نقمة، بدلاً من أن يكون موضع غنىً ثقافي ومعرفي. وبالفعل فإن السّبب الرئيس في اتساع الشروخ بين المكونات المجتمعية المختلفة في المجتمع السوري لا يعود برأينا إلى تنوّع هذه المكونات، وإنما إلى وجود إدارة سيئة للتنوّع، كانت تضغط بثقلها الأمني عليه لتحافظ على صورته التعايشية الجميلة غر آبهة بما تخلقه في داخله من احتقانات وأحقاد، ك ا يقول الباحث في المعهد الفرنسي لشؤون ال رق الأدنى الدّكتور حسّان عبّاس.

اعتمد النّظام السّوري، ومنذ وصل الأسد الأب إلى الحكم وحتّى وفاته، على لعبة توازنات دقيقة بين كل أطياف
النّسيج السّوري، بحيث لم يُبعد أياً منها عن السّلطة، كما أنّه لم يُعطِ أيّا منها سلطة مطلقة. ونشأت في سوريا سياسة «محاصصة مستترة» غر مقنّنة، ولكنّها ترسخّت بالعرف بحيث تتقاسم القوميات والطوائف المناصب السّياسية الرّئيسة، بما يتناسب مع نسبتها من عدد السّكان الإجمالي، وبحسب توزعها في المدن السّورية الكبرى، فرئيس الوزراء ووزير الخارجية ورئيس هيئة الأركان من الطائفة السّنية، ووزيري السّياحة والصناعة مسيحيين، ووزير الإعلام علوياً، وهناك وزير دولة للطائفة الاسماعيلية. إلخ. وبقيت المفاصل الأمنية بيد المقربّين جداً من النّظام، وخصوصاً العلويون منهم.

هذا التوازن الدّقيق المستتر أُضيف إليه تحالفٌ معلن بين البرجوازية السّنية في الحواضر الكبرى مثل دمشق وحلب وحمص وبين النّظام، بحيث أمسكت الدّائرة الضّيقة للنّظام بالشؤون الأمنية والسّياسية، وتُرك الشأن الاقتصادي لتجار وصناعيي دمشق وحلب، من دون أن يغفل عن بالنا أنّ الأسد الأب قد قام في عقد التسعينات من القرن الماضي بتشجيع أبناء المسؤولين على الدّخول في مشاريع صناعية وتجارية وعقارية كبرية في محاولة منه لخلق برجوازية ثالثة، لموازنة برجوازيتي دمشق وحلب. هذه البرجوازية الجديدة لم تقتصر على العلويين، أي أنّها لم تكن برجوازية علوية بقدر ما كانت برجوازية سلطة، أفضت في النّهاية إلى ما بات يُعرف بـ «رأس الية المحاسيب».

التّرتيبات الزّبائنية
أقام النّظام بين العامين 1990 و 2000 روابطَ وثيقة مع عائلات المدن الثّرية والميسورة، وأخذت هذه الرّوابط شكل «التّرتيبات الزّبائنية» مع الكيانات الخاصّة بين العامين 2000 و 2011 ، فشكّلت حجر الأساس للقطّاع الخاص في سوريا، بحسب هاروت أكديديان الباحث في مركز كارنيغي للشرق الأوسط. ترافقت هذه السّياسة مع تضاعف عدد السّكان إلى الضّعف تقريباً من 12 مليون نسمة إلى 21 مليوناً بين عامي 1990 و 2010 ، الأمر الذي جعل الدّولة تبدو عاجزة عن تلبية احتياجات السكّان، خصوصاً مع تفاقم الأوضاع الاقتصادية في منطقتي الجزيرة وحوران، وهذا خزّان سوريا الزّراعي، وتزايد النّزوح الدّاخلي من الأرياف إلى المدن، وكذلك معدّلات البطالة، وتحوّلت سوريا من دولة مصدّرة للنّفط إلى دولة مستوردة له. في ظلّ الأوضاع الجديدة هذه تبنّى الأسد الابن سياسات نيوليبرالية غر منضبطة، اعتمدت على التجريب، أكثر مما اعتمدت على التأسيس والتّراكم، فقام الفريق الاقتصادي للسّلطة بتعزيز الخصخصة، والانفتاح على الاستيراد من دون سياسة حمائية كافية للمنتجات المحلية، وكذلك تخلّت الدّولة عن سياسة الرعاية والدّعم الاجتماعيين لبعض السّلع الأساسية، فباتت أغلبية السّكان تعاني من انعدام الأمن الاقتصادي والاجتماعي. وتجمعت الرّساميل في يد نخبة صغرة من الأنسباء والأقرباء والموالين ورجال الأعمال المقرّبين من النّظام.

هذه الزبائنية انتقلت إلى المجال الدّيني أيضاً، إذ قام النظام بالمفاضلة بين الجمعيات والمؤسّسات الدّينية اعتماداً على المحاباة. ونشأت علاقة تبادلية بين الطرفين نبعت من حاجة كلّ منه ا للآخر، فقامت هذه الجمعيات بدور الدّولة، خصوصاً بعد فشل الدّولة بدءاً من العام 2011 ، في تأمين احتياجيات وخدمات المواطنين التّابعين لها، أو القاطنين في مناطق سيطرتها، مقابل إعطاء النّظام شرعية كبيرة يفتقدها على المستويين الدّستوري والجماهري في حربه مع معارضيه. وتجلى الأمر أكثر في مناطق «الأقليات الدّينية». فعلى سبيل المثال سُمح للكيانات المسيحية، على غرار بطريركية أنطاكية وسائر المشرق للرّوم الأرثوذوكس، بالعمل بحرية أكبر بالمقارنة مع سائر الكيانات، وهي حصلت على هذه السّماحية منذ الاحتال الأمريكي للعراق عام 2003 وما رافقه من موجة هجرة كبيرة إلى سوريا. وتمكنت البطريركية من ربط شبكة علاقات مع العديد من الوكالات الإنسانية التّابعة للأمم المتحدة، ومن توفر مصادر تمويلية خاصّة عن طريق مانحين دوليين، مثل مجلس الكنائس العالمي، وخدمات الإغاثة الكاثوليكية، والهيئة اليسوعية لخدمة اللاجئين. على الجانب الإسماعيلي مثلاً، قامت شبكة الآغاخان العالمية بالدور ذاته في مناطق تواجد الاسماعيليين، والجدير بالذّكر أنّ هذه الشبكة كانت ممنوعة من التواجد في سوريا في عهد الأسد الأب، ولكن مع استلام الأسد الابن لمقاليد الحكم دخلت الشبكة إلى سوريا، وافتتحت مكاتب لها في عدد من المدن السّورية، لكنّها لم تتمكّن من الاستثمار في مشاريع اقتصادية كبرى بسبب «الخوّة» التي كان يتوجب عليها دفعها للـ «محاسيب». فاكتفت بإقامة مصرف للقروض الصّغرة، إلاّ أنّها ومع انهيار الدّولة قامت بتوزيع سلل إغاثية شهرية، كما يقوم ابن رئيس المجلس الإسلامي الشّيعي الإمامي الاسماعيلي الأعلى، وهي أعلى هيئة لدى الطائفة الآغاخانية في سوريا، بتزعّم إحدى الفرق الرديفة التّابعة للنّظام. إضافةً لكونه، عضواً في البرلمان السّوري.

لا بدّ من الاعتراف هنا هو أنّ الخدمات التي تقدمها الكيانات التّابعة لطوائف دينية، خصوصاً الأقليات منها، لا تقتصر على أبناء الطائفة، بل تشمل كل من يقطن في مناطق انتشار الطائفة بغض النّظر عن دينه، أو المنطقة التي نزح منها.

إذاً حصل من هو «جديرٌ بالثّقة» على امتيازات غير مسبوقة في داخل مجتمعه المحليّ، وقام النّظام بإعطاء الضوء للكيانات الدّينية كي تقوم بالمهام التي من المفنرض أن تكون ملقاة على عاتق المجالس المحلّية أو البلديات، من دون اكنراث لضياع هيبة الدّولة وتفكّك هيكلياتها أو تحولها إلى مجرد هيكليات صورية في أحسن الأحوال.

أدوتة (Instrumentalisation) التّنوع، والمجتمع المضاد
يُقصد من أدوتة التّنوع استثماره من قبل السّلطة لقضايا سياسية داخلية أو خارجية، وهذا ما ظهر بوضوح من خلال نجاح النّظام السّوري، وعلى مدار الخمسين عاماً الماضية، في خلق المجتمع المضاد الذي كان بمثابة الدرع الذي حمى هذا النّظام من كل الاهتزازات والتغيرات التي اجتاحت منطقتنا. معتمداً في ذلك على مكنة إعلامية نشطة، وعلى تحويل النّقابات والمؤسّسات الحزبية والمدنية إلى مجرّد أشكال صورية.

في المجتمعات التي أنجزت بناء دولتها الحديثة، أو التي قطعت شوطاً كبراً في هذا الطريق، تأتي الأنظمة بناءً على سيرورة سياسية طبيعية تُتيح المجال للتّنافس بين الشّخصيات والقوى والأحزاب السّياسية تنتهي بالانتخابات التي تُتوّج حزب ما، أو تحالفٍ ما على رأس السّلطة لأجل محدّد اعتماداً على حجم قاعدته الاجتماعية. في سوريا، كما في غيرها من الدول العربية، لم نشهد هذه السّرورة. إذْ أنّ النّظام السّوري وصل إلى الحكم في انقلابٍ عسكري في العام 1970 ، وبدون أيْ قاعدة اجتماعية، وبلا شرعية جماهيرية أو دستورية. لذا سعى جاهداً إلى خلق بديل يتناسب مع وضعه الجديد، بمعنى أنّنا لم نرَ مجتمعاً ينتج سلطة كما يُفنرض في الحالات السّياسية الطبيعية، بل سلطةً خلقت مجتمعها الخاص بها، والمتعالي عن بقية النُّسج الاجتماعية. هذا المجتمع كان «حواضن» للنّظام شكّلت ما يدعوه الدّكتور حسّان عبّاس بـ «المجتمع المضاد».

هذا «المجتمع المضاد» ناتجٌ إذاً عن تشوّه بنيوي في العلاقة بين السّلطة والمجتمع، وأفضى إلى نوعين من التشكيلات، أولها تشكيلٌ سياسي-أمني تجلّت صورته بالمؤسّسات المرتبطة بالاستبداد (الجيش والأجهزة الأمنية)، والنّوع الثّاني تشكيلٌ اجتماعي هو خليط من نخب المكونات الثقافية (الأقوامية أو المذهبية)، ومن جماعات اقتصادية (برجوازية تقليدية، أو دينية، أو طفيلية). هذه التّشكيلات شكّلت هذا الذي دعوناه بـ «المجتمع المضاد» الذي وقف بين السّلطة والمجتمع ليكون الجسر الواصل بينهما من جهة، وأيضاً ليكون الحصْن الذي يحمي السّلطة من المجتمع الحقيقي من جهة أخرى. «في المجتمع المضاد تتحول الأجهزة الوطنية والمؤسسات المدنية إلى مؤسسات حماية للسلطة، لا يختلف في ذلك الجيش الوطني المؤسَّس على قاعدة حماية الوطن من شر أعدائه أو النقابات القائمة على مبدأ حماية المجتمع من السلطة». احتاج النّظام إلى وسائل قمع شديدة لمحاربة معارضيه، لكنّ حواضنه الجديدة هي أكثر من ساعدته بحيث كانت معارضة النّظام قبل الـ 2011 عبارة عن مغامرة سياسية، وسقوطٍ اجتماعي، أو في أحسن الأحوال مجرّد مراهقة سياسية.

خلاصة
على الجانب الآخر، لم تتمكّن النّخبة المعارضة للنّظام من الخروج من هذه الأطر بعد قيام ثورة الـ 2011 ، خصوصاً بعد انتقالنا من مرحلة السّلمية إلى العسكرة، فقامت هي أيضاً بخلق «مجتمع مضادٍ» خاصّ بها يعتمد على تغييب السّياسة لصالح أصوات طائفية ولغة كراهية لم يعتد السّوريون عليها قبلاً، مستغلةً الإمكانات المالية والإعلامية الكبيرة التي قدمتها بعض دول المنطقة لها. وقامت أيضاً بخلق «مؤسّسات مدنية» خاصّة بها وكيانات سياسية هشّة وقفت سداً لها في وجه مجتمع الثّورة الحقيقي الذي توارى عن المشهد بعد الأشهر الأولى للثّورة. وفي الحالتين، حالة النّظام وحالة مؤسّسات المعارضة، فقد اعتمد الجانبان على ما يمكن تسميته بـ «عصبية الامتيازات»، عصبية المستفيدين بغضّ النّظر عن طائفتهم. لدرجة بتنا نرى مثقفين ومفكرين سوريين، وعلى الجانبين، يستخدمون منهجاً استشراقياً سكونياً لتفسر حجم عنف الحوادث الجارية في سوريا، من خلال اللجوء إلى قراءة تعتمد أساساً على رؤية للطوائف وتواريخها، وتبحث عن نزاعات «جوهرانية» بين هذه الكيانات بحيث يسهل في ظلها التعتيم على السياق التاريخي للحوادث. إذاً، ووفق المنهج الدّيناميكي الذي يركّز على المحتوى الاجتماعي-التّاريخي للدّين ضمن إطار الصّراعات القائمة في المجتمع، والتأكيد على أنّ التشكيلات السياسية-الدّينية إنّما تنبثق عن واقعٍ اجتماعي، واقتصادي، وسياسي، وتاريخي معقّد وهي تتطوّر بتطوّر هذا الواقع، فإن الدّين قد استخدم من قبل النّظام ومعارضيه لتثبيت شرعية ضعيفة بالأصل. وقد رأينا أيضاً كيف استخدم الدّين لخلق مجتمع مضاد يحمي النّظام، ويحمي معارضيه كذلك، من حراكات المجتمع المدني الحقيقي.

المراجع
1. حليم بركات، المجتمع العربي المعاصر: بحث استطلاعي اجتماعي، ط 6 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية 1998 -).
2. حنّا بطاطو، فلاّحو سورية: أبناء وجهائهم الرّيفي ن الأقل شأناً وسياساتهم، ترجمة عبد الله الفاضل ورائد النقشبندي، ط 1 (بروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السّياسات 2014 -).
3. حسّان عبّاس، إدارة التّنوع في سوريا، موقع مبادرة الإصلاح العربي الالكتروني، يونيو/حزيران 2012 ، شوهد في 18 / 2019 / 04 .
4. هاروت أكديديان، الحقل الدّيني يستمر في التّوسع في سوريا، الموقع الالك روني لمركز كارينغي لل رق الأوسط، شوهد في 02/04/2019.

المصدر: العدد الثامن من مجلة ملفات أسبار الشهرية التي يصدرها مركز أسبار للدراسات والبحوث بمدينة دوسلدورف الألمانية

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *