الرئيسية / مقالات / التهديدات الإيرانية لإغلاق «هرمز» والسيناريوهات المحتملة

التهديدات الإيرانية لإغلاق «هرمز» والسيناريوهات المحتملة

التهديدات الإيرانية لإغلاق «هرمز» والسيناريوهات المحتملةالتهديدات الإيرانية لإغلاق «هرمز» والسيناريوهات المحتملة

معن الموسى

تُبنى فرضية إغلاق مضيق هرمز، من قبل إيران، على موقف متشدّد يرتكز على منع الآخرين من تصدير نفطهم أي (دول الخليج)، في حين تُحرم إيران من قبل الولايات المتحدة هذا الحق. قد تُنفذ عملية إغلاق مضيق هرمز بوجه الملاحة الدولية، عبر الوسائل العسكرية، من خلال عدة خيارات متاحة لإيران، مثل إغراق ناقلة نفط عملاقة داخل الممر المائي، ونشر ألغام بحرية على نطاق واسع، واستخدام صواريخ بر-بحر، وبحر – بحر، لمنع السفن وناقلات النفط من الحركة في المضيق.

الإجراءات الأمريكية
اتخذت الولايات المتحدة سلسلة من الإجراءات التي تعتبرها عقوبات ضرورية ضد إيران وبرنامجها النووي، بهدف التضيق عليها وخنقها اقتصادياً لتجبرها على التخلي عن برنامجها النووي وقدراتها الصاروخية العسكرية. أما على المستوى الاستراتيجي، فإن الولايات المتحدة لا تقبل أن تبقى ايران عامل هيمنة في منطقة الخليج والشرق الأوسط. جاءت العقوبات الأمريكية ضد إيران، مع إدارة الرئيس دونالد ترامب، ثم أخذت تتصاعد تدريجياً مع مرور الوقت. إذْ بعد مرور ستة أشهر، كمدة للإعفاء الأمريكي لكبار الدول المستوردة للنفط الإيراني، ألغي هذا الاعفاء ليجبر تلك الدول على وقف استيراد النفط من إيران.

من خلال بيان سابق للبيت الأبيض على لسان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أصبحت صادرات النفط الايرانية “صفراً”، من أجل حرمانها من مصدر دخلها الاستراتيجي. إذا ما أُغلق مضيق هرمز لأي سببٍ كان، فإن شحنات النفط المصدرة إلى العالم، وخصوصاً إلى الاسواق الآسيوية كاليابان والهند والصين، ستنخفض بنحو يقدر بين % 20 إلى % 30 ، رغم تحويل بعض شحنات النفط عبر أنابيب، لكن قدرتها الاستيعابية تبقى ضعيفة وأكثر كلفةً.

أجواء حرب أم مفاوضات أمريكية -إيرانية؟
في سبيل بناء القوة العسكرية اللازمة بمنطقة الخليج، أرسلت الولايات المتحدة حاملة الطائرات “ابراهام لنكولن” تنفيذاً لإعلان وتهديد ردعي مسبق ضد إيران. مع وصول القاذفات من نوع بي-52 وطائرات إف 35 – الضاربة، لقاعدة العديد الجوية في قطر، تكون الولايات المتحدة قد ترجمت ردود فعلها المبنية على معلومات استخباراتية، بأن إيران تخطط لشن هجمات عسكرية ضد القواعد الأمريكية في المنطقة.

نتيجة لجدية التهديد والتصعيد العسكري الأمريكي، تحاول إيران القيام بمجموعة من التدابر، التي تضمن استمرارية صادراتها النفطية، سواءً بتدابر عسكرية كخيار مكلف، أو مفاوضات ديبلوماسية، وهذان الخياران، من وجهة نظر المتشددين الإيرانيين، كلاهما أسوأ من الآخر.

تطرح الضغوط الأمريكية المتزايدة على إيران العديد من الأسئلة حول المسار الذي ستتبعه سياسة المرشد الأعلى “علي خامنئي”، وهل هناك تحديات ترغم إيران على العودة إلى طاولة المفاوضات، لكن بالتأكيد من دون التخلي بشكل كامل عن مشروعها النووي والصاروخي البالستي؟ أسباب المواجهة بين الطرفين الأمريكي والإيراني تتعلق بملفات عدّة، إذ أنه بالإضافة إلى المشروع النووي الإيراني، وبرنامج الأسلحة الصاروخية البالستية، هناك تمدّد إيران في عدد من دول المنطقة، وتهديد أمن إسرائيل، والمصالح الاستراتيجية لواشنطن في المنطقة.

يدرك النظام الإيراني أن أية مواجهة عسكرية مع أمريكا قد تقود إلى نهاية النظام كاملاً، ما يعني تدمر تجربة الثورة الإيرانية التي امتدّت لعقود، وهيمنة الطبقات المسيطرة في النظام. ورحيل الثورة الايرانية الإسلامية التي عاشت لعدة عقود، رغم عدائها للغرب، وتدخلها السافر في العراق وسوريا واليمن.

تمتلك إيران إمكانات عسكرية تراكمت منذ حرب الخليج الأولى بين عامي 1980 و 1988 ، وثمة تقسيم للأدوار والنفوذ بين المؤسسة العسكرية والحرس الثوري، وهذا الأخر هو الرقم الصعب في ترتيب النفوذ الإيراني في دول الجوار، لكن ما هي القدرات القوات العسكرية الإيرانية تجاه حرب مباشرة مع أمريكا؟

قد لا يعني الحشد الحالي، وبشكل أوتوماتيكي، أن الحرب المباشرة ستندلع، إذ أن الديبلوماسية الإيرانية تفكّر في استثمار الزمن، وتعوّل على خسارة الرئيس ترامب الانتخابات الرئاسية الأمريكية المقبلة، لكن حتى في حال نشوء حرب محدودة، فإن الخسائر الإيرانية من شأنها أن تدفع إيران إلى خوض مفاوضات مع واشنطن، لن تكون، هذه المرّة، في مصلحة النظام الإيراني، الذي سيكون مضطراً لتقديم تنازلات كبرة ومؤلمة.

لكن واشنطن قد تدفع إيران إلى استخدام قوتها العسكرية، وبالتالي خوض معركة تنهي النظام الإيراني دفعة واحدة، لكن هذا الأمر يبقى أحد السيناريوهات.

الإمكانيات العسكرية الإيرانية
القوة العسكرية الإيرانية تُعدّ قوة يعتدّ بها عالمياً، اذْ تحتل المرتبة الثامنة عالمياً من حيث تعداد وحجم القوات العاملة في الخدمة العسكرية البرية والبحرية والجوية، التي تصل إلى ما لا يقل عن 500 ألف جندي نظامي.

القوات البرية
الحرس الثوري الإيراني هو أهم ركن في الجيش الإيراني، وله ميزات تطغى على باقي وحدات الجيش، وتقدر قوته البشرية بحوالي 190 ألف جندي، منهم 15 ألفاً تابعون لفيلق القدس، وتتفوق إيران على دول الجوار والمنطقة من ناحية القوة البرية العسكرية، وتقاس القوة البرية بتعداد الدبابات التي تخطّت حاجز 1000 دبابة، لكن من المؤكد انها تبقى ضعيفة مقابل القوة البرية الأمريكية، من حيث التسليح والتجهيز.

فعدد الدبابات الأمريكية أضعاف قدرة إيران، فضلاً عن التطوّر التسليحي في المنظومة العسكرية الأمريكية، لا سيما وأن دباباتها القتالية هي من الجيل الحديث، مقارنة بدبابات إيران القديمة.

القوة البحرية
زادت إيران من قوتها البحرية في العقد الأخر، حيث يزيد أسطولها البحري عن 400 قطعة بحرية. وهو ما يمكّنها في الظروف العادية من فرض السيطرة والمناورة العسكرية البحرية في مياه الخليج ومضيق “هرمز” وحتى بداية المحيط الهندي، لكن بصورة محدودة النطاق، ولا يمكنها منافسة القوة البحرية الأمريكية الضاربة.

بحسب بعض التقارير، فإن قوة الطران الإيراني بين طائرات مقاتلة وأخرى ناقلة للجنود والمواد اللوجستية والطائرات العامودية، تقدّر بعدد يفوق حاجز ال 400 طائرة، وتستطيع تغطية مجال كشف راداري لغاية 1000 كيلو متراً. إلا ان القوة الجوية الإيرانية قديمة، وتبقى محدودة القدرات خارج المجال الجوي الإيراني.

تعتبر الصواريخ البالستية والجوالة في الحرب والعمليات العسكرية الحديثة بأنها اهم أسلحة الحرب المشتركة في القرن الحالي. تمتلك إيران منصّات صواريخ متعددة الأنواع والأدوار والقدرات، تستطيع من خلالها مشاغلة أهداف جوية، بالإضافة لأهداف برية وبحرية.

تعادل منظومة الدفاع الجوي الإيرانية قوة المنظومة الروسية إس 300 -، ويطلق عليها منظومة “باور 373 ”، ومن المؤكد أن إيران تمتلك في مستودعاتها مخزوناً كافياً من صواريخ “كروز”.

بالمقابل، تمتلك الولايات المتحدة الأمريكية تعداد قوات يفوق القوة الإيرانية ب 30 ضعفاً، وقامت مؤخراً بإرسال منظومة دفاع جوي تعزيزية للمنطقة المعروفة باسم “باتريوت باك 3- “ المتطورة.

القوات الأمريكية المسلحة لديها قدرة رادارية متفوقة جداً، وتعتمد أكثر على الأقمار الصناعية، حيث بإمكانها توجيه الصواريخ بدقة عالية جدا، باتجاه أهدافها داخل إيران.

بالمحصلة، لا توجد أية مقارنة موضوعية أو توازن عسكري ما بين إيران والولايات المتحدة. وبالتالي فإن إيران ستكون هي الخاسرة عسكرياً، في أي مواجهة عسكرية مع الولايات المتحدة، سواءً كانت محدودةً ام شاملةً.

الإجراءات الإيرانية في مواجهة الحشد العسكري الأمريكي
منذ أن أُعلن عن تحريك حاملة الطائرات “ ابراهام لنكولن” الأمريكية، إضافة إلى قطع بحرية تسمى “مدمرات”، وسفينة طبية عبارة عن مستشفى بحري متنقل، يتسع لحوالي 1000 سرير، قامت طهران ببعض الاجراءات التحضيرية الاستباقية، وهي:
• حددت مجموعة من الأهداف الحيوية الأمريكية التي من الممكن أن تقوم بضربها في حال تعرضت لهجوم عسكري.
• رصدت مجموعة من الأهداف والقواعد الأمريكية في المنطقة، ودول الخليج، تقدر بعشرات القواعد العسكرية.
• حدّد الحرس الثوري الإيراني أهدافاً استراتيجيةً خاصةً بالجيش الأمريكي، خارج منطقة الخليج العربي، لضربها عن طريق قوات وميليشيات تابعة لفيلق القدس، في العراق وسوريا ولبنان وأفغانستان.
• سبق وأن زوّدت إيران ميليشيات عراقية، ومن بينها قوات الحشد العراقي، بصواريخ بالستية قصرة المدى، يصل مداها إلى 700 كيلو متر، بذريعة الحرب على الإرهاب، لكنها في حقيقة الأمر جاءت للردّ على أية هجمات إسرائيلية وأمريكية محتملة.
• رغم أن هنالك احتمال ضعيف أن يكون للحوثيين القدرة على التأثر والسيطرة على منطقة مضيق باب المندب، إلا أن دورهم العدائي ضد السفن الحربية الأمريكية في جنوب البحر الأحمر ومضيق عدن لا يمكن تجاهله.

خيارات الحرب الأمريكية –الإيرانية
• لا تمتلك إيران حالياً إلا ورقة ضغط واحدة، وهي إغلاق مضيق هرمز، ومنع دول الخليج العربي من تصدير النفط.
• أجرت إيران مؤخراً مناورات بحرية عسكرية مشتركة مع البحرية العمانية، في منطقة مضيق هرمز ومياه الخليج العربي لعدة أيام، بهدف تعزيز القدرة القتالية الإيرانية.
• حذّر وزير الطاقة الإسرائيلي “يوفال شتانير” من شنّ إيران هجمات صاروخية بالستية ضد إسرائيل.
• من الممكن أن يتم تفعيل دور حزب الله اللبناني والجهاد الإسلامي في غزة.
• لم يُسمع اي تعليق من قبل رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو حول الحرب القادمة في الخليج. قد يعني التزام الصمت من قبل الحكومة الإسرائيلية الكثسر حول دور إسرائيلي محتمل في الحرب الأمريكية ضد إيران.
• قيام إيران بعمليات تخريبية وإرهابية في عمق الدول الخليجية عن طريق انتحاريين، او استخدام قوارب مطاطية صغرة ملغمَّة، وطائرات مسرة، لمهاجمة بعض الموانئ الخليجية.
• سيؤدي أي هجوم عسكري أمريكي مكثف على إيران، من خلال ضرب بعض المواقع الحيوية بطريقة استباقية، إلى توجيه صدمة مفزعة ومباغتة للجيش الايراني وشلّ حركته.
• استمرار بناء وعرض القوة العسكرية الأمريكية، التي قد تصل إلى 120 ألف جندي، من شأنه أن يخيف النظام الإيراني، وربما يجبره على الرضوخ، للجلوس إلى طاولة المفاوضات، حسب الشروط الأمريكية.
• إذا ما قامت إيران بزراعة ألغام بحرية في مياه الخليج العربي وخليج عمان ومضيق هرمز، فإن عملية تفكيكها ونزعها وإزالتها تحتاج إلى وقت طويل، ما يتسبب بكارثة عالمية على صعيد تصدير النفط إلى جميع دول العالم الصناعية.
• من المشكوك فيه نجاح الاتحاد الأوروبي في العمل لصالح إيران، من اجل ضبط النفس، ومحاولة إقناع الولايات المتحدة بالالتزام ببنود الاتفاق النووي السابق مع إيران، من أجل منح إيران فرصة تراجع مشرّفة امام الرأي المح ي الإيراني والعالمي.
• اقتصادياً، في حال توقّفت الصادرات النفطية الإيرانية، واندلاع المواجهة العسكرية مع الولايات المتحدة، فإن أسعار النفط ستتخطى عالمياً حاجز 100 دولار للبرميل، ما يحدث أزمة نفطية واقتصادية عالمية.
• على الأرجح ألا تنجح اليابان والصين، وهما أكثر مستوردين للنفط، بالضغط على الولايات المتحدة، لتخفيف العقوبات على إيران، بحجة المصالح التجارية والصناعية الدولية.
• زيادة قدرة تخصيب اليورانيوم من قبل إيران، في محاولة منها لتجهيز بعض الرؤوس النووية، لتحميلها على صواريخها البالستية وتهديد المنطقة بها.
• يُحتمل بقاء الأمور على وضعها الحالي، ويبقى التصعيد والمناوشات من خلال التصريحات الإعلامية الهجومية من الطرفين، وبقاء القوة الأمريكية في الخليج، لتسهيل مرور الشحنات النفطية العربية، وإيقاف الجزء الأكثر من صادرات النفط الإيرانية أو جميعها.

السيناريوهات العسكرية الأمريكية المحتملة:
• السيناريو الأول: حصار عسكري أمريكي خانق ضد إيران، بهدف إضعاف النظام الإيراني، اقتصادياً وعسكرياً، لأقى درجة ممكنة.
• السيناريو الثاني: شن ضربات صاروخية أمريكية موجهة عن بعد، ضد أهداف عسكرية واستراتيجية إيرانية، بهدف شلّ القدرات العسكرية، ومراكز الثقل الإيرانية التقليدية.
• السيناريو الثالث: تنفيذ هج ات جوية أمريكية مكثفة، بهدف تجريد إيران من قدراتها الصاروخية البالستية، وربما تدمر عدد من مفاعلاتها النووية.
• السيناريو الرابع: حرب شاملة (جوية أولاً، وبحرية ثانياً، وبرية ثالثاً)، بهدف إسقاط النظام الإيراني.

الخلاصة
تتبنى العقيدة القتالية للجيش الأمريكي فكرة استخدام القوة العسكرية الساحقة ضد العدو المُحتمل، لذلك من عادتها أن تقوم بنشر أساطيلها ومدمراتها البحرية في محيطات وبحار العالم لتحقيق هذه الاستراتيجية.

رغم ان الرئيس ترامب تحدث بشكل صريح أنه يريد التوصل إلى اتفاق جديد مع القادة في طهران، وليس شن حرب، وهذا ما أيّده الرئيس الإيراني حسن روحاني، إلا أن النوايا الامريكية الحقيقية لا يمكن فهمها من خلال التصريحات المضللة في كثر من الأحيان.

في هذا الإطار، يمكن أن تفضي الأزمة الأمريكية – الإيرانية إما إلى صدام عسكري، يصعب التكهن بمداه على الأرض، وبمدته الزمنية، ونتائجه النهائية، أو إلى رضوخ إيران للجلوس إلى طاولة المفاوضات مرغمةً، وبشروط خارجة عن ارادتها، لتفادي سقوط النظام الإيراني، كما سقط النظام العراقي السابق، بالقوة العسكرية الأمريكية.

المصدر: العدد الثامن من مجلة ملفات أسبار الشهرية التي يصدرها مركز أسبار للدراسات والبحوث بمدينة دوسلدورف الألمانية

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *