الرئيسية / مقالات / «اجتماع القدس» وبناء منظومة أمن واستقرار جديدة

«اجتماع القدس» وبناء منظومة أمن واستقرار جديدة

صلاح الدين بلال«اجتماع القدس» وبناء منظومة أمن واستقرار جديدة

صلاح الدين بلال

لا يبدو اجتماع القمة الأمنية الثلاثية الذي عُقد في 26 يونيو/ حزيران الماضي في القدس اجتماعاً عادياً، بالنظر إلى الأطراف المشاركة في الاجتماعات والمكان والظروف التي تمر بها المنطقة، من حيث التجاذبات الإقليمية، والصراعات الداخلية التي تعصف بالدول، بالإضافة إلى عدد من المتغيّرات في العلاقات الدولية، ما يمنح هذه القمة مكانة مميّزة في مساعي إيجاد منظومة أمن واستقرار جديدة في الشرق الأوسط، بعد أن آلت منظومة الأمن والاستقرار القديمة إلى التداعي والانهيار، خلال السنوات القليلة الماضية.

أتى الاجتماع الأمني الأمريكي-الروسي-الإسرائيلي في لحظة بالغة التوتر في منطقة الخليج العربي، مع ارتفاع منسوب التهديدات الإيرانية لخطوط نقل النفط البحرية في الخليج، وحشد عسكري أمريكي كبير، بعد أن تعرّضت ناقلات نفط في المياه الإقليمية لدولة الإمارات لعمليات تخريب، يُعتقد على نطاق واسع بأن إيران تقف وراءها، بالإضافة إلى التطور النوعي في التصعيد، عبر إسقاط إيران طائرة أمريكية مسيّرة. أما اختيار القدس لهذا الاجتماع فهو أمر ذو دلالة في اللحظة الراهنة، حيث تعمل الولايات المتحدة على تمرير “صفقة القرن”، وهو ما يدعو إلى الربط الاستراتيجي بين عدد من الملفّات الحيوية، حيث تعتقد إدارة الرئيس دونالد ترامب بأن الظروف الراهنة، وما تحمله من فرص، تجعل أي دعوات لرفض ومقاومة هذه الصفقة مجرد دعوات لفظية، لا تستند إلى موازين القوى الراهنة، وأنه بالإمكان دفع مختلف اللاعبين إلى التعامل مع هذه الصفقة، وبالتالي تحقيق مكاسب عديدة للولايات المتحدة، من بينها مكاسب سياسية خاصّة بالرئيس ترامب نفسه.

من جهتها، تحرز حكومة نتنياهو نقاط نجاح عديدة من خلال قدرتها على جمع الطرفين الأمريكي والروسي، كما أن منح الدولتين لتل أبيب هذه الورقة، هو من قبيل اعترافهما وتأكيدهما المشترك على دور إسرائيل في ترتيبات خارطة الأمن والاستقرار الجديدة، خصوصاً أن مجيء الرئيس ترامب إلى البيت الأبيض أعاد الحرارة إلى علاقات تل أبيب وواشنطن، بعد أن فَترت في مرحلة الرئيس السابق باراك أوباما، كما تمكنت تل أبيب وموسكو من بناء علاقات جيدة، بعد التدخل العسكري الروسي في سوريا، وهو ما تظهره اللقاءات الكثيرة التي عقدها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مع رئيس الحكومة الإسرائيلي، وما نتج عنها من ترتيبات، بشأن ضمان أمن إسرائيل.

تدرك الولايات المتحدة وإسرائيل أن الوجود الروسي في هذه القمة، من شأنه أن يوجّه رسالة لإيران بأن موسكو أصبحت جزءاً من المخططات التي تستهدف النفوذ الإيراني في عموم منطقة الشرق الأوسط، الأمر الذي من شأنه أن يقلل من عوامل الثقة بين طهران وموسكو، وأن يدفع طهران للقبول بأن تكون روسيا ممثلة للمصالح الإيرانية في العلاقة مع واشنطن وتل أبيب.

قبيل الاجتماع بأيام، أطلقت روسيا تصريحات أكدت فيها أنها “تراعي المصالح الإيرانية في أي حل في سوريا”، لترد إيران بتصريحات لمجلس الأمن القومي، جاء فيها “أنه لا يمكن لأي جهة إجبار إيران على الانسحاب من سوريا”، وهذه الرسائل المتبادلة بين موسكو وطهران تشير إلى الأهمية الاستثنائية للقمة الأمنية الثلاثية في القدس، ومدى المخاوف الإيرانية من تحوّلات في الموقف الروسي، وما يمكن أن ينجم عنها من ترتيبات، تتعلق بالضغط المباشر على الوجود الإيراني في سوريا. نحن أمام ثلاثة ملفّات مركزية في ترتيبات منظومة الأمن والاستقرار في المنطقة، وهي تحجيم نفوذ إيران الإقليمي، والقضية الفلسطينية، وآليات الحل في سوريا، غير أن وضعها في سلّة واحدة، بقدر ما يفصح عن وجهة نظر شمولية لقضايا المنطقة، وترابطها مع بعضها البعض، بقدر ما يجعل من إمكانية تحقيق تقدم كبير فيها أمر صعب، وكلّ ما يمكن توقعه من التفاهمات الثلاثية هو إيجاد مسار لحل هذه القضايا، فيه الكثير من المخاطر والفرص في الوقت نفسه، لكنه يتجاهل إلى حدّ بعيد جذر المشكلات نفسها، ومدى هشاشة الأوضاع في المنطقة، كما أنه يغضّ الطرف عن عوامل الاستقرار الحقيقية، وبالتالي فإن فرض ترتيبات نحو خارطة أمن واستقرار جديدة قد تكون مقدّمة لإشعال المزيد من الحروب، وتعميق الأزمات.

الطرفان الأمريكي والروسي، وعلى الرغم من حاجتهما المشتركة للتنسيق في قضايا الشرق الأوسط، إلا أن ما يحكم العلاقة بينهما ملفات عديدة، يعدّ ملف الشرق الأوسط أحدها، وهو ما يجعل الوصول إلى رؤية مشتركة بينهما لقضايا الشرق الأوسط محكوم أيضاً بالكيفية التي ستنعكس فيها تلك الرؤية على الملفّات الخلافية الأخرى (ملف القرم، ملف الطاقة، أوروبا، الصين).

المصدر: العدد التاسع من مجلة ملفات أسبار الشهرية التي يصدرها مركز أسبار للدراسات والبحوث بمدينة دوسلدورف الألمانية

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *