الرئيسية / مقالات / بعد العهدة الخامسة: الجزائر والسيناريوهات المحدودة

بعد العهدة الخامسة: الجزائر والسيناريوهات المحدودة

فتحي ديلميبعد العهدة الخامسة: الجزائر والسيناريوهات المحدودة

فتحي ديلمي

خرج الجزائريون في 22 فبراير/ شباط، في مختلف المدن الجزائرية، رفضاً لترشيح الرئيس عبد العزيز بوتفليقة نفسه للعهدة الخامسة، فقد مثّلت العهدة الرابعة حالة تدهور في مستويات وطنية عديدة، وخصوصاً على المستوي المعيي للمواطن الجزائري، فقد اتّبعت الحكومة سياسة التقشّف منذ عام 2016 ، ما أدى إلى تراجع القدرة الشرائية لدى الطبقة الوسطى، وتدهور أوضاعها بشكل كبر.

في الوقت نفسه، شكّل ترشيح الرئيس بوتفليقة نفسه للرئاسة إهانة لكبرياء فئات شعبية واسعة، فالرئيس المقعد لم يتحدّث إلى الشعب الجزائري منذ ست سنوات، رغم مرور الب اد ببعض الحالات التي كانت تستوجب حديثاً مباشراً بين الرئيس والشعب، وقد اعتمد النظام، ببنيته العميقة، على فزّاعة أحداث التسعينات من القرن الماضي، وتهديد الإرهاب، طوال السنوات السابقة، وقد نجحت إلى حد كبر في إسكات الجزائري ن خ ال العهدة الرابعة، لكن هذه الفزّاعة لم تعد تجدي نفعاً، مع تراكم الأزمات الاقتصادية والمعيشية للجزائري ن، فمعظم العائلات التي عايشت “سنوات الجمر”، والتزمت الصمت حيال السياسات الحكومية، عاشت لاحقاً صدمة هجرة أبنائها إلى الغرب في قوارب الموت، أو ما يسمى في الجزائر ب”الحرّاقة”، هرباً من الأوضاع البائسة، وانسداد الآفاق.

أمّا الشباب الذين لم يغادروا الب اد، فلم تعد تجدي معهم دعوات آبائهم وأسرهم للتعقل والص ر في انتظار غد أفضل لا يريد أن يأتي. هؤلاء الشباب لم يعايشوا مرحلة الإرهاب، وأغلبهم لا يريد أن يسمع عنها شيئا، وأك ر من ذلك أنهم لم يعودوا يستطيعون تخيّل جحيم أكثر مماّ يعيشونه يوميّا، جرّاء التهميش في “جزائر العزة والكرامة”، التي طالما بشرت بها سياسة بوتفليقة طوال فترة حكمه. هذه هي أهم الأسباب التي جعلت من مشروع العهدة الخامسة القطرة التي أفاضت الكأس في الجزائر، ومفعّلا آنيّا لغريزة بقاء شعبية، تُرجمت بشكل لا إرادي إلى حراك شعبي.

حراك شعبي بلا هوية أيديولوجية
لم يتوقع أحد، رغم الشعور الشعبي الموحّد والرافض للعهدة الخامسة، أن تتم الاستجابة بهذا الحجم لتلك الدعوات المرسلة عبر مواقع التواصل من أطراف مجهولة، تدعو الى المسرات الشعبية كل جمعة تحت “شعار السلمية”. كما لم يتصوّر أحد أن تكون المسرات بذلك الحجم المليوني (بين 17 و 20 مليون عير التراب الوطني) وأن تنضم إليها جميع التيارات السياسية من أقصى اليمين الى أقصى اليسار، حتى هؤلاء الذين كانوا حتى وقت قريب مؤيدين للرئيس والعهدة الخامسة، أصبحوا بين عشية وضحاها مع الحراك. بل إن الإسلاميين الذين كانوا مطلع التسعينيات يتحدثون عن “الدولة الإسلامية” وضرورة “تطبيق الشريعة”، أصبحوا اليوم يرفعون شعار الديمقراطية، وقبول التنوع والاختلاف، حتى أصبح كثر من المراقبين الداخليين غير متخوفين من ركوب الإسلاميين لموجة الحراك، لأنه حتى الشباب الجزائري من الأجيال الجديدة التي لم تعايش مرحلة الإرهاب، لم تعد عنده القابلية لاستهلاك خطابات الإسلام السياسي.

