الرئيسية / مقالات / مستقبل العلاقات التركية الإسرائيلية بين التعثر الاستراتيجي والتعاون التكتيكي

مستقبل العلاقات التركية الإسرائيلية بين التعثر الاستراتيجي والتعاون التكتيكي

حسام أبو حامدمستقبل العلاقات التركية الإسرائيلية بين التعثر الاستراتيجي والتعاون التكتيكي

حسام أبو حامد

لطالما اعتُبرتْ تركيا وإسرائيل حليفتين طبيعيتين، تعاونتا على مدار عقود على مستويات مختلفة لمواجهة أعدائهم الإقليميين المشنركين. في تسعينيات القرن الماضي، تحولت العلاقة بين الجانبين شراكةً استراتيجيةً بعد اتفاقية التعاون الدفاعي لعام 1994 ، واتفاق التعاون العسكري العام 1996 ، من خلال هاتين الاتفاقيتين، أصبحت علاقاتهما العسكرية والأمنية هي الأوثق في الشرق الأوسط ، كانت تركيا بحاجة إلى التطور العسكري والتكنولوجي الإسرائيلي، وخبرتها العسكرية والأمنية في حرب العصابات لمواجهة مقاتلي حزب العمال الكردي، وإلى دعم اللوبي الصهيوني داخل الولايات المتحدة، خصوصًا داخل الكونغرس، منعًا لصدور قرار حول قضية مذابح الأرمن، واستفادت اسرائيل اقتصاديا، وأمنينا، ومعنويا، من تطبيع علاقاتها مع دولة إسلامية كبرى في المنطقة. توطدت العلاقات بين الجانبين من خلال تهديدات أمنية مشاركة لكلا البلدين، خصوصاً من سوريا وإيران والعراق، وتشاركتا العديد من المصالح، تقاربا مع الغرب، وحليفين وثيقين للولايات المتحدة الأميركية. كان ذلك قبل أن يطرأ تغيرّ يكاد يكون جذريا على طبيعة العلاقات بين البلدين، نتيجة جملة من العوامل، بدءاً من القرن الحادي والعشرين، ارتبط بعضها بالوضع الداخلي في تركيا ممثلاً بصعود حزب العدالة والتنمية، ذو الخلفية الإسلامية، إلى سدّة الحكم، وتقلّص نفوذ المؤسسة العسكرية، وبعضها الآخر ارتبط بالصراع العربي الإسرائيلي. أما اندلاع ثورات الربيع العربي، فكان لها أثر في بلورة الخريطة الجديدة للعلاقات بين البلدين.

استثمار الجوار القريب
مع وصول حزب العدالة والتنمية إلى سدّة الحكم في تركيا العام 2002 ، استمرت العلاقات الديبلوماسية المتبادلة. زار رجب طيب أردوغان إسرائيل، وأدان معاداة السامية. وبالتوازي مع العلاقات الاقتصادية المتطورة باضطراد واضح بين البلدين، لعبت تركيا دور الوسيط بين إسرائيل ودول عربية وإسلامية، مثل سوريا والباكستان، وانتهجت سياسة براغماتية في مراعاة تحالفها مع الولايات المتحدة، وعلاقاتها بإسرائيل، وسعيها إلى عضوية الاتحاد الأوروبي.

كانت عرقلة أوروبا لعضوية تركيا أحد الأسباب التي دفعت الأخيرة إلى البحث عن هويتها بوصفها قوّة إقليمية كبرى، وبرز الوزن النوعي للعوامل الجيوسياسية، والسياسية الداخلية، والدوافع الأيديولوجية، التي دفعت حزب العدالة والتنمية إلى إحداث تغير تدريجي في السياسة التركية، فتركزت استراتيجية الحزب على استثمار الجوار القريب، وتفعيل العمق الاستراتيجي، عبر تفعيل وتنشيط مجمل العلاقات السياسية والاقتصادية والثقافية مع العالمين العربي والإسلامي _ حسب السياسة التي رسمها مستشار أردوغان السابق، ووزير خارجيته في حينه، أحمد داود أوغلو).

سعى أردوغان وحزبه إلى إعادة بناء الهوية التركية التي تتوافق مع تقاليدها الإسلامية “العثمانية الجديدة”، وزيادة الارتباط الثقافي بمنطقة الشرق الأوسط، ما أدى إلى تضارب الآراء حول القضايا السياسية ببن الجانببن، وأثّر سلبا على العلاقات التركية الإسرائيلية، التي انحرفت تدريجيا عن مسارها الاستراتيجي حتى دخلت في مرحلة فتور شديد، نتيجة العديد من ملفات المنطقة التي اسهمت في تباعد الطرفين.

الملف الفلسطيني
بعد عملية مدريد للسلام العام 1991 ، استأنفت تركيا من جديد علاقاتها الديبلوماسية مع إسرائيل على مستوى السفراء، وشرعنت اتفاقية أوسلو العلاقة بين تركيا وإسرائيل في نظر الجمهور التركي، لكن الصراع بين السلطة الفلسطينية بقيادة حركة فتح، وبين حركة حماس، أدى إلى زيادة تعقيد العلاقات التركية الفلسطينية، وإضافة طبقة أخرى من التعقيد إلى المثلث التركي الإسرائيلي الفلسطيني. تدريجيا تبنى أردوغان وحزبه موقفاً يربط العلاقات مع إسرائيل بسلوكها تجاه الفلسطينيين، واستمرار احتلالها للأراضي العربية الذي بات جزءًا من النقاش السياسي العام في تركيا، ويؤثر على مواقف الاحزاب التركية وشعبيتها، وتدريجيا انعكست قوة الحزب الداخلية على العلاقة مع إسرائيل، وحاولت السياسة التركية التي قادها أردوغان وحزبه التخفيف من بعض الالتزامات والروابط، بشكل هادئ وبطيء لا يؤدي إلى أزمات حادة مع إسرائيل، ولا يستثير الغرب ضدّ أنقرة.

تمكنت تركيا في بعض الأحيان من فصل علاقاتها الأيديولوجية مع حماس عن مصالحها في العلاقات مع إسرائيل، لكن الصراع المستمر بين الفلسطينيين وإسرائيل، لاسيما في غزة التي تسيطر عليها حركة حماس، الحليف الايديولوجي لحزب العدالة والتنمية، وتطوراته، والحصار الإسرائيلي المفروض على القطاع، والحروب المتكررة التي شنتها إسرائيل ضده، أدّى كل ذلك إلى تأزم العلاقات، وكانت إحدى ذرواتها في العام 2010 حين اعتدت القوات الإسرائيلية على سفينة مساعدات تركية متجهة إلى غزة، وقتلت ناشطين أتراك على متنها. رفض إسرائيل لمطالب تركيا لتسوية الازمة دفع الأخيرة إلى طرد السفير الإسرائيلي لديها في سبتمبر/ أيلول 2011 ، وإلغاء جميع الاتفاقيات العسكرية بين الدولتين.

تطبيع العلاقات بين تركيا وإسرائيل في العام 2016 ، بتوسط الولايات المتحدة، أكّد من حيث المبدأ، على أهمية الشراكة بين البلدين، لاسيما فيما يتعلق بالمصالح الاقتصادية القوية، فرغم قطيعة ديبلوماسية دامت ست سنوات، ظلّت تركيا خامس أكبر شريك تجاري لإسرائيل، وبرزت الأهمية الاقتصادية النوعية في حينه في المفاوضات حول صفقة طاقة يمكن أن تحول إسرائيل إلى مُصدّر للغاز، وتركيا إلى بوابة رئيسية له باتجاه أوروبا. رغم ذلك لم يعد الحليفين السابقين إلى اتخاذ موقف موحّد من القضايا ذات الاهتمام المشترك، كما في السابق، وأظهرت التطورات اللاحقة مدى انقسام الطرفين حول قضايا مركزية، أهمها القضية الفلسطينية، فطردت أنقرة في مايو/ أيار 2018 ، السفير الإسرائيلي، بعد أن قتل الجيش الإسرائيلي العشرات من الفلسطينيين، خلال اشتباكات عنيفة في قطاع غزة، تزامنت مع مراسم الاحتفال بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس، بقرار من الرئيس الأمريكي، الذي رفضته تركيا، وردّت إسرائيل بخطوة مماثلة.

الصراع على سوريا
نظرا لكثافة الاستثمار التركي في منطقة الشرق الأوسط، الذي تحولت معه تركيا، بفضل ديناميكية تحركاتها وآليات تفاعلاتها حيال القضايا العربية سياسياً، واقتصادياً، وثقافياً، إلى طرف رئيس وفاعل على مسرح الإقليم، الذي كان في عقود سابقة يحظى بوضع هامشي نسبياً ضمن أولويات السياسة التركية الخارجية.

في بداية الحدث السوري، بدت تركيا قائداً في معركة الإطاحة بالنظام، وظنّت أن تغيّراً ديمقراطياً يقوم على قيم الإسلام ممكن في الحالة العربية أيضا، وكانت سوريا هي حقل اختبار لهذا الطرح، وتحملت مخاطر كبرة في مواجهة روسيا التي تدخّلت لإنقاذ النظام، مع إسقاط المقاتلة الروسية في عام 2015 . حاولت إسرائيل استغلال هذا التوتر بين تركيا وروسيا، لكن تطورات الازمة السورية وفّرت مزيداً من المصالح المشتركة، بين موسكو وأنقرة، أذابت جليد الخلافات بينهما، واستطاع أردوغان وبوتين تجاوز مجموعة من محطّات الخلاف، لصالح تقاربهما طرفين مؤثرين في مستقبل سوريا.

حرصت كل من تركيا وإسرائيل على التعاون في الملف السوري، فتشاركتا القلق من انتصار الرئيس الأسد بمساعدة الإيرانيين، لكن منذ عام 2016 ظهرت حوافز جديدة للتعاون، لا سيما بعد محاولة الانقلاب العسكري في تركيا في تموز/ يوليو 2016 . فشل الانقلاب أضعف كثرًا نفوذ حليفَي إسرائيل التقليديين في تركيا؛ المؤسسة العسكرية، والبيروقراطية الكمالية.

سقوط الأنظمة السياسية أوجد بيئة أمنية مغايرة تتسّم بعدم الاستقرار والسيولة والتفكك، ما دفع باتجاه إعادة صياغة أنماط التحالفات الإقليمية، وبروز ظواهر أمنية وتهديدات بدت وفق الإدراك ال ركي مرتفعة الحدّة. تعارض هذا التوجه التركي مع تخوف إسرائيلي من أن يفضي صعود نخب عربية منتخبة ديموقراطياً إلى السلطة إلى تغير قواعد إدارة الصراع العربي الإسرائيلي، لكن الطرفان حافظا على أسبابهما الخاصة للقلق تجاه التطلعات الإيرانية في المنطقة، ومخاطرها المتنامية في نظر الطرفين، منذ الإطاحة بالنظام العراقي، وتمدّد النفوذ الإيراني من العراق إلى سوريا.

في النصف الثاني من عام 2017 ، في ضوء النصر الوشيك للأسد، غيّرت تركيا مواقفها، وتوقفت عن تحدي دمشق ومؤيديها. أشارت عملية أستانا إلى أن تركيا بدأت بالتخلي عن مناهضتها لإيران، ما أقلق إسرائيل ودولاً عربية. أما دعم إسرائيل للاستقلال الكردي في العراق فبدأ يأخذ في سوريا أبعاداً إضافية.

وفي مقابل الاستفادة الروسية من الدور التركي المؤثّر على المعارضة السورية، استفادت تركيا من الثقل المتصاعد لروسيا لضمان مصالحها، من خلال اللعب على وتر الموازنة بين روسيا والولايات المتحدة. وبتنسيق مع روسيا، قامت تركيا بعمليتين عسكريتين كبيرتين في منطقتي الباب وعفرين لتأمين الشريط الحدودي السوري من سيطرة “داعش”، وقوات سوريا الديمقراطية. هذا التنسيق التركي المتعاظم مع روسيا، الذي انضمّت إليه إيران، هدّد بترسيخ التباعد والتوتّر بين تركيا والولايات المتحدة، وبالتالي مع حليفتها إسرائيل.

لكن التحالف الروسي الإيراني التركي لم يعد مرشحا للاستمرار مع بروز حالة من اختلاف الرؤى والمصالح بين الحليفين الروسي والإيراني في سوريا، بعد أن انتهت العمليات العسكرية التي قام بها الطرفان مساندة للنظام. وفضّلت روسيا مصالحها مع إسرائيل في مواجهة إيران، واستأنفت إسرائيل استهدافها لمواقع عسكرية إيرانية بعلم روسيا، لاسيما بعد إعلان الطرفين الروسي والإسرائيلي عن “تنسيق” عسكري، ولوجيستي متعدد الجوانب، لإخراج “كافة القوات الأجنبية من سوريا”.

خلاصة
دعم تركيا ودول أخرى لحركات الانتفاضة المسلحة السورية منن دون تدقيقٍ كافٍ في طبيعتها، أسهم في تحوّل انتفاضة السوريين إلى حرب أهلية، تنامت فيها التداخلات الإقليمية والدولية، وتزايدت حدة الاستقطابات بين أطراف الصراعات المسلحة الدائرة، وقيّدت من فاعلية الدور التركي في تحقيق النتائج المطلوبة وأظهرت حدوده، سواء من منظور القدرة على المعالجة الناجحة لأزمات المنطقة، أو حتى توظيف النشاط السياسي والدبلوماسي التركي في تعزيز مكانة تركيا. تزعزعت الثقة بين تركيا والولايات المتحدة في سوريا على خلفية الدعم الأمركي لقوات سوريا الديمقراطية، ورفض الولايات المتحدة تسليم رجل الدين التركي المنفي، فتح الله غولن، لكن هناك فرص للتقارب، إذ كان للعلاقات الإسرائيلية التركية تقليدياً العديد من الآثار على الولايات المتحدة، مكّنت من إجراء حوار استراتيجي ثلاثي أمريكي إسرائيلي تركي لتعزيز مصالحهما في الشرق الأوسط. وللولايات المتحدة أيضًا استراتيجية واقتصادية في صفقة غاز إسرائيلية تركية قبرصية محتملة. من منظور الولايات المتحدة، يمكن أن يكون المستفيد من اكتشافات البحر الأبيض المتوسط للغاز على حساب روسيا وإيران، عضوًا في الناتو (تركيا) وشريكًا في الاتحاد الأوروبي (قبرص) وحليفًا مهماً (إسرائيل).

لا تستطيع إسرائيل قطع علاقاتها مع دولة تُعتبر ممر النفط إليها، ولا هي تأمل بعودة علاقاتها الاستراتيجية معها، في ظل حكم العدالة والتنمية. العلاقات بين تركيا وإسرائيل تعرضت للتعثرّ، لكنها لم تصل بعد حدّ القطيعة، ومهما ارتفعت حدّة الخطاب الشعبوي للساسة الأتراك، تتجنب تركيا المواجهات المباشرة والحادة مع أيّ طرف، وهي تدرك صعوبة تحركها منفردة دون شركاء إقليميين، من جهتها تدرك إسرائيل أن تحالفها مع اليونان وقبرص اليونانية لن يكون بديلاً مقنعاً عن مكاسب تحالفها مع تركيا، فالعلاقات مع تركيا كانت دائماً ضرورية لإسرائيل، التي تريد أن تصبح مصدراً رئيسياً للطاقة عبر تطوير حقول الغاز في المتوسط، على رغم ترددها الضمني وخشيتها من خطورة ربط نفسها بأي صفقة ضخمة مع نظام أردوغان، ليكون جزءاً من استراتيجية تصدير الغاز، إذا أن أي أزمة جديدة تندلع، قد تدفع أردوغان لوقف المشروع واحتجاز إسرائيل كرهينة.

ورغم استمرار التباعد في الأهداف الأمنية والسياسية، فإن المصالح الاقتصادية، وفرصها المستجدّة لاستثمار الطاقة في المتوسط، والخطوات المتقدمة في التصعيد الأمريكي تجاه إيران، ونذر حرب خليج جديدة، قد تدفع
الولايات المتحدة إلى تحقيق انفراج في علاقاتها مع تركيا، والضغط على كل من تركيا وإسرائيل من أجل تحالف
تكتيكي ثلاثي، يجدون فيه مصلحة في دفع إيران إلى تغير سياستها، والحدّ من نفوذها في المنطقة، وتسمح بالمضي في عملية سياسية في سوريا، بالتعاون مع روسيا، فإسرائيل وتركيا ليس بإمكانهما وحدهما مواجهة التمدد الإيراني، وتوفّر لهما التطورات الحالية فرص إدارة مواجهة ضد إيران، بقيادة الولايات المتحدة. أما التحالفات الاستراتيجية فلم تعد ممكنة في إقليم تتسارع فيه التطورات، وتتعارض فيه مصالح الأطراف حيناً، وتلتقي حيناً آخر.

المراجع
1 .1 برتران بادي وآخرون، أوضاع العالم 2017 : من يحكم العالم؟، ت. نصر مروة (بروت: مؤسسة الفكر
العربي، 2016).
2. KILIÇ BUĞRA KANAT and others, US-TURKEY RELATIONS UNDER THE AK PARTY, An
Almanac, (Istanbul: SETA Publications 26, 2017)
3. Hillel Fradkin and others, AKP’s New Turkey, Current Trends in Islamist Ideology, (hudson institute,
volume 11, 2011) P40, at: https://www.hudson.org/content/researchattachments/attachment/
1281/20110425_ct11final.pdf
4. Jonathan Marcus, Israel and Turkey end rift over Gaza flotilla killing, bbc news, 27 June 2016, at:
5. https://www.bbc.com/news/world-middle-east-36639834

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *