الرئيسية / مقالات / قمم مكة الثلاث: المواجهة مع إيران و”دستور إسلامي جديد”

قمم مكة الثلاث: المواجهة مع إيران و”دستور إسلامي جديد”

عبد الناصر حسوقمم مكة الثلاث: المواجهة مع إيران و”دستور إسلامي جديد”

عبد الناصر حسو

مقدمة

شكّلت حادثة استهداف أربع سفن في المياه الإقليمية الإماراتية، وإطلاق الحوثيين صواريخ بالستية إيرانية الصنع على أهداف في السعودية، سبباً من أسباب دعوة السعودية والإمارات إلى عقد قمتين طارئتين (قمة عربية، وقمة خليجية)، قبل يوم واحد من انعقاد الدورة 14 للقمة الإسلامية في مكة، في 31مايو/ أيار الماضي، بعد وصول التهديدات الإيرانية للعالم العربي إلى مستوى غير مسبوق، وإصدار إيران تهديدات مباشرة للممرات البحرية في الخليج العربي، تشكّل خطراً على صادرات الطاقة من الخليج إلى دول العالم.

كثّفت السعودية جهودها الدبلوماسية وتحركاتها السياسية تمهيداً لإعادة ترتيب الأولويات، وتحقيق توافقات سياسية حول المخاطر القائمة، حيث بحث قادة الدول في القمم الثلاث منظومة العمل الخليجي/ العربي المشترك التي تتعرض للمخاطر، وآليات التنسيق، لتعزيز أمن الخليج، بهدف توحيد المواقف الخليجية والعربية، في إشارة إلى إذابة جبل الجليد بين دول مجلس التعاون وقطر، حيث عانت العلاقات الخليجية من تبعات الأزمة مع قطر، إلا أن حضور قطر للقم الثلاث لم يأتٍ نتائجه المرجوّة، تحديداً لجهة بقاء الموقف القطري على حاله، وهو ما بدا من خلال رفض قطر لمخرجات البيان الختامي المتعلّقة بالموقف من إيران.

تضمّن البيان الختامي للقمة الخليجية الطارئة تسعة بنود، انطلقت من التركيز على مفهوم الأمن المشترك لدول الخليج العربي، وما يشتمل عليه هذا المفهوم من الناحية العملية على المصالح الخليجية، حيث لا يمكن الفصل بشكل قطعي بين مصالح دولة ما عن بقية الدول، نظراً إلى تجارب سابقة، مثل حربي الخليج الأولى والثانية، بالإضافة إلى اعتماد معظم ميزانيات الدول الخليجية على العوائد المالية لتصدير النفط والغاز.

في البند الرابع من البيان، تمّ التأكيد على طبيعة السياسة الدفاعية لمجلس التعاون الخليجي، والقائمة على “مبدأ الأمن الجماعي المتكامل والمتكافل لغرض الدفاع عن كيان ومقومات ومصالح دوله وأراضيها وأجوائها ومياهها الإقليمية، والتأكيد على المبادئ التي تضمنتها اتفاقية الدفاع المشترك بين دول مجلس التعاون من أن أمن دول المجلس وحدة لا تتجزأ، وأن أي اعتداء على أي من الدول الأعضاء هو اعتداء عليها جميعاً، وما تضمنته مبادئ النظام الأساسي لمجلس التعاون وقرارات المجلس الأعلى بشأن التكامل والتعاون بين دول المجلس للحفاظ على الأمن والسلام والاستقرار في دول المجلس”.

السعودية والإمارات تدركان حجم التباينات في المواقف الخليجية، والمؤسسة على عدد من القضايا الإشكالية، بعضها قضايا تاريخية لم تجد طريقها للحل، خصوصاً أن الثقل الكبير العسكري والمالي والديموغرافي للسعودية، كان قد انعكس في هيئة مخاوف لدى بعض الأطراف الخليجية، حتى ضمن النظام الأمني والدفاعي الخليجي، ومع ذلك، فإن إعادة التأكيد على أهمية الاتفاقات المتعلّقة بالدفاع المشترك بين دول الخليج تبقى مسألة راهنة وحيوية بالنسبة للسعودية، فما هو مطلوب، من وجهة نظر صانع القرار السعودي وضع المخاطر المحتملة، وسياقات تطوّرها خلال السنوات الأخيرة، بوصفها تهديداً وجودياً، ليس فقط للسعودية، وإنما أيضاً لكامل المصالح الخليجية، ومحاولة الفصل بين التباينات في المواقف الخليجية تجاه القضايا البينية وبين الموقف من إيران.

وبطبيعة الحال فإن سياق تطور الأحداث الميدانية، وتحوّل المواجهة بين المحور السعودي-الإماراتي وإيران من مواجهة غير مباشرة في ساحات المشرق العربي إلى مواجهة مباشرة في المياه الإقليمية المشتركة، فرض نفسه من بوابة التأكيد على الدور الأمريكي في منظومة الأمن والاستقرار في الخليج بصفة خاصّة، وفي الشرق الأوسط بصفة عامة، فمسار عودة الثقة بين الحليفين السعودي والأمريكي مسألة غاية في الأهمية بالنسبة لأمن الخليج، فقد كان لانكفاء إدارة الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما عن أمن الخليج والشرق الأوسط دور سلبي في منح إيران مساحة نفوذ وهيمنة أوسع في المنطقة، خصوصاً بعد توقيع الاتفاق النووي بين مجموعة “خمسة زائد واحد” وبين إيران، وهو ما عاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عنه، مع تكثيف حملة الضغوطات على إيران.

التأكيد على الدور الأمريكي جاء في البند الثامن من البيان، والذي تضمّن طبيعة القراءة السعودية-الإماراتية للدور الأمريكي، انطلاقاً من الاتفاقات الثنائية بين دول مجلس التعاون الخليجي وبين الولايات المتحدة، وتأييد “الاستراتيجية الأمريكية تجاه إيران، بما في ذلك ما يتعلق ببرنامج إيران النووي، وبرنامج الصواريخ الباليستية، وأنشطتها المزعزعة للأمن والاستقرار في المنطقة ودعمها للإرهاب ومكافحة الأنشطة العدوانية لحزب الله والحرس الثوري ومليشيات الحوثي وغيرها من التنظيمات الإرهابية”.

استعادة الدور الأمريكي الفعّال في أمن الخليج، وتأكيد القمة الخليجية عليه، هو استعادة لمفهوم أشمل، يرتبط بأمن الطاقة العالمي، إذ لا يمكن أن تكون العلاقة النفعية بين الأطراف باتجاه واحد، فضمان أمن ممرات الطاقة في الخليج ليس مسؤولية خليجية فقط، وبشكل أكثر تحديداً ليس مسألة سعودية محضة، فقد قام ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، في فبراير/ شباط الماضي بزيارة مهمة إلى الصين، في إطار جولة آسيوية، ووقع حوالي 35 اتفاقية بين السعودية والصين، كما أكّد خلال زيارته تلك على أن ضمان تدفق الطاقة إلى دول العالم، ومنها الصين، يتطلب موقفاً حازماً من التهديدات الإيرانية.

إن سيناريو اللجوء إلى مجلس الأمن من قبل السعودية هو أحد السيناريوهات المحتملة، بالإضافة إلى الخيارات الأخرى، من أجل وضع حد للتطورات الأخيرة، التي فرضتها الخطوات التصعيدية الإيرانية، والتي كانت متوقعة أمنياً إلى حد كبير من قبل السعودية والإمارات، وبالتالي فإن ترتيب البيت الخليجي والعربي، بما ينسجم مع أي خطوات وترتيبات ومواجهات لاحقة أمر ضروري وحيوي، سعودياً وخليجياً، كما أن توضيح الموقف الخليجي من ترابط قضايا السلم العالمي، وتحقيق توازن في المصالح كان واضحاً، حيث أكد البيان الختامي في بنده الأخير على ”حرص دول مجلس التعاون على الحفاظ على الاستقرار والأمن والسلام في المنطقة، وعلى نمو الاقتصاد العالمي واستقرار أسواق البترول، وندد بالتهديدات الإيرانية لحرية الملاحة البحرية ولإمدادات النفط، ودعوة المجتمع الدولي إلى تحمل مسؤولياته في تأمين حرية الملاحة والممرات المائية، في ضوء تلك التهديدات والهجمات الأخيرة في الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية”.

إن السياق الذي فرض رفع الجاهزية السعودية والخليجية، وسياق تطور الأحداث اللاحقة على القمة، يدفعان نحو تعريض التوازن القلق في الخليج إلى حافة الهاوية، فعلى الرغم من تأكيد جميع الأطراف على عدم رغبتها في التصعيد، لكن يبدو أن ما يحدث هو عكس ذلك تماماً، فالاستفزازات الإيرانية وصلت إلى حد غير مسبوق، لكن الاتجاه السائد هو محاولة عدم الانزلاق نحو الحرب، وإبقاء الأولوية للتفاوض، حيث تشير معظم التحليلات الاستراتيجية المعتبرة إلى استبعاد جميع الأطراف لقرار المواجهة العسكرية، نظراً لانعدام الرغبة الأمريكية في تكرار تجربتي افغانستان والعراق، وهو ما أكدته تصريحات أمريكية، في مستويات عدة، من أن الإدارة الامريكية تريد تغيير السلوك السياسي للنظام الإيراني، ولا ترغب بالمواجهة العسكرية معه.

نحو دستور إسلامي جديد
على هامش القمم الثلاث، عقد مؤتمر “وثيقة مكة المكرمة”، ونظراً للاهتمام البالغ بالتطورات السياسية في منطقة الخليج، فإن الوثيقة لم تحظَ بالاهتمام والقراءة الكافيين، والتي وقعها 1200 شخصية من “علماء المسلمين” على اختلاف طوائفهم ومذاهبهم، وقدّمها المؤتمر على أنها “دستور إسلامي جديد”، واعتماد مصطلح الدستور يأتي في سياق تطلعات عديدة لوضع مبادىء عليا تحكم علاقة المسلمين ببعضهم البعض، أفراداً ومجتمعات ودول، وتحكم علاقتهم بالآخر، خصوصاً أن العقد الأخير شهد صعود قوي للحركات الإسلامية السياسية والجهادية، وكادت بعض التجارب الجهادية أن تطيح بخارطة الدول القائمة، وهو ما مثّله خطر تنظيم “داعش”، الذي سعى إلى إقامة خلافة إسلامية في العراق وسوريا.

تدرك السعودية، مع وصول الجيل الثالث إلى أبواب الحكم فيها، وجود معادلات دولية جديدة، تفرض إجراء تحوّلات مجتمعية في داخلها، تطال جوانب عقائدية وثقافية، بالإضافة إلى ضرورة تبريد الصراعات القائمة على منحى ديني وطائفي، وهو ما يستوجب إحداث انعطافات جذرية في إعادة قراءة العلاقة بين السياسي والديني، وبين المجتمعي/ الثقافي والديني.

تضمّنت “وثيقة مكة المكرمة” 29 بنداً، وقد افتتحت الوثيقة بالتأكيد على أن “البشر على اختلاف مكوناتهم ينتمون إلى أصل واحد، وهم متساوون في إنسانيتهم”، وبالتالي فإن هذا الدستور يضع مبدأ المساواة في الأصل الإنساني في المقام الأول، ويعتبره مبدأ أعلى، ما يخفّض بالتالي من شأن التباينات الموجودة بين الأديان، وينزع الصفة الاستعلائية القائمة على امتلاك الحقيقة من قبل أتباع دين معين، وفي القراءة السياسية فإن هذا التأكيد يسحب أي ذريعة للقيام بأعمال جهادية ضد الآخر المختلف.

ويستتبع هذا التأكيد على وحدة الأصل الإنساني، رفض الوثيقة “العبارات والشعارات العنصرية، والتنديد بدعاوى الاستعلاء البغيضة التي تزينها أوهام التفضيل المصطنعة”، والإقرار بالاختلاف الإنساني هو “الطريق الذي يوصل إلى الوئام والسلام الإنساني”.

من الواضح أن هذا السياق التتابعي/ الدستوري يهدف إلى رسم ملامح جديدة، قائمة على ترسيخ نسبية الذات العقائدية، بوصفها جزءاً من حالة التنوع، وليست حالة مركزية، تستدعي تشنج في المواقف السياسية والاجتماعية والإنسانية تجاه الآخر المختلف، وهذا الاتجاه نحو فرض نسبية العقائد ضمن التنوع الإنساني لا يشكل فقط منحى في قراءة موقع الإسلام من الحضارة الراهنة، بل يدخل فعلياً في ترسيخ نسبية موقع الدين في إدارة شؤون الحياة العامة، أي في إدارة الحكم والدولة والمؤسسات.

ولم تغفل الوثيقة التعامل مع مسألتين راهنتين، ترتبط الأولى بمسألة الاختيار بين الصراع والتنافس، مؤكدة على التنافس مقابل مقولات الصدام الحضاري، وهي المقولة التي تتبناها دوائر صنع قرار عديدة في العالم، بينما ترتبط المسألة الثانية بظاهرة “الإسلاموفوبيا”، والتي أصبحت مسألة بارزة فكرياً وسياسياً في العقد الأخير، نتيجة موجات اللجوء الكبيرة من الشرق الأوسط نحو أوروبا، والتي يبني عليها اليمين الأوروبي المتطرّف جزءاً كبيراً من سياساته، ومن برامجه الانتخابية.

خلاصة:
تعيش منطقة الخليج لحظة تاريخية فارقة على مستويات عديدة، وانطلاقاً مما أقرّته قمم مكة الثلاث، مضافاً لها مؤتمر “وثيقة مكة المكرمة”، يمكن القول بأن المخاطر والتهديدات تتمثل في الآتي:

  1. تسارع وتيرة المواجهة بين المحور السعودي-الإماراتي وإيران، والتي تنذر بتطورات خطيرة وكارثية.
  2. مخاطر رسم منظومة أمن واستقرار في الشرق الأوسط، لا تتضمن موقعاً وازناً للمصالح الخليجية والعربية.
  3. مخاطر ظهور حركات جهادية جديدة، مستثمرة في الاضطرابات الموجودة في ملف الخليج.
  4. إعادة تعريف العقد الاجتماعي داخل الدول الخليجية، بما يضمن حالة من الاستقرار، وتجنّب المواجهة مع قوى سلفية-جهادية، ترى في التحولات الناجمة عن مشروع ولي العهد الأمير محمد بن سلمان للملكة “رؤية المملكة 2030” خطراً على مصالح شخصيات وتيارات دينية نافذة.

وبناءً عليه، فإن هذه القمم الثلاث، وبقدر ما تضمنت من رؤى ومساعٍ لضبط مسارات المواجهة المحتملة على جبهات عديدة، إلا أنها أوضحت أيضاً المدى الذي وصلت إليه المخاطر المحدقة بأمن الخليج، وضرورة وجود مواجهة شاملة، مع تأمين أعلى حد ممكن من التعاون والتنسيق بين الدول الخليجية والعربية.

المصدر: العدد التاسع من مجلة ملفات أسبار الشهرية التي يصدرها مركز أسبار للدراسات والبحوث بمدينة دوسلدورف الألمانية