لعبت عوامل عديدة في محافظة الجزائريين على الطابع السلمي للحراك، من أبرزها نضوج وعي عام بأن العنف
هو ما يحتاجه النظام لتبرير القمع، وهذا الوعي هو حصيلة تجارب عاشها الجزائريون منذ حرب التحرير الوطنية 1954 ، ثم أحداث أكتوبر 1988 ، ثم العشرية السّوداء (1999 – 1992)، ثم أحداث منطقة القبائل في 2001 ،
وقد توّج هذا الوعي بشعار “السلمية أقوى من العنف”.

استعادة الفضاء العام
الميزة الكبرى للحراك الجزائري في 22 فبراير/ شباط تتمثّل باستعادة الفضاء العام، وهو ما كان محتكراً طوال العقدين الماضيين، وقد حاول النظام الجزائري إشاعة حالة من الخوف لدى الجزائريين، عبر تذكره بمآلات الثورتين الليبية والسورية، حيث قال رئيس الحكومة الأسبق “في سوريا بدأت أيضا بالورود”، وهو ما أثار موجة عارمة من الاستياء، حفّزت الجزائريين على استمرار حراكهم، والخروج للتظاهر مجدّدا في الأوّل من مارس/ آذار الماضي. طوال تلك الفترة، كان الرئيس المستقيل يُجري فحوصات طبيّة في سويسرا، أسالت إشاعات حول عدوله عن الترشّح بعد يوم من (آخر أجل لإيداع ملفات الترشح). ولكن رغم هذه الإشاعات، تم إيداع ملف ترشح الرئيس المريض بالوكالة عبر مدير حملته الانتخابية الجديد، متجاهلا بذلك الاحتجاجات الشعبية المليونية، والموانع الدستورية لهذا الفعل.

أمام استمرار الحراك الشعبي، تعهد الرئيس بعدم الترشّح مرة أخرى في حال فوزه بالولاية الخامسة، بتعبر آخر كأن الرئيس يقول للشعب: انتخبوني لولاية خامسة وسأتعهد بعدم الترشح لولاية سادسة. لكن هذا الإع ان قوبل برفض شعبي، فأجرى النظام تغيراً في خطته، يتمثل بإلغاء المسار الانتخابي والمرور بندوة وطنية مشتركة، ستنتج عنها هيئة مستقلة، لتنظيم الانتخابات المقبلة من دون الإعلان عن موعد محدّد لها. لكن هذا الخطة أيضاً قوبلت بالرفض، وفهمت كالتفاف من قبل النظام على المطالب الشعبية، رغم كل الوجوه الدبلوماسية التي جُندّت للترويج لها وإنجاحها، وهو ما أجبر الجيش على التخلي عن الرئيس، بعد أن تخلّت عنه كل الطبقة السياسية المساندة له. هذا الزلزال الذي حطّم سلطة الواجهة، هو الذي عجّل باستقالة الرئيس يوم الثاني من أبريل.

غياب التمثيل
بعد نجاح الحراك الشعبي في تحطيم سلطة الواجهة (أي الرئاسة)، وإجبار السلطة الفعلية (الجيش) على الخروج من الظلّ لأول مرة منذ 20 سنة، أصبح الحراك الشعبي أكثر تأطراً وتماسكاً، لكن مع رفض كل الدعوات إلى تمثيل الحراك، رغم وجود شخصيات أفرزها الحراك نفسه، وأبرز أسباب الرفض لتمثيل الحراك تتمثّل بالخوف من سرقة الحراك، الذي سرعان ما أخذ عنوان “ثورة الابتسامة”، فقد نبّه ناشطون سياسيون على نطاق واسع المتظاهرين إلى خطورة تمثيل حراكهم، مذكّرين بسيناريو أحداث العروش في منطقة القبائل سنة 2001 كمثال على تكتيك النظام في سرقة الحركات الشعبية، عبر تشويه قادتها وشراء ذممهم. المانع الثاني هو الطموح السّياسي لبعض الأسماء المرفوعة لتمثيل الحراك، إذ أن تولّي مسؤولية المرحلة الانتقالية يقتضي الامتناع عن المشاركة في السلطة للسنوات التي تليها، مما يتعارض مع الطموحات السياسية لبعض هذه الأس اء. بالإضافة إلى ذلك، لا توجد أي شخصية تستطيع أن تحقق الإج اع الشعبي حولها، نظرا للتنوع الأيديولوجي، والطائفي، والفكري، والجهوي للمتظاهرين. نتيجة التهميش الطويل للعمل السياسي، ورغم محاولة بعض الوجوه السياسية الانخراط في الحراك إلا أنه تمّ طرد بعضهم من المظاهرات، بغض النظر عن انتماءاتهم الأيديولوجية، سواءً إسلامية أم علمانية، وهو ما يعكس عدم قناعة الشعب الجزائري بالأحزاب السياسية الموجودة، المؤيدة والمعارضة. إن الحرص على الطابع العفوي للحراك، ورفض تمثيله بأسماء مستقلّة أو حزبية، يدفع إلى التساؤل حول إمكانية تحويل الحراك الشعبي إلى برنامج محدد، له ممثلوه، حيث يوجد رهان على نجاح منظمات المجتمع المدني في احتواء وتأطير الحراك-عبر النقابات والجمعيات-لكونها تمتلك مصداقية، لعدم انخراطها في العمل السياسي المباشر، كما أنها لم تستفد كغيرها من امتيازات النظام، وتحظى بالقبول لدى فئات واسعة من الشعب، لكن هذا الرهان يحتاج إلى وقت طويل من العمل الميداني.

كل هذا الفراغ السياسي والشامل الذي أحدثه بوتفليقة حوله في فترة حكمه، جعل مؤسسة الجيش، على لسان قائد الأركان، تعين نفسها ممثلة لمطالب الشعب عبر دعوتها لتطبيق الموّاد 7 و 8 (اللتان تنصّان على أن السلطة للشعب) والمادة 102 التي ترسم خارطة الطريق في حالة استقالة أو إعلان شغور منصب الرئيس.

هذه الدعوات قوبلت ببعض الترحيب والكثر من التوجس، بل أوشكت أن تقسم صفوف المتظاهرين بين مرحّب ورافض لموقف قيادة الجيش. في التاسع من أبريل/ نيسان الماضي، عقب تعي ن رئيس مجلس الأمة كرئيس مؤقت، كما تنصّ المادّة 102 ، تبدّدت كل الاختلافات بين المتظاهرين، حيث بدا للجميع أن النظام ماضٍ في خارطة طريق مرفوضة شعبياً، لأن الوجوه المفروضة دستوريا لتسييرها تتمثل في: رئيس مؤقت (عبد القادر بن صالح) يشرف على الانتخابات، حكومة تنظم الانتخابات، ورئيس مجلس دستوري غير قانوني يعلن نتائجها. كل هذه الأسماء تنتمي الى المحيط المقرب للرئيس المستقيل، ما أعطى للمتظاهرين انطباعا بأن أجندة النظام تقوم على احتواء الحراك الشعبي، وإعادة إنتاج نفسه.

لهذا فإن المرور في هذه الطريق الدستورية، زاد من حدّة المظاهرات ضد الأسماء المقربة من الرئيس المستقيل، أو ما لُقب بالباءات الثلاثة (بن صالح، بدوي، وبلعيز).

فشل تكتيكات النظام
اتّبع النظام عدداً من التكتيكات، بغرض إضعاف الحراك الشعبي، في البداية حاول استعمال تكتيكات كلاسيكية، كأن يثر النعرات الأيديولوجية بين التقدميين (علمانيين) والمحافظين (الإسلامويين)، والنعرات الجهوية عبر وصف بعض المناطق (خاصة منطقة القبائل) بالخونة، وأيضا جدالات اللغة والهوية والخصوصيات الثقافية لمختلف أطياف المجتمع الجزائري. بعد الفشل الذريع لهذه المناورات، حاول النظام استعمال القمع ليفرغ الشوارع من العائلات المتظاهرة والنساء، وهنا أيضا لم ينجح. ثم توجه إلى تحريك العدالة التي وصفها بالجهاز ليضلل المتظاهرين عن مطالبهم الرئيسية، بعد إيداع كل رؤوس الفساد المطلوبة شعبياً السجن. كان الهدف من تلك المناورات هو ربح الوقت انتظاراً لشهر رمضان الذي راهن عليه النظام كلّيا في توقف المظاهرات. إن هذه التكتيكات، بإيعاز من قيادة أركان الجيش، باءت كلّها بالفشل عند أوّل مظاهرة رمضانية ناجحة عبر كل التراب الجزائري. لقد أيقن رئيس أركان الجيش، الذي أصبح الهدف الأول لشعارات المتظاهرين، منذ آخر مظاهرة قبل رمضان، أن خطابه الأسبوعي سيزيد الطّينة بلّة، ما ألزمه السكوت منذ أن استنفد كل التضحيات الممكنة بالرؤوس التي طالب المتظاهرون بالإطاحة بها ومحاسبتها.

السيناريوهات المحتملة
إن الديناميكية المتبعة في الحوار بين الشعب وقيادة الأركان، جعلت هذه الأخرة المسؤول الأول عن سخط الشارع الذي استطاع أن يتجاوز كل المناورات لتقسيمه، والذي بقي ثابتاً في رفضه للحلّ المنصوص عليه في المادّة 102 ، وانتخابات 4 يوليو/ تموز المقبل، التي حاول الجيش فرضها بكل الطرق، لأنها سبيله الوحيد لتجديد الواجهة السياسية التي يحتمي وراءها، وبالتالي إعادة إنتاج النظام. هذه المرة الأولى منذ سنوات العشرية السوداء، التي يجد فيها الجيش نفسه عارياً أمام الشعب، بصفته السلطة الفعلية للبلاد منذ الاستقلال.

إن الجيش لا يتقن لغة السياسية، ولطالما لجأ في مثل هذه الظروف للعنف عندما تفشل كل مناوراته السياسية، لكنه وجد نفسه هذه المرّة مكبّلا في ظل الظروف الجيوسياسية للمنطقة، فضغط الجران الأوروبيين، الذين يحتضنون مصالح قياداته الاقتصادية، يمنع الجيش من اللجوء لقمع المتظاهرين بالذخرة الحيّة كما في 2001 ، مع أحداث العروش في منطقة القبائل وفي العاصمة، حيث بلغ عدد الضحايا آنذاك حوالي 128 .

تبقى هذه المواجهة بين الجيش والشعب خطرة ومفتوحة على كل السيناريوهات، في ظل استحالة تنظيم الانتخابات في يوم 4 يوليو، كما تنصّ المادّة 102 من الدستور. وهو ما يجعل الأوضاع تتجه بخطى ثابتة نحو مجهول سياسي، جرّاء موت الشرعية الثورية التي حكمت البلاد منذ الاستقلال. وفي هذه اللحظة التاريخية تبدو جميع الاحتمالات واردة، والمؤكد هو أن الحل الدستوري لن يفك أزمة النظام، ولن يمكنه من تجديد نفسه، في ظلّ الرفض الشعبي للانتخابات. هذا المآل يفتح المجال لحل سياسي يقوم على مجلس رئاسي مكون من وطنيين نزهاء غر متورطين مع النظام، يقوم بالتحضر لانتخابات رئاسية حرة ونزيهة، وهو ما سيخلط الأوراق من جديد، بالإضافة إلى وجود إشارات عديدة إلى أن قيادة الجيش تحضر نفسها لسيناريو الانتقال الديمقراطي، بطريقة تحفظ لها أكبر قدر من المصالح، وأقوى الضمانات بعدم المحاسبة عن الملفات التي ما تزال حتى الآن مستورة، أو في أسوأ الأحوال بخروج آمن لها ولمصالحها.

لتلخيص الوضع الجزائري الراهن، يمكن القول إننا نقف أمام لعبة شد حبل، بين نظام يرفض الرحيل ويُصر على التجدد وإعادة إنتاج نفسه بمختلف الأساليب، وبين شعب يرفض العودة إلى الوراء.

المصدر: العدد الثامن من مجلة ملفات أسبار الشهرية التي يصدرها مركز أسبار للدراسات والبحوث بمدينة دوسلدورف الألمانية

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *